“حزب الله” أمام خيارين: الالتزام بالدستور أو الاستقالة من الحكومة

 

 

 

كتب شارل جبور في مجلّة “المسيرة” – العدد 1644 لهذا الأسبوع:

لدى إثارة وزراء «القوات اللبنانية» في الجلسة الأولى للحكومة في العام الجديد انتهاكات «حزب الله» لسياسة النأي بالنفس والسيادة وضرب الدولة وهز الاستقرار وتعريض الوضع للخطر، جاء الجواب ان المسائل الخلافية يجب ان تبقى خارج الحكومة ولا يفترض ان تطأ عتبتها، وأن إثارة هذه المسائل ينعكس سلبا على المناخات التوافقية، الأمر الذي يؤكد ان أصحاب وجهة النظر الأخيرة لا يفقهون معنى دور مجلس الوزراء، أو أنهم يريدون عن سابق تصور وتصميم انتزاع أحد أبرز أدوار هذا المجلس.

وطالما ان الحديث عن اتفاق الطائف تجدد في الآونة الأخيرة من زاوية مرسوم الأقدميات، فلا بأس من تذكير أصحاب وجهة نظر نأي مجلس الوزراء بنفسه عن الملفات الخلافية بما نص عليه اتفاق الطائف لجهة أنه يناط بمجلس الوزراء «وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات»، وحدد المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء «حالة الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة (…).

فلا سلطة خارج مجلس الوزراء، وسلطاته لا تجزأ بين أمنية يتولاها «حزب الله» واقتصادية وإنمائية ومحلية تتولاها سائر القوى السياسية، وإذا كان هناك من استثناء، فهذا الاستثناء كان نتيجة الاحتلال السوري للبنان، ومن غير المسموح تحويله إلى قاعدة.

ومن الواضح ان هذا الفريق اختلطت عليه المسائل بين التزامه بسياسة النأي بالنفس التي تستدعي خروجه من أزمات المنطقة وإبقاء لبنان بمنأى عن صراعات المحاور، وبين ان ينأى مجلس الوزراء بنفسه عن القضايا الأساسية السيادية والمصيرية، لأن ما يريده بالفعل هو إبقاء لبنان جزءا لا يتجزأ من محور الممانعة، وجعل السلطة السياسية في حارة حريك وليس داخل مجلس الوزراء.

وما أظهرته جلسة مجلس الوزراء في مطلع العام ان «حزب الله» لا يستسيغ التطرق إلى تجاوزاته داخل الحكومة كونها الإطار الرسمي والشرعي الذي يريده مظلة لدوره وليس لرفع الغطاء عن هذا الدور الخارج عن الدولة والإجماع اللبناني، فيما هو لا يقيم أي وزن واعتبار للحكومة ومكوّناتها فيسمح لنفسه بأدوار وممارسات تنسف مبدأ وجود دولة في لبنان.

ومن يستمع للسيد حسن نصرالله يتحدث عن الحرب الكبرى ولقاءاته مع الفصائل الفلسطينية وسعيه الى توحيد مكوّنات محور المقاومة وتلويحه بفتح الحدود أمام آلاف المقاتلين وتحرير القدس، يتأكد ان هناك جمهورية في قلب الجمهورية اللبنانية، وان هناك جمهورية اهتماماتها طبيعية من خلافات سياسية إلى متابعة أولويات الناس الحياتية والتهيئة للانتخابات النيابية، مقابل جمهورية تعمل على مساحة منطقة الشرق الأوسط وتتعامل مع لبنان كساحة من ساحات المواجهات التي تخوضها في كل أنحاء المعمورة.

وإن دل هذا النهج على شيء، فعلى عقيدة «حزب الله» وفكره غير المؤمن بنهائية لبنان ولا بنهائية الكيانات في المنطقة، ويؤكد المؤكد لجهة ان أهداف الحزب لا علاقة لها بلبنان، ويثبت أنه لا يأبه لانعكاسات مغامراته على استقرار لبنان، وأنه لا يقيم أي وزن للدولة والشعب، ويفوِّض نفسه اتخاذ القرار بالنيابة عن الدولة والشعب اللبناني.

وقد وجد «حزب الله» باعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل فرصة لإعادة تلميع صورته بعدما أظهرته أحداث السنوات الأخيرة على حقيقته بأنه فصيل شيعي يقاتل بإمرة إيرانية ولأهداف إيرانية، وبالتالي حاول ويحاول توظيف هذا التطور لاستعادة صورة ودور لن يستعيدهما يوما، ولكن الأخطر أنه يستخدم لبنان كمنطلق للعودة إلى مشروعه الأصلي، ويتصرف كأن لا أحد غيره في لبنان، أو كأنه الحاكم بأمر الله ولا يفترض مناقشته أو الاعتراض على دوره.

وبالتوازي مع كل ذلك هناك من يطرح الخروج من الحكومة وترك السلطة بيد «حزب الله» في عودة إلى ما كان عليه الوضع في زمن الاحتلال السوري بحجة تحميل الحزب مسؤولية سياساته، ولكن في الحقيقة هذا ما يطمح إليه الحزب، فيما المطلوب التأسيس على ما تحقق مع انتفاضة الاستقلال من خلال دخول الحركة السيادية بقوة إلى الدولة من أجل إرساء التوازن مع الدويلة أولا، وتوسيع حضور الدولة ثانيا.

الأساس انه لا يجب إعطاء «حزب الله» فرصة التحكم بالسلطة التنفيذية على قاعدة إما التخلي عنها ليتحكم بكل مفاصلها، وإما تحويلها إلى إدارة محلية لا تتعاطى بالشؤون المصيرية والاستراتيجية، فيما الخيار الوحيد الدخول معه في ربط نزاع فعلي لا شكلي ولو أدى إلى شلل حكومي أو محاولة الحزب إخراج الطرف الرافض لتجاوزاته وانتهاكاته من الحكومة، فهذا الأسلوب هو الوحيد القادر على فرملته وإفهامه ان منطق الدولة في قلب الدولة لا ولن يستقيم، وإذا كان هناك من خيار فهو خروجه من الحكومة على قاعدة إما الالتزام بالدستور والقوانين المرعية والإجماع الحكومي، وإما الاستقالة من الحكومة ومجلس النواب لممارسة قناعاته غير اللبنانية وسياساته الإيرانية، وحينذاك يبنى على الشيء مقتضاه.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل