الديناميكيّة الدولية – الإقليميّة في الاستراتيجيّة الأميركيّة

الاستراتيجيّة الأميركيّة الجديدة نحو سوريا وأدوار إيران الإقليمية اتّخذت بُعداً رسمياً على لسان وزير الخارجية ريكس تيليرسون وتنسيقيّاً ضمن اجتماعٍ خماسيّ ضمَّ السعودية وبريطانيا وفرنسا والأردن والولايات المتّحدة في واشنطن. هذه المجموعة الدوليّة – الإقليمية من الدول الصديقة تنضمّ إليها فعلياً دولٌ أخرى تعمل بالتنسيق مع الخماسية مثل دولة الإمارات – هدفها تحويل الرؤية المشتركة إلى ورقة عمل وشراكة تنفيذيّة ميدانياً. كَبح إيران في سوريا ولَجم طموحاتها في العراق واليمن ولبنان عنوانٌ يتَّفق عليه أقطاب هذه المجموعة، إنّما الأدوات ما زالت غامضة.

فالمهمّة ضَخمة والمستهدَفون أقوياء. حَشد الديناميكيّة الإقليميّة والدولية وراء سياسةٍ أميركيّة تتطوَّر إلى الوضوح يُشكّل تحوّلاً بحدّ ذاته. فواشنطن دونالد ترامب بنَت شراكات تُطيح بتصوّر واشنطن باراك أوباما لأدوار إيران الإقليمية بالذات عبر سوريا. بالأمس كانت واشنطن تنأى بنفسها عن الساحة السورية تاركةَ لكلّ من روسيا وإيران فرصة توطيد وجودها ونفوذها هناك.

اليوم قرَّرت واشنطن أنَّ مصالحها القوميّة تَستدعي مواجهة النفوذ الإيراني الإقليمي بالذات عبر البوابة السورية، بدءاً من قطع الطريق على تواصل نقاط النفوذ الإيراني ميدانياً. الجديد هو ارتفاع صوت ريكس تيليرسون على صعيد المعركة الديبلوماسيّة والسياسيّة، إلى جانب الاستعدادات العسكرية التي يتولّاها صديقه وزير الدفاع جيمس ماتيس. فتشكيل قوّة خماسيّة أميركية – أوروبيّة – عربيّة يُوازن قوة الثلاثي الروسي- الإيراني

– التركي “الضامن” لوقف النار في سوريا بموجب مسار “أستانة”، ووزارة الخارجية التي كانت تبدو في سبات تُريد إبلاغ موسكو أنّ العملية السياسية الانتقالية السورية لم تعد ملكاً لها في مسار “أستانة” أو “سوتشي” بعدما قرّرت واشنطن الانخراط في مواجهة النفوذ الإيراني وفي صياغة رؤية لحلٍّ سياسي في سوريا يُعيد قواعده إلى مسار “جنيف” الذي يأخذ الانتقال السياسي بجدّية وليس كعملية تجميليّة لاستمرار النظام وحده في السلطة.

اللغط الذي رافق السَّخط التركي من أنباء اعتزام واشنطن إنشاء قوّة عسكرية تنتَشر على الحدود السورية – التركيّة حسَمَه تيليرسون بقوله “هذا الموقف برمّته أُسيءَ طَرحُه وأُسيءَ تفسيرُه. كان كلامُ البعض غيرَ دقيق. نحن لا نُنشئ قوةً حدوديّة على الإطلاق”.

وزارة الدفاع (البنتاغون) أعلنت أنّها لا تُنشئ جيشاً أو قوة حرس حدود وأصدرت بياناً جاء فيه “تُواصل الولايات المتّحدة تدريبَ قوات أمن محلّية في سوريا بهدف التدريب إلى تحسين الأمن للنازحين العائدين إلى مناطقهم المدمَّرة… هذا ضروري حتى لا يُعاود “داعش” الظهور في المناطق المحرَّرة وغير الخاضعة لسيطرة الحكومة. هذا ليس جيشاً جديداً أو قوّة حرس حدود نظامية”.

هذه الإيضاحات لم تكن كافيةً لتركيا إذ قال وزير خارجيّتها مولود جاويش أوغلو إنّ “تصريحات المسؤولين الأميركيّين حول مخاوفنا في شأن الحدود السوريّة لم تُرضنا بالكامل”. وفيما توجَّه رئيسا الأركان والاستخبارات في تركيا إلى موسكو لبحث الوضع في سوريا، رفع الجيش التركي حالة التأهّب على الحدود مع سوريا.

تيليرسون وماتيس تحدّثا عن إساءة التعبير وإساءة الانطباع في نفيهما اعتزامَ نشر “قوة أمنية حدودية” شمال سوريا بقيادة “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد). الكلام عن نشر قوات على الحدود السورية مع العراق وتركيا.

لكنّ تيليرسون كان واضحاً بقوله في خطابٍ أمام جامعة ستانفورد أنّ الوجود الأميركي العسكري في سوريا باقٍ إلى أجلٍ غير مسمّى في إطار استراتيجيّة أميركيّة أوسع نطاقاً. تحدَّث عن تمهيد الطريق ديبلوماسياً لرحيل الرئيس بشار الأسد إنّما لاحقاً داعياً إلى “الصبر”، فهو لن يترك السلطة فوراً.

برَّر تيليرسون انخراط أميركا في سوريا على كافة المستويات من رحيل “داعش” إلى رحيل الأسد. قال إنّ ابتعاد الولايات المتّحدة عن سوريا سيُتيح لإيران “فرصة ذهبية” لتقوية تواجدها ونفوذها هناك، وأنّ انسحاب العسكريّين الأميركيّين كلياً من سوريا سيُساعِد بشار الأسد على البقاء. وأهمّ ما قاله هو أنّ المصلحة القومية الأميركية تقتضي الاحتفاظ بوجود عسكري وديبلوماسي في سوريا للمساعدة على إنهاء الصراع.

ما تتصوَّره الديبلوماسية الأميركيّة ضمن رؤيتها لسوريا هو إجبار روسيا على إعادة النظر في تصوّرها للحلّ السياسي. تيليرسون أكّد “أنّنا سندعَم بقوّة عملية جنيف من أجل حلٍّ سياسي في سوريا” وحضَّ موسكو على “ممارسة مستويات جديدة من الضغط” على الحكومة السورية من أجل المشاركة الجدّية في محادثات جنيف. فحوى رسالته هو أنّ على موسكو التوقّف عن دفن فكرة العمليّة السياسية الانتقالية في طيّات عملية “سوتشي” التي تضمَن بقاء الأسد في السلطة، أقلّه إلى موعد الإنتخابات الرئاسية عام 2021.

جوهر طروحاته هو السعي الى إسقاط الأسد عبر العملية السياسيّة والديبلوماسية وذلك بتعزيز وسائل التفاوض مع روسيا من موقعين مهمَّين هما: الانخراط الأميركي، والشراكة الأميركية – السعودية – البريطانية – الفرنسية – الأردنية السياسيّة منها والديبلوماسية والميدانية.

أما فيما يخصّ إيران، فإنّ الديبلوماسية الأميركية في وزارة الخارجية تتحرَّك بتنسيق دقيق مع وزارة الدفاع وعلى مستويَي تيليرسون وماتيس لإبلاغ طهران وموسكو معاً أنّ واشنطن جدّية في قرار منع مكافأة إيران عبر احتفاظها بإنجازاتها الميدانية وتوطيد التواصل الجغرافي الإيراني في القوس الذي يربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى البحر المتوسط.

الغامض هو ماذا تنطوي عليه الاستراتيجيّة المدنية – العسكرية الأميركية لإخراج إيران من سوريا؟ ما هي أطر “المواجهة” وأدواتها وحدودها؟ أميركا لن تخوض حرباً واسعة لكن لديها تواجداً عسكرياً فاعلاً وقويّاً ولها قواعد عسكرية في سوريا.

بين أدواتها عناصر استخباريّة وعناصر اقتصادية عبر فرض العقوبات. حتى الآن، تبدو الاستراتيجيّة الأميركية قائمة على مزيجٍ من تعزيز المواجهة والمطاردة عسكرياً وتعزيز مواقع التفاوض بحثاً عن الحلول السياسية.

إضعاف إيران في سوريا صعب لا سيّما تحت مظلّة الحماية الروسية لإيران. لذلك تبقى واشنطن على خطّ الضغط والتواصل مع موسكو للمساومات. إنّما الجديد هو اتّخاذ قرار مطاردة وملاحقة النفوذ الإيراني الإقليمي انطلاقاً من سوريا حيث الولايات المتّحدة باقية عسكرياً حتى إشعارٍ آخر.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل