عهد ترامب استراتيجية القوة الأميركية.. التغيير في إيران والبقاء في سوريا وتهديد كوريا الشمالية

خاص “المسيرة” – واشنطن ــ العدد 1643 لهذا الأسبوع:

أكدت «استراتيجية الأمن القومي» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن قوة الولايات المتحدة ستكون مرتكزاً أساسياً لسياسة الإدارة الجديدة، إن في الولاية الحالية، أو في خلال أي ولاية مقبلة قد يستطيع معها الرئيس ترامب العودة إلى البيت الأبيض لمرة ثانية.

ودلت هذه الاستراتيجية على أن هناك فريقاً متكاملاً معنيًا بالسياستين الخارجية والداخلية يحيط بالرئيس، وقد عبر فريق السياسة الخارجية للرئيس بوضوح عما تواجهه الولايات المتحدة كقوة عالمية من تحديات في الخارج، حيث أظهر ترامب أن أميركا  تواجه «ثلاث مجموعات رئيسية من المنافسين وهي روسيا والصين، والدولتان المارقتان إيران وكوريا الشمالية، والمنظمات التي تشكّل خطراً عابراً للأوطان، لا سيّما الجماعات الإرهابية الجهادية». وأشارت الاستراتيجية أيضاً إلى «صراعات سياسية بشكلٍ أساسي بين أولئك الذين يفضّلون الأنظمة القمعية ومَن يفضّلون المجتمعات الحرّة»، مما يجعل العالَم في وضعٍ معلَّق حيث لا يعيش الخصوم في حالة «سلامٍ» أو «حربٍ»، بل في «ميدان المنافسة المستمرة».

وبحسب عدد من الباحثين في واشنطن فإن «استراتيجية الأمن القومي» الجديدة تُضيف نظرةً عالميةً تعود إلى القرن التاسع عشر أكثر منها إلى القرن العشرين على سياساتٍ تُشبه كثيراً ما كانت الولايات المتحدة تقوم به منذ عام 1940، إنّما مع التشديد على الصحة الاقتصادية والمنافسة والقوة العسكرية الأميركية أكثر من الإدارات السابقة.

وقد شهدت الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب سلسلة من الأحداث والمواقف حول عدد من القضايا الدولية والداخلية، ولا سيما في المواجهة مع إيران، وفي قرار نقل السفارة الأميركية الى القدس، وإبقاء القوات الأميركية في سوريا، والتصدي للبرنامج النووي في كوريا الشمالية، على رغم فتح ملف التدخل الروسي في انتخابه.

إيران: العالم يراقب

لم تشأ إدارة ترامب المرور بشكل عابر أمام الانتفاضة الشعبية ضدّ نظام الملالي في طهران فكانت السباقة في التعليق على التحركات الاحتجاجية التي عمّت عدداً من المحافظات والمدن الإيرانية، فندّدت باعتقال عشرات المحتجين. وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن «العالم بأسره يدرك أن الشعب الإيراني الطيب يريد التغيير وبخلاف القوة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة فإن الشعب الإيراني هو أكثر ما يخشاه قادته». وأعرب الرئيس الأميركي، عن دعمه الكامل للاحتجاجات، مشيرا إلى أن «الأنظمة الظالمة» لن تستمر إلى الأبد.

وكتب ترامب، في تغريدتين أن «كل العالم يفهم أن الشعب الإيراني الطيب يريد التغيير، وأن ما يخشاه قادته بشكل أكبر، فضلا عن القوة العسكرية الضخمة للولايات المتحدة، هو الشعب الإيراني».

وشدد ترامب، على أن «الأنظمة القمعية لا تستطيع أن تستمر إلى الأبد، وسيحين يوم يواجه فيه الشعب الإيراني ضرورة الاختيار»، وقال: «العالم يراقب!».

جدير بالذكر أن إدارة الرئيس الأميركي توجّه اتهامات متكررة للحكومة الإيرانية بأنها تمثل الداعم الأكبر للإرهاب عالميا، وتزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال التدخل في شؤون الدول.

