#adsense

“القوات” بعد عامين على تفاهم معراب التحالفات الممكنة والمستحيلة

حجم الخط

 

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1645:

“القوات” بعد عامين على تفاهم معراب

التحالفات الممكنة والمستحيلة

من رئاسة الجمهورية إلى الإنتخابات النيابية

 

ما جمعته استقالة الرئيس سعد الحريري فرقته أزمة مرسوم الأقدميات لضباط دورة 1994 في الجيش اللبناني. وما حُكي عن تحالفات ممكنة نتجت عن أزمة الإستقالة وعن محاولة عزل “القوات اللبنانية” ومحاصرتها نيابيًا وإخراجها من الحكومة تحول إلى سلسلة بحث عن تحالفات مستحيلة بينما بقيت “القوات اللبنانية” في قلب المعادلة. وكما كانت معراب في 18 كانون الثاني 2016 في قلب الصورة والحدث عندما كانت تشهد قمة التفاهم مع العماد ميشال عون وتتبنى ترشيحه إلى رئاسة الجمهورية، هكذا كانت في كانون الثاني 2018 في قلب المشهد السياسي نقطة استقطاب لتفاهمات سياسية مع أكثر من طرف.

يمكن القول إن كل ما يحصل اليوم من تجاذبات واتفاقات وتحالفات يعود إلى ما أنجز في معراب قبل عامين. لو لم يتبن رئيس “القوات” الدكتور سمير جعجع ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية لكانت الجمهورية لا تزال تبحث عن رئيس، ولكانت استمرت حكومة تصريف الأعمال برئاسة الرئيس تمام سلام، واستمر التمديد لمجلس النواب في ظل البحث عن قانون جديد للإنتخابات النيابية بديلا عن قانون الستين، وبقي الرئيس سعد الحريري خارج السراي وخارج لبنان، ولما كانت هناك موازنة عامة ولكان استمر الإنهيار الإقتصادي والمالي، وربما لما كانت حصلت عملية “فجر الجرود”، وبقي الجمود مسيطرًا على كل قطاعات الإنتاج، وربما كان وصل الأمر إلى إقفال مجلس النواب بعد إقفال قصر بعبدا والسراي الحكومي.

ما حصل في معراب في 18 كانون الثاني حرك الحياة في مفاصل الجمهورية وإن كانت لم تستعد حركتها كاملة بعد. تسعة أشهر بعد ذلك التاريخ استهلكها الرئيس سعد الحريري قبل أن يعلن بدوره عن تأييد انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية فلم يعد ممكناً إلا الذهاب إلى مجلس النواب وانتخابه رئيسًا وعودته إلى قصر بعبدا في آخر تشرين الأول 2016.

ثمة أسئلة كثيرة عما جنته “القوات” من خلال تفاهم معراب، خصوصًا أن هناك من اعتبر أنها خسرت من خلال هذه المغامرة التي سارت فيها بسبب الصدّ الذي تعرضت له في تشكيل الحكومة وفي المشاركة في السلطة. قد يكون هذا الأمر صحيحًا من الناحية النظرية ولكن لا يمكن النظر إلى هذه المسألة وكأنها عملية حصلت وانتهت وأن هناك بداية جديدة لمرحلة جديدة لن يكون فيها لـ”القوات” المكان الذي احتلته في 18 كانون الثاني 2018.

عندما تم توقيع ورقة التفاهم بين “القوات” و”التيار الوطني الحر” في 2 حزيران 2015 لم يكن أحد ليصدق أن هذه الورقة ستتوّج بانتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية، وعندما تم تفاهم معراب حُكي كثيرا عن حرب إلغاء يشنها تحالف “القوات” و”التيار” ضد الأحزب المسيحية الأخرى وبعض الشخصيات المستقلة التي نظرت بسلبية وخوف إلى هذا التفاهم على أساس أن هذا الحالف على قاعدة قانون الستين الإنتخابي سيحصد معظم المقاعد النيابية المسيحية من دون الأخذ بالإعتبار أنه سيتم البحث عن قانون جديد للإنتخابات مختلف كليًا ويؤمن النسبة الأكبر من صحة التمثيل من خلال تقسيم الدوائر والصوت التفضيلي.

قبل 18 كانون الثاني 2016 وبعده كانت “القوات” تعلن باستمرار أن التفاهم ليس اتفاقاً على تقاسم الحصص إنما بداية طريق لإعادة الحياة إلى الجمهورية والمؤسسات. وإن كانت تدرك أن هذا التفاهم لم يطبق كما يجب بالنسبة إلى العلاقة مع “التيار الوطني الحر” بعد وصول العماد عون إلى قصر بعبدا إلا أنها اعتبرت أن عودة الدولة هي الأهم وقد بدأت تلمس ذلك من خلال عملية تشكيل الحكومة والحقائب التي حصلت عليها.

القاعدة الأولى التي أرساها وصول العماد عون إلى قصر بعبدا كانت أن الطريق إلى هذا القصر لا يجب أن يكون مفتوحًا إلا لمن يكون لديه حيثية تمثيلية مسيحية أولا، وبمعنى آخر لم يعد ممكناً أن يرشح الآخرون رئيسًا للجمهورية أيًا يكن.

القاعدة الثانية كانت من خلال تشكيل الحكومة ومن خلال تسمية الوزراء المسيحيين بشكل عام.

القاعدة الثالثة أن رئيس الجمهورية وبموجب اتفاق الطائف الذي حوربت “القوات” من أجله، واتهمت بتهم كثيرة، يمكنه أن يكون حكمًا وحاكمًا إذا تمسك بصلاحياته وتصرف كرئيس، وهذا ما أعاد إلى “القوات” حقها وما أثبته الرئيس عون في أكثر من مناسبة خصوصًا مع الإعلان المستمر عن التمسك بالطائف والدفاع عنه.

القاعدة الرابعة أنه لم يعد ممكناً تجاوز المسيحيين في أي قرار، خصوصا في ظل تأمين التوافق “القواتي ـ العوني” عليه، وهذا ما حصل مثلاً في مسألة قانون استعادة الجنسية بعد التهويل بالنزول إلى الشارع.

استراتيجة “القوات” من خلال تفاهم معراب كانت ثلاثية. انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة متوازنة وصولاً إلى إقرار قانون جديد للإنتخابات يؤمن صحة التمثيل النيابي، وخصوصًا لناحية تمثيل المسيحيين. هذا الأمر لم يكن ممكناً لولا تدخل الرئيس عون وإعلانه داخل مجلس الوزراء أن لا عودة إلى قانون الستين ولا قبول بالتمديد وليكن الفراغ. على أساس هذا الرفض ولد قانون الإنتخابات الجديد الذي ستجري على أساسه الإنتخابات النيابية في 6 أيار المقبل.

تطبيق هذا القانون يضع التحالفات الإنتخابية في موازاة التفاهمات السياسية، بحيث أنه قد يجمع المتخاصمين وقد يفرق بين المتحالفين بالتفاهم أو بالإختلاف وفق قاعدة حسابات معقدة قاعدتها الصوت التفضيلي ومن دون أن يعني أن الدخول في لائحة انتخابية يكرس التحالف السياسي بعد الإنتخابات. إنه قانون المفاجآت السياسية والنيابية.

لقد هزت استقالة الرئيس سعد الحريري أسس التحالفات السياسية قبل أن يهزها قانون الإنتخابات. التفاهم الذي كان بعيد المنال مثلاً بين “التيار الوطني الحر” و”تيار المستقبل” قبلها بات مرجحًا بعدها ووصل الأمر إلى الحديث عن تحالف خماسي بدا كأن الذين بشروا به لا يجيدون قراءة الواقع السياسي والإنتخابي واعتبروا أن المتغيّرات التي ارتبطت بالإستقالة باتت من الثوابت. ولكن ما نجم عن مرسوم الأقدمية الذي وقعه وزير الدفاع يعقوب الصراف ورئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الجمهورية من دون وزير المالية أعاد خلط الأوراق ولن يكون العامل الوحيد الذي سيكون له تأثير على الإنتخابات والتحالفات.

“التيار الوطني الحر” يمكن أن يتحالف مع “تيار المستقبل” ولكن “المستقبل” لا يمكن أن يتحالف مع “حزب الله”، والرئيس بري وحركة “أمل” لا يمكن أن يكونوا مع “التيار الوطني الحر”. الوزير سليمان فرنجية يمكن أن يلتقي مع “تيار المستقبل” ولكن لا يمكن أن يكون مع “الوطني الحر”. وهذه القاعدة المتحركة في التحالفات الممكنة والمستحيلة تنسحب أيضًا على أطراف كثيرة أخرى من الحزب “التقدمي الإشتراكي” إلى”القوات اللبنانية” و”الكتائب” وغيرهم من القوى الأخرى ذات التمثيل المناطقي والمحدود في تأثيره.

تغيّر قواعد اللعبة والتحالفات غيّر طريقة التعاطي مع “القوات اللبنانية” في معراب التي بدت وكأنها الفريق الأكثر قدرة على الحركة الإنتخابية وعلى اتخاذ القرار في الترشيحات المنتقاة والمحددة في دوائر معينة قبل الولوج في مسألة تشكيل اللوائح والتحالفات الإنتخابية مع إبقاء الأبواب مفتوحة على كل الإحتمالات. هذا الأمر جعل معراب قاعدة لنسج تفاهمات كثيرة. ولذلك مثلا بدأت عملية إعادة صياغة العلاقات السياسية مع “التيار الوطني الحر” ومع “تيار المستقبل” والحزب “التقدمي الإشتراكي” وشخصيات وقوى سياسية أخرى بحيث توسعت الدائرة من تفاهم معراب إلى أكثر من تفاهم مع أكثر من طرف.

قبل كانون الثاني 2016 كان هناك حديث عن احتمال عزل “القوات”. وقبل كانون الثاني 2018 كان هناك حديث مماثل ولكن معراب بقيت معراب وبقيت في قلب المعادلة تشارك في صناعة التغيير والمشهد السياسي. ثمة زيارات كثيرة حصلت إلى معراب وثمة زيارات كثيرة ستحصل وستبقى أبواب معراب مفتوحة لمواجهة كل الإحتمالات على قاعدة أن واثق الخطوة يمشي ملكاً.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل