#adsense

مجزرة الدامور بعد 42 عاماً

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1645

مجزرة الدامور بعد 42 عاماً

من شط السعديات الى شط جونية زورق وسبع ساعات

شهادة الأب منصور لبكي: “كانت لحظات جنون شعرت أنها نهاية العالم”

إلى هناك عدنا في المكان والزمان. إلى كنيسة مار الياس في الدامور التي قامت من تحت الرماد بعدما جرفتها الأحقاد وحسابات من كانوا يأكلون من صحن أبناء الدامور وينامون في بيوتهم. إلى هناك عدنا ولو في الذاكرة لأن الحكايات المختبئة في ثنايا ذاكرة كاهن رعية الدامور آنذاك الأب منصور لبكي كافية لكتابة فصول وفصول من تلك المأساة التي غطت سماء الدامور مع إطلاق أول رصاصة في 31 أيار 1975 وصولا إلى الهجوم والحصار في 9 كانون الثاني 1976 والهرب إلى شط السعديات المنفذ الوحيد آنذاك للعبور إلى القاطع الآخر من الحياة في 21 منه.

إلى كنيسة مار الياس حيث كان يقف الأب لبكي في 21 كانون الثاني أمام المذبح ويصلي مع الأهالي الذين نالوا «الحلة» والغفران الأخير بعدما رفضوا الهرب وأصروا على الموت والإستشهاد أمام المذبح، إلى هناك عدنا لنعيش اللحظة التي اختصرت عمرا في حياة أهالي الدامور وصولا إلى… شط السعديات. ومن هناك يبدأ شريط الذكريات في الدوران.

هي ذكرى تهجير الدامورفي 21 كانون الثاني 1976 التي نعود إليها كل سنة لنقف مع الشهود الناجين من براثن الحاقدين والطامعين بأرضنا على شاطئ السعديات ونشهد معهم أن التاريخ لا يُكتب إلا بحبر الشهادة. عند ذاك الشاطئ وقف الأهالي الذين نجوا من المجزرة غير آبهين بصقيع كانون وأمطاره التي اخترقت عظامهم وبللت أقدامهم الحافية بعدما خرجوا من منازلهم بالملابس التي كانوا يرتدونها ومنهم من كان لا يزال في ثياب النوم، ولم يسمحوا لهم حتى في إلقاء نظرة الوداع على البيت الذي عمره الأجداد والأرض التي كانوا يروونها بقطرات العرق والتعب. ذاك اليوم المشؤوم خرجوا عراة إلا من حفنة الإيمان بأنهم ذات يوم سيعودون إلى أرض الدامور… وعادوا!.

في الذكرى 42 نعود إلى الدامور مع الأب منصور لبكي الذي كان عُيّن كاهنا لرعية الدامور من قبل المطران أغناطيوس زيادة في العام 1971. يومها لم يدرك أنه سيكون شاهدا حيا على مأساة بلدة كان يزرع في ارضها بذور الإيمان والتبشير والنشاطات الرعوية ويستحدث قداديس خاصة بالسائقين والمزارعين الذين جعلوا من أرض الدامور مربض حياة وبركة. جل ما كان يدركه الأب لبكي وكان متمسكا به حتى لحظة وقوفه على شاطئ السعديات أنه لن يخرج من الدامور إلا بالكفن لأن الراعي هو آخر من يغادر ولا يتردد في الإستشهاد في سبيل أبناء رعيته. وكاد أن يفعلها.

عندما اندلعت الحرب اللبنانية كان الأب لبكي في الدامور. يومها أدرك أن شيئا ما يتجاوز أطر دائرة بوسطة عين الرمانة. مع ذلك أكمل حياته مع أبناء رعيته واستمر في تنظيم جدول أعمال النشاطات الرعوية. إلى أن بدأ أزيز رصاص المناوشات يلعلع في سماء الدامور. وكانت الرصاصة الأولى في 31 أيار واستشهاد أديب نصر.

9 كانون الثاني 1976. كان الأب لبكي يجول على منازل أبناء الرعية لرش الماء المكرسة وتبريك الشجرة لمناسبة عيد الغطاس. عند وصوله إلى حي الروس المتاخم لحارة الناعمة وفيما كان يغادر أحد المنازل بدأ الرصاص يلعلع وسمع صراخ ربة المنزل وهي تقول: “بلّشوا، بلّشت المعركة يا أبونا. دبّر حالك وشوف وين بدك تحمي راسك”. ويروي الأب لبكي: “توجهت إلى كنيسة السيدة وأجريت اتصالا من دير الراهبات بمفتي البلدة. وطلبت منه أن يوضح لي حقيقة ما يجري في الخارج فأجابني حرفيا: “هاو يا أبتي يضمرون الشر لأبناء الدامور. نحنا ما قدرنا وقفناهن. خدو حذركن”. ثم اتصلت بالزعيم كمال جنبلاط الذي نصحني بمراجعة مكتب ياسر عرفات وفعلت.

في هذا الوقت كانت حدة القصف تزداد عنفا شيئا فشيئا ووعدني أحد المسؤولين في مكتبه أنه سيجري اتصالا بأحد المسؤولين الأمنيين النافذين ويطلب منه وقف القصف. وقبل أن أقفل الخط طلبت منه إيداع رقمه وسألته: “شو عم بيصير؟ وليش هالقصف والرصاص”؟ فأجاب: “يا محترم هيدا القواص لأسباب استراتيجية”.

إتصالات الأب لبكي بالمراجع الأمنية التابعة للفصائل الفلسطينية وبشخصيات سياسية نافذة على الساح اللبنانية أسفرت عن الإلتزام بوقف إطلاق النار لكن فقط  لربع ساعة  ليعود ويتجدد بشكل أعنف وهذه المرة من دون أي هدنة، وكأن القرار اتخذ بأن تكون بلدة الدامور أول شهيدة على أجندة الحرب اللبنانية.

مع مرور الساعات كانت حدة المعارك تشتد فشعر الأهالي أنهم باتوا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الإستسلام أو التسلح للدفاع عن أرضهم. فكان الخيار الثاني لكن مع اختلاف في أساليب الدفاع. ففي حين كان شباب الدامور يدافعون بما توافر لديهم من أسلحة فردية وبنادق صيد وأخرى حربية كان النسوة والمسنون والأولاد يدافعون عن أرضهم على طريقتهم. تارة بالصلاة مع الأب لبكي الذي كان رفيق جلساتهم في أقبية المنازل التي خلت من الملاجئ أو في بيوت وزرائب الحيوانات. وعندما تهدأ حدة القصف كان يستغل الفرصة للقيام بجولة على الأهالي لتأمين حاجاتهم من المواد الغذائية والأدوية.

أيام الحصار كانت تمر ثقيلة. وحده الموت كان يهز سباتها في ظل مشاعر الخوف والهلع من المجهول الآتي. ويروي الأب لبكي: “في أحد الأيام دخل أحد شبان البلدة غرفتي في دير راهبات القلبين الأقدسين الذي لجأت إليه بعدما تعرض منزل يوسف طانيوس حيث كنت أقيم معه للقصف واحترقت سيارتي التي كانت متوقفة أمامه، وطلب مني أن أرافقه إلى كنيسة السيدة لإقامة قداس خصوصا أنه كان مر على الأهالي حوالى الأسبوعين من دون أن يتمكنوا من المشاركة في أي قداس بسبب القصف وعمليات الإعدام الوحشية التي كان يرتكبها الطغاة في حق الأبرياء. فتوجهت معه إلى الكنيسة وبدأ يدق الجرس. وما هي إلا دقائق حتى وصل حوالى 50 شخصا. كانت الساعة تقارب الخامسة عصرا والقداس في مثل هذه الظروف لا يتطلب أكثر من نصف ساعة. يومها لا أعرف لماذا اخترت أن أقرأ نافور مار مرقس وهو أطول نافور في الليتورجيا المارونية. ربما لأنني كنت أشعر كما الأهالي بالإضطهاد والظلم وتذكرت أجدادنا ومعاناتهم قبل 400 عام. وبدأت في تلاوة النافور: «من أجل الذين يريدون إبادتنا ومن أجل الذين أكلتهم سماك البحر ومزّقتهم الطيور الكاسرة ومن أجل القاطنين في المغاور ومن أجل الذين يبغضوننا ويريدون إبادتنا نصلي”. فجأة وعندما دقت الساعة الخامسة والنصف انهمرت القذائف أمام مدخل الكنيسة واخترقت إحدى الشظايا النافذة واستقرت في كأس القربان. نظرت في وجوه الأهالي وقلت لهم باللغة السريانية “لو تدحال” أي لا تخافوا. وعندما هدأت عاصفة القصف نسبيا خرج الأهالي من الكنيسة إلى أقبية بيوتهم.

بعد مرور ساعات على القداس فهم الأب لبكي أسباب توقيت القصف المدفعي من التلال المواجهة على الطريق المؤدية إلى كنيسة السيدة وصولا إلى مدخلها: “عندما سمعوا صوت جرس الكنيسة في تمام الساعة الخامسة أدركوا من خلال بعض الشبان الفلسطينيين الذين كانوا موجودين في حاراتنا أن الرتبة تنتهي في تمام الخامسة والنصف وحددوا ساعة الصفر لتنفيذ المجزرة عند هذه الساعة ليكون حصاد الموت على مستوى حقدهم ووحشيتهم. لكن المشيئة الإلهية تدخلت ولو لم أُصلِّ نافور مار مرقس الذي استغرقت تلاوته حوالى الـ10 دقائق لكانت وقعت المجزرة. وبفضله انتهى القداس في تمام الخامسة و45 دقيقة”. في ذاكرة الأب لبكي صور محفورة عن مجزرة الدامور وتهجير أهلها، مجرد أن يعود إليها يكرج شريط الذكريات السوداء: “من هنا من هذه الأرض الجنوبية بدأ كل شيء، ومن أمام كنيسة مار الياس التي اختفت معالمها خلال الحرب بعد قصفها وتهديمها وجرف حجارتها. لكن أهل الدامور أصروا على إعادة بناء كنيسة جديدة لإثبات تجذرهم في هذه الأرض التي شهدت على أفراحهم وأحزانهم وعماداتهم وفيها أيضا دفنوا فيها أحباء وشهداء. هذه الكنيسة هي حجر أساس حياتهم. صحيح أن أبناء الدامور رفضوا الحرب بدموعهم وصلواتهم، حتى أنهم لم يعرفوا لماذا شن من كانوا في الأمس القريب يعيشون معهم في حاراتهم وبيوتهم ومنهم من كانوا يأكلون من صحنهم وخيرات أرضهم الهجوم عليهم في ليلة كانونية قارسة، ولم يفهموا لماذا وقعت هذه المجزرة ومن أعطى الضوء الأخضر في تحديد ساعة الصفر. تلك الساعة لا يزال الأب لبكي يعيش لحظاتها بإيمان ورجاء: “فجأة وجدنا أنفسنا محاصرين من ثلاث جهات: جنوبا وشرقا من جهة الجبل وشمالا من جهة بيروت. ولم يكن أمامنا من منفذ سوى البحر”. ويضيف: “9 كانون الثاني 1976 بدأ الهجوم العنيف. كانت لحظات هلع لا يمكن ان يمحوها الزمن. المنازل في غالبيتها غير مجهزة بملاجئ فاختبأ الأهالي في الطبقات السفلى والأقبية ومنهم من اختبأ في زرائب المواشي ونام مع قطعان المواشي. تصوري حوالى 25 ألف نسمة كانوا يختبئون في 200 منزل. كنا نترقب اللحظات التي يسكت فيها صوت المدفع فنخرج لتفقد الجرحى والمرضى والأطفال والمسنين أو لدفن الشهداء”.

الليلة الأولى من الهجوم كانت رهيبة كنا نسمع صراخ المسلحين الذين كانوا يشنون هجومات على المنازل ويعدمون أهلها رميا بالرصاص. وكنا أيضا نسمع صمت الأموات على الطرقات وصراخ الأطفال والمسنين.. كنت أعيش ما يشبه نهاية العالم. تصوري أنني صليت على 7 شهداء من آل كنعان الوالدان والإبن مع زوجته وأولادهما الثلاثة. ذاك اليوم لن أنساه؟ وصل سمير وهو الإبن الوحيد الذي نجا من المجزرة وطلب مني أن أتوجه معه إلى مدافن كنيسة السيدة للصلاة على أرواح أفراد عائلته الذين قتلوا على أيدي مجموعة من المسلحين الفلسطينيين والمرتزقة أثناء وجودهم في غرفة واحدة داخل منزلهم في الدامور. وبقوا 3 أيام من دون أن يجرؤ أحد على الإقتراب من عتبة بيتهم بسبب شدة القصف. عندما سكت صوت المدفع توجه سمير كنعان في سيارة من نوع بيك أب معدة لنقل الموز إلى بيته ووضع جثث 7 من أفراد عائلته في صندوق السيارة ووصل إلى الكنيسة حيث صليت على أرواحهم الطاهرة ودفناهم من دون نعوش.

وسط هذا المشهد المأساوي كان هناك نور داخلي، وغالبا ما استمعت إلى صوت يردد في أعماقي: “لا تخف لا تخف…” لم أستسلم. وعندما كنت أشعر بالضيق ألجأ إلى الكنيسة تحت القصف وأصلّي. همي الأول والأخير هو كيفية إنقاذ الأهالي من جحيم هذه المعركة. لا أعرف من أين استمديت هذه القوة. ربما من عيون الأهالي الذين كنت أرى فيهم الأمل عندما يرون ذراعي مفتوحتين نحو السماء”.

في دفاتر مجزرة الدامور الكثير الكثير من المحطات المأساوية التي عايش الأب لبكي تفاصيلها. ويتذكر: “في إحدى الليالي شن المسلحون الفلسطينيون هجوما على المنازل. كانت ليلة رعب بامتياز. ومن بين هذه البيوت منزل الرسام المعوّق أنطوان عقل حيث كان يختبئ مع ابنته التي لم تتجاوز التسعة أعوام. وبعدما أخذوه رهينة اقترب أحد المسلحين من الفتاة وسألها: «وين السلاح؟ فأجابته بلهجتها الملائكية: “ما عنا سلاح”. فأعاد السؤال بلهجة أكثر حدية: “مبلى عندكن سلاح، وين مخبين السلاح؟” فأجابته “وحياة أول قربانتي ما في سلاح”. فاقترب منها المسلح وكان متأثرا من جوابها فغمرها وغادر المنزل”.

تلك الرواية التي نقلها فؤاد المتني للأب لبكي صارت بمثابة تعويذة صلاة يتناقلها أبناء الدامور لكن الرواية لم تنته فصولا. “12 يوما تحت الحصار من دون ماء ولا كهرباء. وفي اليوم الأخير أي في 21 كانون الثاني طُلب من الأهالي التجمع في كنيستي مار الياس والسيدة. توجهت إلى كنيسة مار الياس التي كانت تعج بالرجال والنساء والأطفال والمسنين وبدأت أصلّي وطلبت منهم أن يرتلوا معي: “ربي أنت طريقي”. وعندما تخفت أصواتهم كنت أدعوهم إلى مشاركتي التراتيل بصوت أعلى حتى لا يسمعوا أصوات البكاء والصراخ في الخارج حيث كان يرتكب المسلحون أبشع المجازر في حق الأبرياء ولم يرحموا حتى الحيوانات التي كانوا يصادفونها في طريقهم. كان المشهد أشبه بفيلم رعب طويل. لم يعد أمامنا أي خيار إلا الصلاة لأن الموت كان حتميا فقط لأننا كنا مصرين على الدفاع عن حريتنا عن إيماننا. وكان الثمن غاليا وغاليا جدا.

أمام مذبح كنيسة مار الياس وقفت اتأمل في الوجوه. ثمة أشخاص دفنوا موتاهم للتو والآخرون ينتظرون اللحظة التي يدخل فيها المسلحون إلى الكنيسة ويشهدوا على لحظة إعدامهم. في هذه اللحظة كان لا بد من إتخاذ قرار ما. توجهت نحو باب الكنيسة وخلعت عني “الكتونة” (الشال الأبيض الذي يرتديه الكاهن فوق رداء الكهنوت الأسود) ورفعته عند الباب. وما أن اقتربت عائدا إلى المذبح حتى سمعت طرقا قويا على باب الكنيسة. قلت «وصلوا». استمر الضرب قويا. فقلت للأهالي «راح إفتح الباب وإذا كانوا المسلحين بدن يفوتوا ع الكنيسة راح أطلب منن ياخدوني رهينة وإفديكن إذا وافقوا”.

عندما فتحت الباب فوجئت بمقاتلين من أبناء الدامور وقد أصرا على المجيء إلى الكنيسة بعد رؤية الراية البيضاء وأخبراني أن المسلحين اقتحموا كنيسة السيدة وأعدموا الأهالي رميا بالرصاص بعد رفع الراية البيضاء عند مدخلها. وأكدا أن هذه المبادرة لن تجدي نفعا وعلينا أن نغادر الكنيسة فورا وسيؤمنان لنا التغطية. دخلت الكنيسة وتوجهت إلى الأهالي قائلا: “هل تريدون الرحيل أم الموت هنا؟” فأجابوا بصوت واحد: “بدنا نموت هون قدام مذبح مار الياس» فطلبت منهم تلاوة فعل الندامة ومنحتهم الحلة التي لا تعطى إلا مرة واحدة في الحياة في مواجهة خطر الموت. وقلت لهم لا يحق لنا أن نموت وفي قلبنا حقد على أحد حتى وإن كنا كبشر نرغب في أن نكره. كان هناك صوت في داخلي يقول لي: “إذا أردت أن تموت كمسيحي لا يحق لك أن تموت وفي قلبك روح الإنتقام”. عندها طلبت من الأهالي أن يركعوا وبدأنا في تلاوة صلاة الأبانا… وعندما وصلنا إلى عبارة “أغفر لنا خطايانا” قلت لهم “توقفوا، سنضيف عبارة جديدة: أغفر لنا خطايانا كما نغفر للذين يأتون لقتلنا”.

بعد الإنتهاء من تلاوة صلاة الأبانا طلبت من الأهالي أن ينقسموا أفواجا استعدادا للخروج من الكنيسة. فخرجنا جميعا تحت التغطية بالرصاص التي أمنها لنا المقاتلان ووصلنا إلى شاطئ السعديات. هناك كان المشهد الأكثر مأساويا. نساء وأطفال وشيوخ شبه عراة بعدما هربوا من منازلهم بالملابس التي كانوا يرتدونها ومنهم من كان لا يزال يرتدي ملابس النوم وحافي القدمين تحت المطر وصقيع كانون والقصف الذي كان يتجدد من حين إلى أخر مستهدفا القوارب والباخرة في عرض البحر. وبدأنا عملية نقل النساء والأطفال والمسنين بالقوارب ومنها إلى الباخرة.

حمولة المركب الأخير الذي أقل الأب لبكي مع الأهالي قدرها بحوالى 3 أضعاف قدرة استيعابه. همهم الوحيد كان الوصول إلى شاطئ جونيه. واستغرقت الرحلة 7 ساعات تحت المطر والبرد القارس. عندما وصلوا إلى مرفأ جونيه لاحظ أن الحياة في هذا القاطع من الوطن تسير بشكل عادي. ويقول: “غضبت وفقدت السيطرة على نفسي. لكن مفاعيل ثورة الغضب أثمرت تحركا على مستوى الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي. ولم نترك أحدا من أبناء الدامور ينام في العراء أو تحت خيمة. تلك الليلة ناموا على أسرة بعدما فُتحت أمامهم أبواب الأديرة والمنازل. لكن الكوابيس بقيت تطاردهم حتى اليوم”.

يقول الأب لبكي: “ثمة مشهد مأساوي في مسرح القتل المجنون الذي عاشه أهل الدامور”. نسأل: “طلبت من الأهالي أن يغفروا قبل أن يغادروا كنيسة مار الياس فهل غفرت لمن أساء إليك وللأبرياء في مجزرة الدامور؟” يجيب: “الفغران لا يعني النسيان. يقول فرنسوا مورياك: “أنا أغفر الإساءة لكنني لا أنسى”. الأمر لا يتعلق بإخفاء الإساءة بل بالنظر إلى الشخص الذي أساء إلينا بكثير من الحب لكي يكفّ عن الشعور بالذنب. المسامحة ضرورية لتحقيق السلام في العالم وإلا ساد الحقد الذي يشبه الإعصار حيث يجرف في طريقه كل معاني الإنسانية ويضع الناس في قالب من اليأس. وكلما سامحنا كلما كان هناك المزيد من الحب”.

ويختم: “أنا اخترت المسامحة التي تشفي البشر وتجعلنا نكمل حياتنا من دون أن ننسى من أساء إلينا”.

فريد نصر: “رجعنا عمرنا بيوتنا ورجعت جراس كنايس الدامور تدق”

31 أيار 1975. السادسة وخمسون دقيقة صباحا. الهدوء يلف بلدة الدامور في ذاك الصباح الربيعي ولا مؤشر لأية انتكاسة أمنية أو عملية عسكرية من قبل الفصائل الفلسطينية على الأرض على رغم المناوشات اليومية التي كانت تحصل. ذاك الصباح كان مقررا أن يتوجه أديب نصر ونجله فريد إلى منطقة نهر الدامور للإطمئنان على أحد الأقارب بعد تعرضه لعملية دهس بسيارة كان يقودها فلسطيني عند مستديرة المطار. فجأة يُسمع دوي انفجار في حي السيدة تبيّن أنه ناتج عن سقوط قذيفة على الجهة الخلفية لكنيسة السيدة.

ما إن نزل فريد مسرعا إلى الحي لتفقد الأهالي حتى لحق به والده الذي كان يفترض أن يسبقه إلى منزل عمه لتهنئة إبنه بعودته سالما بعد تعرضه للخطف على أيدي المسلحين. وما كاد أديب يبتعد مسافة أمتار عن إبنه فريد حتى سقطت قذيفة ثانية فأصيب أديب بشظية في رجله. ركض فريد نحو والده حمله بين ذراعيه وكان ينزف بشدة بسبب إصابة الشريان الرئيسي في قدمه. ناداه أكثر من مرة «بابا بابا… لكن أديب كان يشخر. وأسلم الروح بين يدي إبنه. “كان بيي أول شهيد بالدامور ولو سبقني عند بيت عمي ما كان مات بين إيديي”.

بعد 42 عاماً يقف فريد نصر أمام كنيسة السيدة ويشهد: “نحنا ولاد هالأرض المزروعة شهدا وما منفل. قتلوا خيرة شبابنا، صلينا علين ودفناهن من دون نعوش ورجعنا ندافع عن بيوتنا وأرزاقنا، جوعونا هجّرونا طلعونا بتيابنا اللي علينا… رجعنا. دمروا بيوتنا وكنايسنا، عمرناها من جديد، ورجعت جراس كنيسة السيدة ومار الياس تدق ورح تضل تدق”.

هو ذاك العنفوان وصلابة إبن الأرض الذي يحاكي ذاكرة فريد نصر الذي يصر أن يبدأ الرواية من حادثة استشهاد والده بين يديه: “بعد استشهاد الوالد بلشت حدة المناوشات تزداد وكنا نصد الهجومات بما توافر لدينا من سلاح فردي أو خفيف. وليل 12 كانون الثاني 1976 بلش الهجوم من جهة بعورتا ودير القمر والسعديات وبيروت وهون بلشت عمليات الدفاع تتنظم أكتر. بليلتا طلب الأب منصور لبكي من الأهالي ينزلوا ع كنيسة مار الياس وبس صدينا الهجوم مع الجيش اللبناني رجعوا الأهالي ع بيوتن أو ما تبقى من بيوت”.

لا يخفي فريد نصر مشاعر الحزن والغصة التي تجتاحه في كل مرة يعود فيها بالذاكرة إلى الأيام التي سبقت تاريخ التهجير. “كنا نقاتل بشراسة وقدرنا نصد الهجومات اللي كانوا يشنوا علينا مسلحي الصاعقة والسوريين والمرتزقة…” إلى أن جاء يوم 19 كانون الثاني الأسود: “الساعة 7 صباحا بيمرق الجيش اللبناني وبيبلش يدق ع البيوت وبيقلنا “… وصلوا”. الأهالي نزلوا ع كنيسة مار الياس والشباب والرجال كانوا عم بيصدّوا الهجوم مع الجيش. كان الوضع مأساوي الجريح مشروع شهيد ولا كهربا ولا مي والمواد الغذائية بلشت تختفي”.

ذاك اليوم كان فريد نصر في منزل عائلة زوجته في حي السيدة الذي لجأ إليه مع زوجته وابنته أليكسا التي لم يكن يتجاوز عمرها السنة الواحدة. “طلعنا من بيوتنا بالتياب اللي علينا. فجأة بيمرق عديلي بالسيارة ومعو كل أفراد عيلتو بيقلنا اطلعوا. بطلع أنا وزوجتي وبنتي بالصندوق. بس وصلنا ع شط السعديات كان المشهد بيبكي. حاولنا قدر المستطاع نأمن المسنين والأطفال بقصر كميل شمعون بانتظار وصول الباخرة، وفي ناس راحوا بسياراتن عن طريق الدبية ومنن راحوا ع بيروت لأنو كان تم الإتفاق على عدم التعرض للأهالي. بس بعد شو؟”.

في اليوم الثالث تمكن فريد نصر وزوجته وابنته من مغادرة شاطئ السعديات “طلعنا بالفلوكة تحت الشتي ووصلتنا على باخرة بذكر كان إسما «صور” ومخصصة لنقل المواشي. كان همنا نفل. بس وصلنا ع مرفأ جونيه كان في ولاد ونسوان حافيين. استقبلنا المحامي إيلي قرداحي اللي كان أصيب برجله على أحد الحواجز وتم نقلو إلى بيروت. وأنشأنا مركز لتجمع الدامور. وبعد سقوط النبعة بلشنا ننظم عملية انتقال الدوامري من الأديرة إلى المنازل.

عام 1982 عاد فريد نصر إلى الدامور ووقف على الأطلال، شعر بالغصة نفسها التي عاشها لحظة التهجير… وفي نهاية العام 1983 تهجر للمرة الثالثة ليعود في العام 1990 مع زوجته وأولاده الثلاثة أليكسا وإدي وألدا ويعيد ترميم منزله وكنائس البلدة العشرة التي تهدمت. “1800 بيت كانوا ممسوحين مع الأرض رجعنا عمرناهن لأنو تحت كل حبة تراب في نقطة دم شهيد”.

* الصور من أرشيف فريد نصر

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل