.jpg)
.jpg)
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1644:
مع أن العام 2017 لم يكن على قدر الآمال التي تُعلّق عادة على العهود في بداياتها، إذ تعرّضت الحكومة للعديد من النكسات، إلا أنه سجّل عددا من القرارات المهمة التي تنتظِر متابعتَها في العام 2018، ليتحدّد مدى النجاح فيها من عدمه. فقد شهد لبنان على الصعيد الاقتصادي سلسلة مما وُصِف بالإنجازات، لعل أبرزها إقرار سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام في 18 تموز الماضي بعد تأجيلها لعقدين، وإقرار الموازنة العامة في 20 تشرين الأول، بعد غياب 11 عامًا. وإقرار الحكومة في 14 كانون الأول، مراسيم التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية، وتلزيم البلوكين 4 في الوسط و9 في الجنوب. وذلك إلى جانب قرارات أخرى تمّ الإنتهاء منها وطي صفحاتها، وإن كان هناك العديد من الإستحقاقات الماثلة التي لم تجد طريقها إلى التحقيق بعد…
سعت الحكومة الحالية منذ تشكيلها وانطلاقها في العمل، إلى إثبات أنها حكومة إنجازات، تعمل إنطلاقا من شعار حكومة إستعادة الثقة، على تحقيق مشاريع واتخاذ قرارات استمرّت عالقة لسنوات، إما لأسباب تتصل بالتركيبة الحكومية أو لظروف سياسية خارجة عن إرادة الحكومات والمسؤولين المحليين.
ونظرا للشلل الذي أصاب السلطات اللبنانية على مدى سنوات وعقود متعاقبة، كان من الطبيعي أن تتراكم الملفات وتتزاحم المشاريع على طاولة مجلس وزراء قرر أن يتميّز في أدائه عن المجالس السابقة. وعليه فقد وجدت مشاريع عدة طريقها إلى التحقيق، وإن كان يتفق الإقتصاديون على أنه في موازاة المشاريع التي تحققت هناك العديد من القضايا المماثلة والملحة التي إما أنها لم تُطرح أصلا وإما أنها لم تجد طريقها السالكة إلى التنفيذ. لكن يبقى أن هناك خطوات كبرى وسمت السلوك الحكومي خلال العام الماضي.
السلسلة والإقتصاد
سلسلة الرتب والرواتب التي انتظرت عهودا متعاقبة وسنوات عديدة لإقرارها، تأرجحت بين المجلس النيابي والحكومة وبين الموظفين والهيئات الإقتصادية، ووصلت مرّات عدة إلى القمة لتعود بعدها إلى القعر. حتى بعد إقرار السلسلة لم يهدأ ذاك السجال حول عدالتها وتكاليفها وأثرها على الإقتصاد. وفي الحقيقة لم يكن التضارب في الحديث عن السلبيات والإيجابيات الناتجة عنها، أقل غموضا من المراحل التي رافقتها منذ انطلاقها حتى إقرارها. هذا الإلتباس ولّد إرباكا بحجم النتائج التي يفترض أن تترتب عن خطوة بهذا الحجم، سواء على الإقتصاد كحركة حسابية، أو على الرأي العام المتأرجح بين الوقائع والشائعات.
فمنذ العام 1998 تاريخ إقرار المجلس النيابي سلسلة رتب ورواتب للقطاع العام لم تراعِ المساواة بين الموظفين، بدأت رحلة هذا الصراع الذي استنفد من جهد ووقت أكثر مما أثمر من مردود. وبعد 19 عاما تخللتها اعتصامات وإضرابات واجتماعات وطرح لمشروع القانون ثم استرداده بحثا عن إيرادات تجعله إنجازا لا مصيدة، خرج القانون إلى النور. وحتّى بعد إقراره هناك من شكك في التنفيذ لافتا إلى إمكان قيام رئيس الجمهورية باسترداد القانون وإعادة النظر فيه. وهناك مَن عمِل على تجميد التنفيذ بانتظار ظروف أفضل أو لغايات تختلف باختلاف أصحابها. لكن في نهاية الأمر تبيّن أن السلسلة أُقِرّت لتنفّذ وليس لتجمّد.
