إنتفاضة إيرانية بلا قيادة

 


 

 

كتبت أغنس الحلو زعرور في “المسيرة” – العدد 1644:

إنتفاضة إيرانية بلا قيادة

قهوجي: النظام يملك آلة قمع قوية

حنا: لن تحصل حرب أهلية

 

فاجأ الشعب الإيراني العالم بالتظاهرات التي تحدت آلة القمع العسكرية والدينية. ويترقب العالم المشهد الإيراني بصمت وحذر شديد. فالإنتفاضة بلا قيادة لم ترقَ بعد إلى مصاف الثورة المسلحة والنظام الإيراني يملك القدرة على القمع بالقوة. ولكن اللافت ترديد المتظاهرين شعارات منددة بالمرشد الإيراني وهذه تعتبر سابقة من نوعها. ولكن هل يمكن أن تتحول الإنتفاضة إلى “ثورة” تحصد دعما دوليا؟ ومن هي القوى الإيرانية القادرة على قيادتها؟

أضاء رياض قهوجي، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري، على البعد الاستراتيجي لهذه الانتفاضة: “الإنتفاضة الإيرانية التي استمرت على مدى أيام لا يزال حجمها غير معروف على رغم ضآلة وتيرتها. ولا يمكن تسميتها بالثورة بعد. إنها إنتفاضة وكانت متوقعة حتى من داخل إيران. فقد حذر المحللون خلال العامين الماضيين من تردي الأوضاع الإقتصادية والمعيشية وانتشار الفساد في الدولة مما يشكل عامل ضغط كبير. فهناك أكثر من 40 في المئة من الإيرانيين تحت مستوى الفقر، وبالتالي كان من المتوقع أن يؤدي هذا إلى انفجار في الشارع وأزمة داخل الدولة. وهذا ما تجلت مظاهره في الأحداث الأخيرة وبخاصة بعد قرار الحكومة الأخير بوقف الدعم عن الإيرانيين الذي تأثرت فيه الطبقة الفقيرة كثيرا”.

من سيقود الثورة؟

تخطت الانتفاضة أسبوعها الثاني ولم تقطع أوصالها بالكامل آلة القمع، على رغم محاولاتها لذلك بدءا بقطع إرسال الإنترنت. وحول إمكانية تسليح هذه الانتفاضة وتحولها إلى ثورة أجاب قهوجي: “من المبكر الكلام عن تحول الإنتفاضة إلى ثورة مسلحة، أنا أفضل ألا أستبق الأمور، فإيران تملك آلة قمع قوية جدا على عدة مستويات. تبدأ سياسة القمع في إيران بشكل تصاعدي من الشرطة ثم الباسيج ثم الحرس الثوري وكلما تطورت الأمور كلما زادوا حجم آلة الضغط والقمع وبالتالي ننتظر لنرى ما إذا كان الشعب سيصمد أمام هذا التصعيد المتدرج لآلة القمع. في حال استطاع أن يصمد أمامها يمكننا أن نقول إن الإنتفاضة في إيران تحولت بالفعل إلى ثورة وباتت تهدد النظام. إنما الآن لا يزال الوقت مبكرا على هذا الكلام”.

يتوقف تحول هذه الإنتفاضة إلى ثورة مسلحة على كمية الزخم الذي ستناله. فإذا ارتفع الزخم الداخلي ووصل قسم كبير من الشعب الإيراني إلى درجة اليأس بحيث لم يعد يهتم إلى القمع كلما اقتربت الانتفاضة من الثورة. وعندما تبدأ هذه المجموعات بتنظيم نفسها بشكل تستطيع أن تدير حركة متجانسة على كامل أراضي الدولة الإيرانية، عندها سيهتز النظام ويهدد بشكل جدي. إنما إذا استمرت بشكل عشوائي، تتأثر هيبة النظام الإيراني داخليا ودوليا بشكل محدود، حيث سيجد نفسه مضطرا للتضحية ببعض المسؤولين وتحميلهم مسؤولية الوضع الحالي داخل إيران.

من سيقود الثورة في إيران إذا ما تحوّلت الإنتفاضة إلى ثورة؟ سؤال أجاب عنه قهوجي: “الطرف الوحيد في إيران الذي يملك قدرة على العمل العسكري هو مجموعة “مجاهدي خلق” وثوار الباشتون (الحركة الموجودة على الحدود مع أفغانستان)، ولكن دور هاتين المجموعتين غير ظاهر حاليا على الساحة. إلا أن لمجاهدي خلق قوة إستخباراتية كبيرة داخل إيران، يمكنهم الحصول على الكثير من المعلومات من الداخل الإيراني ولديهم تأثير داخلي. في حال تدهورت الأمور داخليا سنجد دورا متصاعدا لمجاهدي خلق بدعم أميركي وغربي”.

ما تأثير الإتفاق النووي ورفض دونالد ترامب المصادقة عليه واستمراره في التشدد لمنع إيران من إنتاج سلاح نووي وفرض عقوبات على الحرس الثوري الإيراني؟ وهل كان الشعب الإيراني يراهن على تحوّل اقتصادي داخلي بعد الإفراج عن الأموال الإيرانية التي كانت تحتجزها واشنطن؟

اعتبر قهوجي أنه كلما طالت الأزمة واشتدت االتظاهرات كلما تأثر دور إيران إقليميا. “فقد كان هناك مبادرة في الإعلام الإيراني بالحديث عن المكاسب التي ستحصل عليها إيران جراء رفع العقوبات عنها ولكن الشارع لم يلمس أي منافع فهي تذهب فقط إلى طبقة معينة من الشعب في إيران. كل هذه الأمور أدت إلى الإنفجار الذي ظهر في عدد كبير من المدن. حوالى 12 مدينة كانت فيها تظاهرات، وفي النهاية اضطر النظام إلى تنظيم مظاهرات مضادة. فقد خرج إلى الشارع لرفع معنوياته، وبالتالي يحاول أن يقوم بتحريك الشارع بوجه الشارع وهذه مؤشرات للوضع الذي تقبع فيه إيران”.

أما التأييد الدولي الذي حصدته “الثورة” فمردّه الى أن النظام الإيراني جزء لا يتجزأ من محور يواجه المجتمع الدولي على عدة أصعدة. كما أن الشعارات التي رددت في هذه التظاهرات تظهر تأثير التدخل الخارجي على الوضع الداخلي في وقت يقبع الملايين من الشعب الإيراني تحت خط الفقر. فبينما البطالة مرتفعة جدا، تنفق إيران المليارات على مشاريعها الخارجية وبناء الصواريخ. وأي دولة تريد زيادة قدرات قواتها العسكرية والتوسع خارجيا يجب أن يكون وضعها الداخلي مستقرًا واقتصادها متيناً وخالية من المشاكل الإجتماعية. ولكن وضع إيران بعيد كل البعد عن الاستقرار الإقتصادي لذلك تفجّرت الاحتجاجات الشعبية.

وختم قهوجي تحليله حول مستقبل الانتفاضة الإيرانية والتلقّف الدولي لها قائلا: “على المجتمع الدولي في هذه المرحلة أن يدعم الشعب الإيراني وحقوقه فقط، من دون محاولة تدويل الوضع في إيران لكي تبقى هذه إنتفاضة شعبية قادرة على أن تأخذ مجراها، ولا يجب أن يكون هناك أي تدخل يعطي النظام حجة لكي يعتبر أن ما يحصل هو نتيجة تدخل خارجي وليس حركة داخلية وقمعها بشراسة”.

تختلف الاحتجاجات في إيران بين 2009 و2017 بالجوهر. عن هذه الاختلافات الاستراتيجية يقول العميد المتقاعد ​الياس حنا: “اليوم الشارع يتحرك. ما حصل في 2009 كان سياسيا بحتا نتيجة الانتخابات الرئاسية التي خسر فيها مهدي كروبي ومير حسين الموسوي اللذين كانا الواجهة القيادية السياسية للتحركات. الآن التظاهرات أكثر شعبية يقوم بها العمال والفلاحون لا زعامة سياسية لها أو ما يعرف بـ Leaderless Movement. فمع من سيفاوض النظام إذا أراد التفاوض؟ كما أن الاحتجاجات انتشرت أكثر من 2009 على مساحة إيران، لكن عديد المتظاهرين في الشارع بقي أقل من عام 2009. بدأت بمدينة مشهد وانتشرت في كل إيران. ومشهد تبعد عن طهران حوالى 924 كلم أي أن العدوى كانت سريعة وكان هناك دور كبير لوسائل التواصل الإجتماعي”.

 هل هي ثورة أم حركة مؤقتة أم أنها صراع على السلطة بين متشدد ومعتدل؟

أجاب حنا عن هذا السؤال باستعراض موازين القوى الإيرانية: “موازين القوى في إيران تقوم على مربع تاريخي: البازار، الطلاب، العسكر، ورجال الدين. هذا كله تغير بعد سقوط الشاه عام 1979 ومع نشوء الجمهورية الإسلامية بمشاريعها العسكرية وتدخلاتها الخارجية التي تعتبر أحد أهم أسباب المشكلة اليوم. ولذلك قد تؤثر الاحتجاجات على المشروع الإقليمي الإيراني. صحيح أن إرتفاع سعر النفط يفيد روسيا وإيران وحتى المملكة العربية السعودية، ولكن القلق في الداخل يؤثر مباشرة على المشروع الإقليمي لأنه يأخذ من درب الإنماء الداخلي.

تقول التقارير إن إيران أنفقت على سبيل المثال في سوريا، بين 2013 و 2015 ما بين 4 و6 مليارات دولار حيث هناك 60 ألفاً من الميليشيات يتقاضى كل فرد 300 دولار في الشهر. وفي لبنان تم صرف نحو مليار دولار على «حزب الله»، وفي غزّة بين 50 و100 مليون دولار، وفي العراق هناك 100 ألف عنصر من الميليشيات التي تموّلها إيران، بالإضافة الى اليمن حيث يتم دعم الحوثيين”.

ولكن الخبير الاستراتيجي الياس حنا استبعد أن تتحول الاحتجاجات إلى ثورة: “الحرس الثوري والباسيج هم سبب المشكلة اليوم، ولكن لا يوجد ما سيؤدي إلى تغيير جذري. هذا لن يمنع غياب الاستقرار والأمن وحوادث الضرب. ولكن لن يتغير النظام. التغيير في إيران لن يكون سهلا وسلميا وهذا الوضع يظهر مدى هشاشة قوة إقليمية كبرى هي إيران عندها مشروع إقليمي كبير. وقد تهرب إيران من الداخل إلى الخارج، فهي قد تذهب إلى مغامرة خارجية لإخفاء ما يحصل داخليا. هذه المغامرة على الأرجح ستكون في غزّة”.

وأكد حنا أن هذا الحراك لن يتحول إلى حرب أهلية لأن أكثر من 50 في المئة من الشعب الإيراني من الأصل الفارسي.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل