#adsense

إيران بعد البركان

حجم الخط

صعبة هي الكتابة عن إيران ، حيث “مدافع آية الله”، و”إيران من الداخل” أو “إيران فوق البركان”، لا تكفي لسد رمق الباحث في الشأن الفارسي، وحيث الحبل السري الواصل بين أحمدي نجاد وحسن روحاني ما زال راعياً لعسكرة المشاهد ودعم الارتباط بين الدولة والحرس الثوري، والاثنان بـ”بيت القصيد”.

عندما اندلعت الثورة، واحترقت الصور، وسقطت التماثيل، لم ينجح أحد خارج الدولة المركبة في فرز المشاهد بدقة، لم يستطع أكثر المثقفين دراية بالشأن الإيراني أن يقف على مسافة واحدة من الفرقاء، أو على بعد واحد بين “الاخوة الأعداء”، انشطر المحللون بين مؤيد ومعارض، بين منتم لجوقة بعينها، أو منحاز بحكم طبيعة القافلة التي يخوض معها رحلة “الشتاء والصيف”.

حسب قراءات ومشاهدات ومسامرات قريبة من السطح، لا يمكن أن نحكم على المشهد الراهن وفق ما نسميه بـ”أبدية التوافق”، فالأدوار جميعها متساوية الحظوظ، والخطوط جميعها متقاربة النهايات، والمسارات جميعها متفقة على نظام من لا نظام له.

لا يوجد ما يسمى بـ”المرشد المغوار” في قاموس الاحتجاجات العصيبة، بقدر ما يمكن أن نطلق عليه بـ”المرشد الأعلى” أو “الحاكم بأمره” أو “الولي الفقيه”.

أربع ثورات متربعة في سبعين سنة، يمكن من خلالها اختصار القراءة في ثورة واحدة، في حدث محدد من أحداث 2017، في شارع يحمل صور المرشد على الأعناق، والثاني يحرقها منكلا، أحدها يهتف “للزعيم”، والثاني يأتي بزعابيبه المناهضة.

المستقبل المقروء يختلف في إيران عن نظيره المنظور، حيث المشاهد المشتبكة، والبطولة المقسومة على آلاف الأدوار، جميعها تحركه «قبضة من حديد»، وتبرمجه سطوة من عند السماء، وتخرسه أنثروبولوجيا معجونة بمادية ماركس، ووجودية سارتر، وعدمية هرقل.

المتظاهرون في 2017 يطالبون بحياة كريمة، وفرص متكافئة، وعدالة دائمة ولو كانت معممة، في حين أن النظام من داخله ومن خارجه ومن حوله يتلاعب بالمواقف كقطع الشطرنج المستكينة، كالنرد الحائر بين كفين، أو “الدومينو” المتأرجح بين رجلين، المرشد يتهم أصابع خفية، وجهات إقليمية ودولية، ثم الرهان على «البيتكوين» في الحلبات السياسية.

البعض يقارن بين حركة 2009 وما يسميه البعض الآخر بـ «ثورة حفاة الأقدام» في 2017، قد تكون المقارنة ظالمة، والمفارقات صادمة وصارمة، إلا أن 2009 كان لها رأس ولم يكن لها شعب، كانت تمتلك مخالب وبوصلة، وآليات حركة، لكن مطلبها الوحيد لم يخرج عن “إعادة الانتخابات”.

مير حسين موسوي لم يشبه مُصدق في شيء، رغم تنازله عن العمامة والجلباب، وشباب 2017 لم يشبهوا الاثنين رغم ارتدائهم لثياب “الشيطان الأكبر”.

مع بداية 2018 تطورت المشاهد، وارتبكت النخب، حيث ارتباطها بالقواعد الشعبية كان أقل من انصياعها لدونها، لذلك لم يسع الشعب لاستبدال “خميني” بـ”شاه”، أو “مُصدق” بـ”موسوي”، لكنه شد الرحال نحو التغيير.

في 2017، جاء الناس من كل “فج عميق”، من المدن والقرى، من السهول والجبال والنجوع، خرجوا إلى كل الشوارع كي يقولوا للحاكم: كنت على باطل ونحن على حق، فالمربط ما زال يبحث له عن فرس، والروح لم تعد تستغني عن الجسد، والنظام ربما يكون قد بدأ بالفعل في تصحيح نفسه من تلقاء نفسه، لكن الليلة لن تكون أشبه أبداً بالبارحة، والشعب الذي قد يعود إلى الثكنات، لن يلقي مجدداً بالسلاح، فالحرية التي هي من دون أنياب أبرك ألف مرة من أنياب من دون حرية.

المصدر:
القبس الكويتية

خبر عاجل