
“رجاء حكيم ما تبلّش الكتاب من اولو، انما من الصفحة 108 اذا ممكن”، وفتح الحكيم الكتاب عند الصفحة اياها وقرأ: “سنة 1970 حصل اشتباك في كلية الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت مع الطلاب اليساريين، وكان من بينهم ربيع وعبد الرحمن الأسير ويوسف العلمي. اشتبكنا معهم على أدراج الكلية، وفيما كنا نتقدم للدفاع كونهم هم من بادروا بالهجوم علينا، إذ بشاب طويل القامة رفيع الجسم يحمل بيده قضيباً من الحديد، يهجم كالأسد! نظرنا إلى بعضنا نظرة استغراب لأننا لا نعرفه وتساءلنا من يكون هذا الشاب، وهل هو معنا أم ضدنا؟ كان واضحاً أنه تلميذ جديد في الجامعة ولكنه ما لبث أن وقف إلى جانبنا وشارك في المعركة كالأسد، حتى أننا ظننا أنه يزايد علينا، وقع في الإشتباك عدد كبير من الجرحى وعند انتهاء المعركة تقدّمت من الشاب وسألته “مين بتكون”؟ فأجاب بأنه طالب جديد في الجامعة وحين سالته عن إسمه أجاب “اسمي سمير جعجع”… هكذا كتب الرفيق انيس وديع نصّار في كتابه “رحلتي من سوق الغرب إلى الشرق والغرب”… على فكرة أتعرفون الرجل؟
قد لا يكون الاسم مألوفاً عند كثر، او الاصح قد لا يكون الاسم مستهلك شعبياً، لمن لا يعرف هو مرشح “القوات اللبنانية” للانتخابات النيابية المقبلة عن المقعد الأرثوذكسي في دائرة عاليه. ثمة الكثير ما يكتب عنه، الكثير الذي كنت شخصياً اجهله لان الرجل الذي لمع اسمه في الولايات المتّحدة ودبي وعمان، هو مهندس ورجل اعمال من الطراز العالي، الا يقولون ع اللبناني “رفع اسم لبنان بالعالي”؟! وعن جدّ فعلها، لكن رفع اسم لبنان لم يأتِ هكذا بالصدفة او من عبث الحظ او منّة من احد، فعلها بعد معاناة وانكسار وهزيمة وحزن وتعب، وايضاً بعد يأس كاد أن يأخذه الى ابعد بكثير مما يجب، لكن ايمان الرجل بأرض الارز وبـ”القوات اللبنانية” بما وبمن تمثل، جعله مناضلاً من الدرجة الاولى، وليس النضال وحده هناك عند خطوط التماس، ثمة خطر اشد خطراً بعد من البارودة والمدفع، هي الحياة بتفاصيلها الموجعة حين تتربّص بنا وتحوّل حياة انسان الى جحيم لتختبره بنارها، وكانت إن فعلت فعلها بأنيس نصار وعائلته، لكنه وخرج من التجربة مكللاً بانتصاره عليها، ومسجّلا الكثير من الانتصارات لها وله.
لما تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت مهندساً مدنياً العام 1973، قرر ان يغادر لبنان بعد ثلاث سنوات، ليؤسس “انيس نصار غروب للهندسة” في مسقط عمان وايضاً في دبي، ترك البلاد وبقي فيها، نجاح الغربة لم ينسه واجبه تجاه دينه أرضه ووطنه الام وضيعته “بمكين” في سوق الغرب، فعاد وانغمس بالشؤون الاجتماعية والانسانية، عودة لم تكن عادية بعدما قرر اولاً ترميم بيت الاهل تنفيذاً لوصية والدته التي ماتت قهراً، وكانت واحدة من الاسباب المباشرة التي دفعته الى الهجرة. ما حصل ليتحول مصير أنيس نصار الى ما تحوّل عليه؟
في كتابه يروي الكثير عن حاله، وفي مقابلة لمجلة “المسيرة” يقول: “أريد أن أكتب لأن ثمة ديناً عليّ ان أفيه لعائلتي وأهلي ومنطقتي وبلدي”.
في عز الحرب خُطف الاخ الاكبر لانيس وعاد الى البيت شهيداً، مرضت الام وماتت بعد فترة قصيرة من حزنها، اصيب انيس بانهيار عصبي وما لبث ان هاجر يائساً غاضباً، تصالح مع نفسه في الغربة ومع محيطه في ذاك الجبل، ولما علم انه اصبح قادراً على الصفح واكمال مسيرته في وطنه، عاد. مسيرة التقدم لم تتوقف لحظة عنده، صار عضواً في مجلس امناء جامعة البلمند، وقرر ان من حق ابناء سوق الغرب والجبل ان يتلقوا العلم في منطقتهم، فكان لجامعة البلمند بفضله وفضل من آمن بمشروعه، فرع هناك، وافتتح في 23 تموز العام 2010 وصارت الجامعة ملقى لطالبي العلم من أبناء الجبل ومن الطوائف كافة، “من الأفضل لي ان أعلّم شخصاً صيد السمك على ان أعطيه سمكا” يقول.
في كتابه يتحدث عن رحلته الصعبة في الحياة وبالتفاصيل، ويخبر انه ولد في الكاراج “كان أهلي وإخوتي يعيرونني على سبيل المزح اني ابن الكاراج، وبضحك وبقلن ما عندي مشكلة”، ومن الطبيعي لا يشكل ضيق حال الاهل حينذاك ازمة للرجل العصامي الذي بنى نفسه وبنفسه متخطياً كل العقبات بايمان وصبر لا يقارب.
العام 1995 بدأ بترميم منزله في سوق الغرب، استغرق الامر 11 عاماً، واطلق على المنزل اسم “دار المحبة” وحفر على جدار غرفة الطعام هذه العبارة: “سنة الستة وتلاتين هالصرح انبنى، وبيي وديع فيه اعتنى، وبالحرب بيتنا صفّى رماد لما القهر والظلم علينا جنى، وقالت إمي بوصيكم يا ولاد، ما بدي بيتنا يهوي ع الفنا، ولما المحبة رجعت ع البلاد، رجعنا وعاد تعمّر بيتنا، ووصيتك يا إمي حملتا أنا”.
وها هو المهندس انيس وديع نصار مواليد 1951، المتزوج من دارا ابو زينة واب لناتاشا والكسندر وجانين، صار مرشح “القوات اللبنانية” في دائرة عاليه، انطلاقاً من ايمانه العميق
بلبنان وبابناء بلده الذي لم ينفصل يوماً، لحظة، عمراً عنهم، وحاول ولا يزال ان حيث يكون، عليه ان يزرع جذوراً طيبة، “أنا متفائل بمستقبل لبنان لأنو وطن العلم والثقافة ونحنا لـ منصدّر العلم والمدارس والأدمغة إلى العالم ولولا ذلك كنا انتهينا وانتهى لبنان”…
