
آخر مشهد- كتب عماد موسى في مجلة المسيرة العدد 1644:
يعرف أنني صِحافي. وأعرف أنه “حلاّق” رجالي. يعتقد أنني أنام على كمّ من الأخبار الطازجة ومن المعلومات الخاصة المستقاة من مصادر رفيعة ومن ثرثرات الصالونات والمقاهي ويفترض ما إن يسألني “شو في ما في؟” حتى يكرّ لساني بنشرة مفصّلة مفرغاً ما في جعبتي بما يرضي حشريته. من جهتي أفترض أن الهدف من جلوسي تحت رحمة مقصّه لا لأسلّيه وأهمس في أذنه بما يسرّها بل لأخرج بلحية مهذّبة وشعر قصير في أسرع وقت قبل أن يداهمني النعاس بفعل صوت شفرتي المقص الذهبي. دائماً كنت أخذله. ألتزم الصمت المرّ.
يبدأ استجواب معلم “لمعي” مع لفّ “الفوطة” الملساء السوداء حول رقبتي وقبلها حول أعناق كثيرة لرؤوس من كل الأصناف: رأس تيس. رأس دب أبيض. رأس دكتور بالأمراض المعدية. رأس طالب. رأس معمرجي. رأس ملك الفلافل…
يسألني شو سامع عن الشيخ رشيد وعن هويدا الهاشم وعن التقنين وإذا بنصحو بالموتورلا أو بأخيه نوكيا. يسأل عن مقال رفيق خوري وشو بيقربو رفيق لإميل خوري وراجح الخوري من جب إميل أو من جب رفيق. ودخلك الياس خيّو لنبيل. وحضرتك البركة من وين؟
يفترض لمعي أنني أحتفظ بإخراج قيد عائلي لكبار الصحافيين. سؤال ينطح سؤالاً وأنا سارح في دنياي ومسترسل في خدر. ينزع معلم “لمعي” الفوطة الأقرب إلى مريول متسخ وينفض الشعر المتساقط أكواماً على رقبتي بفرشاة ناعمة غطست شعيراتها في علبة بودرة ويتناول منشفة عن “المنشر” ليثبتها تحت القميص إيذانا بوضع اللمسات الأخيرة على إعادة تأهيل رأسي. ينهي الفصل الأخير ب”انشالله على ذوقك؟ نعيماً عريس” أمدّ يدي إلى جيبي لأحاسب لمعي عمّا اقترفت يداه. يسبقني بجملة بليغة معطوفة على رجاء حار أقرأه في طيبة قلبه ونظراته الودودة: “خليّها علينا هالمرة”.
السيناريو نفسه تكرر لعشرة أعوام. يبدأ بالسؤال الكليشيه “شو في ما في؟” وينهي الجلسة ب”خليها علينا هالمرة”. مرة هددته بأنني سأفعل ولن أدفع له إجرته (التعرفة 6 آلاف ليرة كشمبوان وقصّ وسيشوار). إنتفض وكأنه استشعر أنني مقدم على هذه الخطوة المتهورة وأوقفني كي يقص عليّ طرفة أقرب إلى المأساة: “ذات يوم شرّفني خواجة شاب محترم كأفضالك بعدما صفّ سيارة حديثة الطراز مقفلاً باب المحل. زبون جديد. إستبشرت خيراً. تحدثنا كأصدقاء. شعرت أنني أعرف الرجل من زمان. قص وحلّق ومسّدت رأسه ونتفت شعر خديه بالخيط ونظّفت منخاريه من الشعر الطالع منهما. عطّرته. “سشورته” سألني بكل لباقة بعدما تناول محفظته من جيب الجاكيت: إمرني معلّم؟
قلت له كما أقول لك عادة: “خليها علينا هالمرة” فلم يتردد بأن أعاد المحفظة إلى مكانها. شكرني بكل تهذيب ومشى حتى أنه لم يكلف خاطره ببقشيش للولد… وقبل أن اُعقّب على الخبرية تابع: “قلت بسيطة المرة المقبلة أعوّض وقد ينقدني فوق التسعيرة ألفي ليرة لكن الخواجة لم يعد أبداً. ب..ني واختفى”. سألته: “طيّب وشو لزوم خلّيها علينا؟” أجاب “كلمة وبتنقال. ضروري هو يصدّق!”.
ومثل لمعي، أعرف سياسياً لديه جملة مأثورة من 6 كلمات مؤلفة من 3 مقاطع نوعية: “خليني شوفك. لازم نقعد. احكيني إيه.” تتصل به كي تدعوه إلى “قعدة” لا يرد. وكلما التقاك يقبض على يدك ويشدّ” خليني شوفك. لازم نقعد. احكيني إيه. ناطرك”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]