.jpg)
.jpg)
خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1644:
بعد انهيار تنظيم «القاعدة» في غير منطقة ولا سيما في معقله الأساسي في أفغانستان على الرغم من مواصلته العمليات الإرهابية في هذا البلد وإثر الإعلان عن قتل القوات الأميركية لزعيم هذا التنظيم أسامة بن لادن، ورث تنظيم القاعدة تنظيم إرهابي جديد هو تنظيم «داعش»، الذي تمكن لأول مرة من وضع يده على قطعة أرض وزعم أنه سينطلق منها لإقامة خلافته المزعومة، وأصبح هذا التنظيم واحدا من أغنى وأقوى التنظيمات الإرهابية، قبل أن ينهار ويخسر نحو تسعين في المئة من قوته والأرض التي كان يسيطر عليها.
لكن السؤال الذى يطرح نفسه اليوم: إلى أين ستذهب بقايا هذا التنظيم، وأين سينتشر عناصره الفارون، وكيف سيكون تأثيرهم في المجتمعات التي يذهبون إليها؟
وعلى الرغم من إخراج تنظيم الدولة الإسلامية من الموصل والرقة، فقد أشار عدد كبير من المحلّلين في واشنطن إلى أنّ ذلك لن يمثّل هزيمة كلّية للتنظيم، وإنما العودة إلى مستوى مختلف من التمرّد. ومثل هذه التصريحات تشير ضمناً أيضاً إلى أنّ تنظيم الدولة الإسلامية قد يستغلّ الانشقاقات والفراغات المستقبلية في العراق وسوريا كما فعل سابقاً بين العامَين 2009 و 2012، أي في الفترة الممتدة بين هزيمته التكتيكية كتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وإعادة بروزه في نيسان من العام 2013.
أعلنت واشنطن رسمياً أن خطة العمل خلال سنة 2018 ستتركز على بذل جهود مكثفة من أجل تحقيق استقرار المجتمعات المحررة من تنظيم «داعش». وتستوجب هذه الخطة مطالبة الشركاء في التحالف الدولي لمحاربة هذا التنظيم، بالمزيد من المساهمات في تمويل خطة الاستقرار التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حيث يواجه هذا البرنامج عجزا يبلغ نحو 300 مليون دولار. ويعتبر سد هذه الفجوة أولوية ملحة، خصوصاً في غرب الموصل حيث لا تزال هناك مئات الآلاف من النازحين. وتبدي واشنطن ثقتها بأن التحالف الدولي سيستجيب الدعوة إلى سد هذه الفجوة المالية. وقد حقق نتائج ملحوظة من الإنجازات، عبر تمكنه من إعادة نحو مليونين وثمانمائة ألف عراقي إلى منازلهم، واستصلاح الآلاف من المربعات من الأرض التي كانت تحت سيطرة «داعش»، من الموصل إلى الرمادي والفلوجة وتكريت، حيث تمكنت هذه المجتمعات من العودة إلى الحياة الطبيعية بسبب مرونة الشعب العراقي، والشراكة بين حكومة العراق والائتلاف الدولي.
وفي سوريا، تؤكد الولايات المتحدة على لسان الموفد الرئاسي إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش» بيرت ماك غورك أن القوات الأميركية وحلفاءها أحرزوا تقدما كبيرا في عام 2017، لجهة تحقيق النتائج المتوخاة من هزيمة «داعش» وتخفيف حدة الحرب الأهلية في سوريا والتي أوجدت بحد ذاتها الظروف لنمو تنظيم «داعش» والجماعات المتطرفة الأخرى.
وتعترف واشنطن بشكل واضح بالجهود العسكرية التي بذلتها قوات سوريا الديمقراطية التي تمكنت من تحرير حوالى 50،000 كيلومتر مربع من تنظيم «داعش»، بما في ذلك ما كانت عليه عاصمة الرقة بحكم الأمر الواقع. ويشير ماك غورك إلى أنه في بداية هذه السنة، كان تنظيم الدولة الإسلامية يخطط لهجمات خارجية كبيرة من الرقة. واليوم، لم تعد الرقة ملاذا لـ«داعش»، وذلك بفضل قوات الدفاع الذاتي التابعة لقوات سوريا الديمقراطية.
وتعتبر الولايات المتحدة أن المعركة لا تزال مستمرة في سوريا. حيث ستواصل وحدات قوات الدفاع الذاتي عمليات إزالة «داعش» من وادي نهر الفرات، حيث أن التوقعات تشير إلى إمكانية استمرار هذه العمليات خلال الربع الأول من عام 2018. ثم يتحول التركيز بعد ذلك إلى الاستقرار السياسي، والولايات المتحدة على استعداد لكي تبقى في سوريا حتى تكون متأكدة من هزيمة «داعش» والمساعدة في الحفاظ على جهود تحقيق الاستقرار، حيث من المنتظر تحقيق تقدم ملموس في العملية السياسية الجارية في جنيف، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق الإصلاح الدستوري وإجراء الانتخابات في هذا البلد بإشراف الأمم المتحدة.
أسباب ظهور «داعش» بعد العام 2013
ويعتبر الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى هارون زيلين أن هناك خمسة عوامل أساسية ساهمت في معاودة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» عام 2013، وهي: انسحاب الولايات المتحدة من العراق في كانون الأوّل 2011، والضعف المتلازم لقوات الأمن العراقية، ومشاركة التنظيم المتواصلة في أعمال إجرامية محلية وقدرته على استغلال مظالم العراقيين السنّة ضدّ الحكومة المركزية ذات الغالبية الشيعية، وعمليات الهروب الجماعية من السجون من قِبَل رفاق تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، واندلاع الحرب في سوريا، الأمر الذي حثّ على تعبئة غير مسبوقة للمقاتلين الأجانب.
وقد منحَ فراغ الانسحاب الأميركي من العراق ما بعد عام 2011 المزيد من الفرص لتنظيم الدولة الإسلامية لإنشاء شبكات إجرامية تعمل بالإتجار بالبشر، والخطف، والابتزاز، وسرقة المصارف، والتكرير البدائي للنفط، والإتجار بالآثار. كما قام التنظيم باستثمارات خفيّة في شركات محلية مشروعة لمراكمة أصوله المالية.
وقد منحت الحرب السورية الفرصة لتنظيم «داعش» لتأمين مجنّدين وحصوله على الأسلحة والتمويل اللازم. وشمل ذلك تدفق أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب المهيأين لمساعدة التنظيم على الفوز بالمعارك وإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرته. وعلى الرغم من أنّ عوامل كثيرة قد حرّكت هذه التعبئة، فإن موقع تركيا الاستراتيجي في المنطقة وحدودها المفتوحة مع سوريا ربما شكّلا العاملَين المساعدَين الأكثر أهميّة، فقد استمر تدفّق المقاتلين عبر هذه الحدود دون عوائق حتّى وقت قريب من ربيع عام 2015 عندما بدأت أنقرة في تناول القضية بجدية أكبر.
ويرى الباحث زيلين بروز عوامل مهمة ستؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص فرص تنظيم «داعش» بالعودة بشكل منتصر كما فعل بين العامَين 2013 و2014.
ومن بين الأسباب الكامنة وراء هذا التقييد وفق الباحث في معهد واشنطن، هو استبعاد أن تشهد المنطقة تكراراً لتعبئة شاملة للمقاتلين الأجانب كما حصل بين العامَين 2012 و 2015. وعلى الرغم من أنّ الجهاديين سيستمرّون في محاولتهم التسلّل إلى العراق وسوريا، إلّا أنّ أعدادهم ستكون قليلة نظراً للأنظمة القانونية الجديدة التي طبّقتها الحكومات المختلفة لمحاربة مثل هذا التجنيد، والإجراءات الصارمة المتواصلة التي تتّبعها تركيا ضد حركة المقاتلين الأجانب على أراضيها.
بالإضافة إلى ذلك، إنّ «قوات الحشد الشعبي» في العراق ومجموعة الميليشيات الشيعية المحلية والأجنبية في سوريا، لا سيما تلك المصطفة مع إيران، لن تسمح بجهود شاملة لإعادة بناء تنظيم «الدولة الإسلامية». كما أن الأرض المجاورة في سوريا ليست خصبة لسيطرة الجهاديين كما كانت في السابق، إذ لا يزال نظام الأسد و»قوّات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد تستولي على الأراضي، ولن تقوم الجماعات الإسلامية السنّية التي أفسحت المجال لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» بين نيسان 2013 وكانون الثاني 2014 من بينها «جبهة النصرة»، التي كانت مرتبطة بتنظيم «القاعدة» في ذلك الوقت بتكرار مساعدتها او تقديمها الملاذ لتنظيم «داعش».
ونظراً إلى هذه العوامل يؤكد الباحث في معهد واشنطن أنه من غير المرجح أن يتكرّر السيناريو الذي حصل بين كانون الأوّل 2011 وحزيران 2014، على الأقل ليس بنفس النطاق أو الوتيرة، لأن القمع الدولي للمحاربين الأجانب، واليقظة الأكبر بين الأعداء المحلّيين لتنظيم «الدولة الإسلامية»، والبيئة المتغيرة في العراق وسوريا، تشير كلها إلى أنّ الجماعة قد لا تكون قادرة على فرض نفسها بالامتداد والسرعة نفسهما كما فعلت في عام 2014.
وعلى صعيد إعلان الجيش الأميركي انتشار 2000 من عناصره في سوريا، يعملون بمعظمهم مع «قوات سوريا الديمقراطية»، فيشير الباحث الآخر في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى جيمس جيفري، إلى أنه يمكن لهذه القوات الأميركية أن تؤدي دوراً مهماً في التوصل إلى حل سوري يحد من بسط النفوذ الإيراني المدعوم من السلطات الروسية ضد الدول العربية وإسرائيل وتركيا والمصالح الأميركية في المنطقة.
ويضيف جيفري أن الحل الأمثل بالنسبة للولايات المتحدة يكمن في الاستمرار في تبرير وجودها في سوريا والعراق من خلال التشديد على ضرورة منع عودة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» – وهو هدف يتطلب أيضاً الحد من أعمال إيران العدائية في المنطقة، والتي تعزز بروز المشاكل مثل تنظيم «الدولة الإسلامية» في المقام الأول.
وعلى الرغم من أن مصالح موسكو لا تتلاءم مع مصالح طهران بشكل كامل، إلا أن كلتيهما تهدفان إلى تعطيل عملية جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة والتي تهدف إلى إنهاء الحرب، وتقويض النظام الأمني الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة.
ومع ذلك فقد أكد وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس في تشرين الثاني الفائت أن القوات الأميركية في سوريا «لن تخرج ببساطة الآن قبل انطلاق عملية جنيف… وسوف تحرص الولايات المتحدة على وضع الظروف الملائمة لحل دبلوماسي».
ويرى الباحث جيفري أنه إذا قررت واشنطن الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا ، فسوف تواجه العديد من المخاطر، لأن أي مسعى من هذا القبيل يفترض أن يكون طويل الأمد، وفوضوياً، وغير مؤكد، ومن دون وضع نهائي واضح فيما يتخطى احتواء إيران. وثمة مشكلة ثانية هي مسألة السلطة القانونية التي تستند إليها واشنطن لإبقاء قواتها في العراق وسوريا. وسوف تواجه أي وحدة عسكرية أميركية عدداً كبيراً من المخاطر اللوجيستية. ففي حين تمكنت القوات الأميركية من إقامة حفنة من الجيوب السورية الصغيرة المتاخمة للأردن، فإن الوجود الأميركي الرئيسي يقع في شمال شرق البلاد، حيث لا يمكن الوصول إليه إلا عبر العراق أو «حكومة إقليم كردستان» أو تركيا. وهي طرق قد لا تبقى آمنة تبعا للتطورات بين العراق وإقليم كردستان وللعلاقات الأميركية ـ التركية المهتزة.
خطر «داعش» الماثل
في موازاة كل ما تقدَّم يعتبر الخبراء والمحللون في واشنطن أن تنظيم «داعش» ستظل آثاره وأفكاره المتشددة قائمة لفترة طويلة، سواء في عقول مقاتليه الفارين، أو الموجودين فى السجون بسوريا والعراق أو خارجها، والذين ربما يشكلون خلايا نائمة تعمل على ترويج هذه الأفكار، على أمل إعادة إحياء التنظيم البائد، أو من خلال أطفالهم الذين ولدوا وسط هذه الأجواء المتطرفة، ومن هنا يمكن القول بأن خطر هؤلاء لا يزال قائما.
وشهدت الفترة الماضية الإعلان عن عودة مقاتلين أجانب في صفوف «داعش» إلى موطنهم الأصلي، وهو ما حذرت منه أجهزة أمنية، وخبراء خلال مؤتمر أمني فى سنغافورة من أن مسلحي التنظيم المتحدرين من دول جنوب شرق آسيا والعائدين من الشرق الأوسط بعد النكسات التي أصابت التنظيم، قد يتخذون من جنوب الفيليبين قاعدة لهم.
هذا بالنسبة لقارة آسيا، أمّا على الصعيد الأوروبي، فكشفت المعلومات عن عودة 400 متطرف من مناطق القتال في سوريا والعراق، معتبرة أن هؤلاء يشكلون خطرا محدقا على أمن أوروبا، إذ قد يشنون هجمات كبيرة مثل تلك التي وقعت في فرنسا وبلجيكا.
وحذرت منظمات دولية ومنها الأمم المتحدة من عودة مسلحي «داعش»، حيث رأى جان بول لابورد، رئيس لجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، أن أوروبا ستواجه هذه السنة تدفقا لمقاتلي «داعش» الذين انهزموا في سوريا والعراق، مؤكدا أنهم أكثر خطورة من العائدين السابقين وأكثر خبرة بالحروب والمعارك.
وأضاف، أنه على الرغم من قيود السفر سيبقى لدى أوروبا عدد من الإرهابيين الذين سيتسللون عبر الحدود في ظل تعاون شبكات التهريب، مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة تقول طبقا لتقديرات حكومية، إن ما بين 40 و50 في المئة من أصل 30 ألف مقاتل أجنبي، ليس جميعهم من أوروبا، غادروا بالفعل الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرة «داعش».
ولا تقتصر المخاوف من عودة الدواعش الى أوروبا وآسيا وأميركا فقط، ولكنها تمتد إلى دول الشرق الأوسط على رأسها مصر وتونس والجزائر، في ظل لجوء عدد كبير منهم إلى ليبيا، وهذا ما حذر منه مسؤولون أميركيون، من ان هؤلاء المسلحين يستغلون الصراع المسلح في ليبيا، من أجل الاستقرار فيها بعد الضربات التي تلقاها التنظيم.
وفي هذا السياق أكدّ الموفد الرئاسي الأميركي إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، بيرت ماك غورك أن التحالف الدولي يركز عمله خارج العراق وسوريا، على ملاحقة شبكات «داعش» والجماعات التابعة له.
ويكشف ماك غورك أن لدى حلفاء الولايات المتحدة في الانتربول الآن قاعدة بيانات بلوائح إسمية لنحو 43,000 شخص أعضاء في التنظيم، وقاعدة البيانات هذه جرى وضعها من خلال مساهمات من 60 شريكاً في التحالف الدولي ضد «داعش» ومن معلومات جمعت من ساحات القتال في العراق وسوريا. ويشير ماك غورك إلى أنه بفضل الجهود التي بذلها الكثيرون في الائتلاف الدولي، فقد أصدر مجلس الأمن الدولي في شهر كانون الأول قراراً حمل الرقم 2396 الذي يزيد من التركيز على التدابير الرامية إلى التصدي لعودة مسلحي «داعش» إلى الدول التي جاؤوا منها. ولذلك، فإن ملاحقة هذا التنظيم ستبقى مسألة إجماع دولي حتى القضاء عليه نهائيًا تنظيميًا وفكريًا وعقائديًا، ولا يمكن استبعاد أن يلقى أبو بكر البغدادي مصير أسامة بن لادن في نهاية المطاف.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]