لم يخلُ البحث عن موارد لتغطية نفقات سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام، من مزايدات سياسية شعبوية على أبواب الإنتخابات النيابية. وقد رافق المداولات بشأنه كمّ كبير من المطالبات والإعتراضات. وصولا إلى القول بعد إقرارها إنها ستؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الإستهلاكية والأقساط المدرسية، وإلى ضغوط كبيرة على الليرة وانسحاب أو هروب للودائع المصرفية وإقفال مؤسسات ومدارس وصرف موظفين. غير أنه بعد أشهر على سريانها تبيّن أنها دخلت الدورة الإقتصادية بسلاسة مقبولة، وتبيّن أن ما تم التخويف منه إما أنه لم يحصل أو أنه كان مجرد تهويل، باستثناء بدء تحصيل الـTVA بزيادة 1 في المئة منذ بداية العام.
مصادر مصرفية أكدت مؤخرا أن إقرار السلسلة لم يؤدِ إلى ضغوط على الليرة وكل ما حكي في هذا الصدد كان من باب التهويل، مشددة على أن ما واجهته الليرة في الأشهر الأخيرة من العام بسبب استقالة الرئيس الحريري تم استيعابه وأن الأمور تجري على ما يُرام. وأشار مصرفيون إلى أنه عندما يكون هناك توسّع إقتصادي يحصل في المقابل توسّع في الاستثمار وتوسّع في الاستهلاك. والجيد أن لبنان لم يلجأ الى إصدار نقود جديدة لتغطية حاجات السلسلة كما كان يتوقع البعض.
ورأت مصادر أخرى أن السلسلة البالغ حجمها حوالى المليار دولار تقريبا، بدأت تخلق حركة في السوق هو في أشد الحاجة إليها لتحريك عجلاته. ولفتت إلى أن القاعدة الإقتصادية تقيس مفعول هذا المبلغ مضروبا بـ 3,7 وهذا يعني أن المليار دولار المتأتية من فروقات صرف السلسلة سيصبح حجمها في الإقتصاد 3 مليارات و700 مليون دولار في السنة. ولعل العام الحالي يُظهر مدى تأثير وحجم هذه الحركة.
موازنة واحدة ووحيدة
إنجاز آخر ولو غير مكتمل سجّلته الحكومة خلال العام الماضي وهو إقرار موازنة العام 2017. الموازنة التي جاءت في آخر العام بدل أن تسبقه ليتم الإنفاق والجباية على أساس خطة واضحة، اعتُبرت إنجازا لأنها تحققت بعد 11 عاما من غياب الموازنات وبعد إشكالية كبيرة حول تخطّي مسألة قطع الحساب. فالمادة 87 من الدستور تفرض بصورة واضحة إلزامية قطع الحساب قبل نشر قانون الموازنة، في حين أنه تم تخطّي هذه المادة والسير بقانون الموازنة من دون إجراء قطع الحساب المتوقف منذ العام 2003.
المسألة الأخرى هي أن أهمية إقرار موازنة العام 2017 كانت تكمن في تمهيد الطريق أمام إقرار موازنة العام 2018، الأمر الذي أودت به استقالة الرئيس سعد الحريري والبلبلة السياسية التي رافقتها. فجاءت موازنة 2017 خطوة لم تحظَ باستكمالها لتحقق الهدف المنشود من وجود موازنة تضبط مالية الدولة وتمنع الهدر المزداد توسّعا مع عمليات الإنفاق السنوية على أساس القاعدة الإثني عشرية.
فالعام الأول لهذه الحكومة سجّل أعلى نسبة عجز ماليّ على الإطلاق في لبنان قُدِّرت بـ 5 مليارات دولار، وفق أرقام موازنة العام 2017. علما أن احتساب العجز لم يأخذ بالاعتبار الإنفاق في ما يخص بعض التلزيمات والمشاريع الجارية والديون من المؤسسات الدولية. ولم يأخذ في الحسبان مفاعيل سلسلة الرتب والرواتب وكلفتها الثابتة. وهي أرقام مرشحة للارتفاع في العام 2018، أي أن البلد قد يواجه تحديات مالية نقدية خلاله، في ظل تلازم ذلك مع ارتفاع الدين العام إلى 77 مليار دولار، إذا لم يحمل العام الحالي مخارج لبعض الأزمات وروافد مالية داعمة كما هو مرتقب من مؤتمر باريس4 المنتظر انعقاده في غضون الأشهر القليلة المقبلة.
في هذا الإطار، يرى الإقتصاديون أن الطريق لإيجاد الحلّ ما زال الى الآن مفقودا. وأن الحل يجب ان يكون تنفيذيا، أي أن تكون هناك طاولة إقتصادية لديها القدرة على العمل فوق كونفدرالية الفساد القائم في لبنان. فالعجز هو جزء من كونفدرالية الفساد، وليس أمام لبنان إلا حصول معجزة. وفي هذا الصدد يقول البروفسور جاسم عجاقة إنه «لا يمكننا حتى الآن الحديث عن إنجاز اقتصادي، خصوصا أن المشكلة هي أنه على رغم سياسة النأي بالنفس، ما زال الشق الاقتصادي مرتبطا بالسياسة. ولفت إلى أن النمو لم يتخطَّ في العام الماضي الـ 1 في المئة، والعجز بلغ 77 مليارا حتى تموز 2017 مع تراجع حاد في الصادرات الصناعية التي كانت 4,9 مليارات دولار، معتبرا أنه إذا انتظم العمل التشريعي حتى انتخابات العام 2018 عندها يمكن ان يحقق لبنان انتظاما ماليّا وإدارة مالية، ويمكن عندئذ أن نبدأ بالحديث عن انجازات».
مراسيم النفط
خطوة أخرى سجلتها الحكومة ويمكن وصفها بالإنجاز إذا تم استكمالها بما يحافظ على الشفافية ويؤمّن حقا المردود المرتجى منها، هي بدء تلزيم بلوكات نفطية ووضع لبنان عمليا على سكة الإنتاج النفطي وتعويم اقتصاده المترنح تحت العديد من الضربات. فابتداء من الثاني من شباط الماضي تم فتح دورة تأهيل الشركات الجديدة الراغبة في المشاركة في التراخيص مع الاحتفاظ بنتائج دورة التأهيل السابق التي أجريت في أيار 2013 للشركات المؤهّلة التي ما زالت مستوفية الشروط. وكان مجلس الوزراء أقر في الرابع من كانون الثاني الماضي مرسومي النفط والغاز المتعلّقين بتقسيم المياه البحرية على شكل رقع أو بلوكات، وبدفتر الشروط الخاص بدورات التراخيص ونموذج إتفاق الإستكشاف والإنتاج، وكذلك بالنظام المالي لهيئة إدارة قطاع النفط. يضاف الى ذلك مشروع قانون الأحكام الضريبية المتعلقة بالنشاطات البترولية ومشروع قانون الموارد البترولية في البر.
وبناءً على دراسة أعدّتها هيئة إدارة قطاع البترول، وقّع وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل قرار فتح 5 بلوكات بحريّة للمزايدة، وهي الرقم 1 شمالاً على الحدود القبرصيّة والسوريّة، والرقم 4 في الوسط قبالة الشاطئ اللبناني، والبلوكات 8 و9 و10 على الحدود الجنوبيّة. على أن تلزَّم 3 منها أو 4 كحدّ أقصى بما يتماشى مع استراتيجيّة التلزيم التدريجي التي أقرّتها الحكومة. ويتبع ذلك فتح دورة تأهيل مسبق للشركات الراغبة في العمل في المنطقة الاقتصاديّة الخالصة اللبنانيّة، تقدّم خلالها طلبات الإشتراك في المزايدة من كونسورسيوم مؤلّف من 3 شركات، واحدة بصفة صاحب حقّ مشغّل، واثنتين بصفة صاحب حقّ غير مشغّل. لكن في المحصّلة وقبل نهاية العام الماضي صفق مجلس الوزراء إيذاناً بدخول لبنان نادي الدول النفطية عندما وافقت الحكومة بالإجماع على منح رخصتين لإستكشاف وإنتاج النفط والغاز من البلوكين 4 و9 قبالة الشواطئ اللبنانية. وقال وزير الطاقة سيزار أبي خليل إن بداية المرحلة المقبلة ستكون بتوقيع العقود وتقديم الكفالات المالية من الكونسورسيوم الفائز في مهلة قد تمتد حتى أواخر كانون الثاني الحالي أو مطلع شباط المقبل، على أن تبدأ عملية الحفر في العام 2019.
ويقدر المسؤولون حجم الاحتياطيات البحرية اللبنانية من الغاز عند 96 تريليون قدم مكعبة ومن النفط عند 865 مليون برميل، كانت النزاعات السياسية السابقة بين الأطراف اللبنانية حالت دون البدء بعملية التنقيب عنها والإفادة من مردوداتها. ووفق خارطة الطريق التي تضمّنها قرار فتح البلوكات البحريّة لاستكمال دورة التراخيص الأولى، من المفترض أن تنطلق عمليّات استكشاف حقول الغاز والنفط في المنطقة الاقتصاديّة الخالصة اللبنانيّة خلال أشهر معدودة.
إستكمال وآمال
يضاف إلى هذه الإنجازات، أخرى مرتقبة خلال العام الحالي، منها انعقاد مؤتمر باريس4 المتوقع قبل الربيع، والمنتظر أن يقدّم جرعة دعم إقتصادي كبيرة للبنان هو في أمسّ الحاجة إليها بعد تراكم الصعوبات والتحديات في طريق استعادة اقتصاده بعض الحيوية والتقاط أنفاسه استعداداً للنمو المرتجى. وأفادت معلومات بأن إتصالات لبنانية – فرنسية تجري لتقريب موعد انعقاد المؤتمر كي لا يتضارب موعده مع الإنتخابات النيابية المزمع اجراؤها في أوائل شهر أيّار المقبل. وكشفت مصادر رسمية لبنانية أن الإدارة الفرنسية تعتزم عقد المؤتمر في أواخر شهر نيسان المقبل، أي بعد الزيارة المتوقعة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت.
لكن الدول التي تستعد وخاصة فرنسا لعقد مؤتمر باريس4 لدعم لبنان ماليا واقتصاديا واستثماريا، أعلنت انها لا تستطيع عقد المؤتمر ما لم يتم قيام الدولة اللبنانية والحكومة باجراء الإصلاحات على صعيد المؤسسات المالية والوزارات في لبنان وتفعيل المؤسسات الرقابية وخصوصا وقف الفساد في إدارات الدولة الذي يؤدّي الى هدر اكثر من ملياري دولار سنويا من حساب الشعب اللبناني عبر عدم التقشف في ميزانيات الوزارات، إضافة الى ضرورة الغاء الكثير من المؤسسات غير المجدية، والتي مضى على عمرها أكثر من 35 عاما.
هناك أيضا ملف الكهرباء الذي بقي عالقا ليس فقط من العام 2017 بل من أعوام قبله، بانتظار اعتماد الآليات السليمة من جهة وتطبيق الشراكة بين القطاعين العام والخاص من جهة ثانية. ويشدد الخبراء على أهمية تنفيذ خطة الكهرباء إذ من شأن ذلك توفير مليار دولار سنويا على الخزينة. وكانت «القوات اللبنانية» اشترطت لتوقيع وزرائها مشروع الموازنة، إقرار الحكومة خصخصة إنتاج الكهرباء في إطار وقف الهدر والفساد وتأمين هذه الطاقة للمواطنين على مدار الساعة. وقد وُصِفت الخطة الاصلاحية التي طرحتها «القوات اللبنانية» لقطاع الكهرباء والمبنية على الخصخصة بأنها إقتراح عملي لا نظري. وهي تلحظ إنشاء مصانع إنتاج لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
ويشدد الإقتصاديون والمراقبون على أن أي إنجاز في حاجة إلى مواكبة ورعاية حتى يؤدي المرتجى منه فيستحق أن يكون إنجازا. وهذا ما ينطبق على ما تم إنجازه خلال العام 2017 بحيث يجب خلال العام الحالي العمل على خطين: أولا استكمال ما تحقق وبالشكل الأمثل حتى لا يخسر القيمة المتوخاة منه، وثانيا تحقيق إنجازات أخرى ينتظرها اللبنانيون ما يخرجهم من الدوامة الحالية، ويُخرج البلد من حال الركود. وبعد فإن مبادرتهم الفردية كفيلة بتحقيق المنجزات والمعجزات…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]