وتواجه إيران اتهامات من قبل البيت الأبيض بـ»انتهاك روح» خطة العمل المشتركة الشاملة الخاصة بتسوية الملف النووي الإيراني، وذلك في الوقت الذي تؤكد فيه الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية التزام الحكومة الإيرانية بـ الاتفاق الدولي.

وحثت واشنطن جميع الدول على أن تدعم علناً الشعب الإيراني ومطالبه بالحقوق الأساسية وفي وضع حد للفساد في البلاد. وقالت، إن قادة إيران حوّلوا البلد من دولة ثرية ذات تاريخ وثقافة غنية إلى دولة مارقة مستنفدة اقتصاديا تتمثل صادراتها الرئيسية في العنف وإراقة الدماء والفوضى.

وكان ترامب قد افتتح المواجهة مع إيران في قمة الرياض التي جمعت نحو 55 رئيسًا وممثلاً للدول الإسلامية في 20 أيار 2017 التي تم فيها تحميلها مسؤولية زعزعة الاستقرار في المنطقة، بالإضافة الى وض استراتيجية لمحاربة الإرهاب وخصوصا «حزب الله».

الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل

في السادس من كانون الأول 2017 اعترف الرئيس دونالد ترامب رسميا القدس عاصمة لإسرائيل، وذكر أن السفارة الأميركية سيتم نقلها إليها من تل أبيب. وقد شكّل هذا القرار تحوّلًا بعيدًا عن ما يقرب من سبعة عقود من الحياد الأميركي في هذا الشأن. ولم يُشر دونالد ترامب في بيانه إلى القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطينية في المستقبل إلا أنه قال إن اعتراف الولايات المتحدة لم يحلّ النزاع حول حدود العاصمة الاسرائيلية. وأعلن تأييده للحفاظ على الوضع القائم في المواقع المقدسة داخل البلدة القديمة.

وأوضح وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في وقت لاحق أن بيان الرئيس «لم يشر إلى أي وضع نهائي للقدس، وكان واضحا جدا في أن الوضع النهائي، بما في ذلك الحدود، سيترك للطرفين للتفاوض واتخاذ قرار».

نشير إلى أنه منذ تأسيس دولة إسرائيل الحديثة، عارضت الولايات المتحدة إعلان إسرائيل القدس عاصمتها في عام 1949 وعارضت خطة الأردن لجعل القدس عاصمة ثانية أعلنت في عام 1950. كما عارضت الولايات المتحدة ضم إسرائيل للقدس الشرقية بعد حرب 1967. وقد اقترحت الولايات المتحدة أن يكون مستقبل القدس موضوع تسوية تفاوضية. وقد حافظت الإدارات اللاحقة على السياسة نفسها التي مفادها أن مستقبل القدس لن يكون موضوع إجراءات أحادية الجانب يمكن أن تضرّ بالمفاوضات، مثل نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس.

الوضع في سوريا

بعد تقليص نفوذ وسيطرة تنظيم داعش في سوريا والعراق، وإعلان واشنطن عن إبقاء قواتها المنتشرة في سوريا إلى حين التأكد من هزيمة تنظيم «داعش» والتنظيمات الإرهابية بشكل نهائي، سجل الموقف الأميركي من تطورات الأوضاع في سوريا تقدما نوعياً من خلال إعلان وزير الدفاع جيم ماتيس مع نهاية الأسبوع الأخير من العام 2017 وتحديداً في التاسع والعشرين من كانون الأول، أنه يتوقع زيادة عدد المدنيين الأميركيين في سوريا وبينهم متعاقدون ودبلوماسيون مع اقتراب المعركة ضد متشددي تنظيم الدولة الإسلامية من نهايتها وتحول التركيز إلى إعادة البناء وضمان عدم عودة المتشددين، وبرهن هذا الموقف ان واشنطن لا تعير اهتماما لوجود نظام بشار الأسد، الذي تدرك حقيقة أن بقاءه بات مرتبطاً فقط بعامل واحد وحيد هو الدعم الروسي الفاضح لبقائه خدمة للمصالح الروسية في المنطقة. وعلى الرغم من الإقرار الأميركي بالدور الروسي في سوريا، إلا أن واشنطن تستمر في تنفيذ خطتها في سوريا، والتطور النوعي في موقف وزير الدفاع الأميركي هو نشر أو إعادة دبلوماسيين أميركيين إلى سوريا ليس إلى مناطق سيطرة النظام بل إلى مناطق تنتشر فيها المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة، وتمثل هذه الخطوة المهمة مؤشراً واضحاً على مدلولات الموقف الأميركي من كيفية حل النزاع السوري.

وقال ماتيس إن «ما سنقوم به هو التحول من  نهج الهجوم لاستعادة الأراضي إلى إرساء الاستقرار. وسيكون هناك المزيد من الدبلوماسيين الأميركيين على الأرض».

وهذه هي المرة الأولى التي يقول فيها ماتيس إنه ستكون هناك زيادة في عدد الدبلوماسيين في المناطق التي جرت استعادتها من الدولة الإسلامية.وقال ماتيس «عندما تستقدم مزيدا من الدبلوماسيين فسيعملون على إعادة الخدمات واستقدام المتعاقدين». وأضاف «هناك أموال دولية ينبغي إدارتها بحيث تثمر عن شيء ما ولا ينتهي بها الأمر في جيوب الأشخاص الخطأ».

موسكو والتدخل في الانتخابات الأميركية

إلى جانب الملفات الخارجية التي تابعتها إدارة ترامب في خلال العام 2017، تبقى ذيول الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة تلقي بثقلها من ضمن القضايا الداخلية التي تواجهها الإدارة الحالية، وهذه الذيول مرتبطة بحقيقة التدخل الروسي في هذه الانتخابات، حيث أدّت المعلومات عن هذا التدخل إلى سقوط رؤوس مسؤولين كبار حاليين وآخرين شغلوا مناصب في حملة ترامب الانتخابية، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قطع الشك باليقين حينما استبعد أن تؤثر نتائج التحقيق سلباً على وضعيته كرئيس للولايات المتحدة، فقال صراحة إنه يعتقد أنه سيلقى معاملة نزيهة في التحقيق الذي يقوده محقق خاص بشأن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية لكنه قال إنه لا يعلم المدة التي قد يستغرقها التحقيق.

وظل هذا التحقيق الاتحادي يلقي بظلاله على البيت الأبيض منذ تولي ترامب الرئاسة قبل عام تقريبا واتهم بعض حلفاء ترامب فريق المحقق الخاص لوزارة العدل روبرت مولر بالتحيز ضد الرئيس الجمهوري.

لكن في مقابلة أجرتها معه صحيفة نيويورك تايمز بدا ترامب غير مبال بالمخاوف بخصوص التحقيق الذي أجري بعدما استنتجت وكالات مخابرات أميركية أن روسيا حاولت مساعدة ترامب في هزيمة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون عن طريق نشر رسائل إلكترونية محرجة ودعاية مثيرة للانقسام.

وقال ترامب فيما وصفتها الصحيفة بمقابلة ارتجالية استغرقت 30 دقيقة في نادي الجولف الذي يملكه في وست بالم بيتش بولاية فلوريدا «لم يحدث تواطؤ. لكنني أعتقد أنه سيكون نزيها».

ووجه مولر في تحقيقه الاتهام لأربعة من مساعدي ترامب. ونفت روسيا التدخل في الانتخابات الأميركية.

وعلى مدى أسابيع قال محامو ترامب إنهم يتوقعون أن ينتهي تحقيق مولر سريعا ربما بحلول نهاية عام 2017. ولم يعلق مولر على المدة التي قد يستغرقها التحقيق.

وأضاف الرئيس الأميركي أنه يعتقد أن طول أمد التحقيق «يجعل صورة البلد سيئة» لكنه قال إن التحقيق حفز قاعدة مؤيديه وجعلها أقوى. وقال «قاعدتي أقوى من أي وقت مضى».

وفي ايار من العام 2017 ، أقال ترامب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي على خلفية التحقيق المرتبط بمسألة التدخل الروسي. إلا أن التحرك جاء بنتيجة عكسية حيث دفع وزارة العدل إلى تعيين روبرت مولر مدعيا خاصا.

ويتولى مولر التحقيق في ما إذا كانت حملة ترامب تواطأت مع روسيا، وإذا كان قرار ترامب عزل كومي يُعد عرقة لسير العدالة.

كوريا الشمالية

بعد رفع منسوب التوتر بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إثر تجارب بيونغ يانغ النووية والصاروخية المتكررة، وتهديداتها بإستهداف الأراضي الأميركية، أبدت الولايات المتحدة استعدادها لبدء محادثات مع كوريا الشمالية «من دون شروط مسبقة»، رغم أنها تبقى مصممة بكل الوسائل، بما فيها العسكرية، على حمل بيونغ يانغ على التخلي عن السلاح النووي.

وكان وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون قال على هامش منتدى المجلس الأطلسي في واشنطن إن بلاده على استعداد للتفاوض مع كوريا الشمالية، مؤكدا في المقابل جاهزية أميركا عسكريا لمواجهة أي تطورات.

وبعد تصريحات تيلرسون أعلن البيت الأبيض أن وجهات نظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه كوريا الشمالية لم تتغير، وقال بيان صادر عن الرئاسة الأميركية إن كوريا الشمالية تتصرف بطريقة غير آمنة ليس فقط مع اليابان وكوريا الجنوبية، بل مع العالم برمته.

من جهة أخرى، أعلن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان بعد عودته من بيونغ يانغ أن مسؤولين كوريين شماليين أبلغوه أنه من المهم منع وقوع حرب، لكنهم لم يقدموا أي عروض ملموسة من أجل إجراء محادثات بشأن البرنامج النووي.

ودخلت موسكو على خط التهدئة بين واشنطن وكوريا الشمالية، حيث شهد نهاية العام اتصالاً بين وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ونظيره الروسي سيرغي لافروف اتفقا في خلاله على مواصلة الجهود التي تستهدف التصدي لبرنامج كوريا الشمالية النووي، وأكدت واشنطن وموسكو أنهما لا تقبلان بحيازة بيونغ يانغ لأسلحة نووية.

وكان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد أعلن أيضاً أنه لا يمانع لقاء زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، في رد فعل لا يعكس حالة العداء الواضحة بين الطرفين.

يذكر أن الشهور الماضية شهدت تراشقا بين الزعيمين، حيث وصفت بيونغ يانغ ترامب بأنه «مختل عقليا ولا أمل في علاجه ويفتقد للتوازن»، بل أنها وصفت احاديثه عنها بـ«نباح الكلب».كما أن ترامب توعد ترامب كوريا الشمالية من قبل بالنار والغضب، واصفا كيم يونغ أون برجل الصواريخ الصغير.

عودة القوة العظمى

في ضوء كل ما تقدّم فإنّ الاستنتاج الأهم الذي يمكن استخلاصه من «استراتيجية الأمن القومي» التي أعلنها الرئيس ترامب هو أنها تعيد بوضوح التركيز على الدور الأميركي التقليدي، حيث أن قوة أميركا لا تكمن في المصالح الحيوية الخاصة بالشعب الأميركي فحسب، بل أيضاً في مصالح الذين يريدون أن يكونوا شركاء الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم، سعياً لتحقيق مصالح وقيم وتطلّعات مشتركة.

وتبعاً لذلك لا تبدو ركائز «استراتيجية الأمن القومي» الجديدة مختلفة عن الاستراتيجيات الأميركية السابقة، ولا تعكس ما كان أعلنه ترامب مراراً خلال حملاته الانتخابية حيث أوحى أنه يؤيد أن تسلك بلاده سياسة عزلة دولية وانصرافاً للاهتمام بالشؤون الداخلية، إنها في الواقع نظرة تقليدية تعيدنا إلى الولايات المتحدة في حقبة «القوة العظمى».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل