شركات خدمات الكهرباء تنسحب: مشروع فاشل وأعطال في شبكة المصالح والتلزيمات

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1645:

طالما حلّت مسألة الكهرباء في لبنان أولى بين اهتمامات المواطنين. فمنذ زمن الحرب وويلاتها، غاب ذاك الضوء ولم يعد. وقد بات قطاع الكهرباء الأكثر تكلفة بين القطاعات التي شملتها عملية إعادة الإعمار والتجهيز والتشغيل بعد الحرب. وهو لا يزال مثار جدل بين السياسيين، ومحط نزاع في أوساط العاملين. وبعد المليارات المهدورة والخطط الموفورة، عَودٌ على بدء، وأزمة تسلِّم أخرى حكاية معادة ملّها اللبنانيون، ولم يكلّ المسؤولون من التسلية بالألغام المزروعة في كل ناحية منها. وفيما لم ترسُ بواخر توليد الطاقة على بحر اتفاق شفّاف يرفع نسبة التغذية للمواطنين، تفجّرت أزمة مقدّمي خدمات الكهرباء على برّ الفوضى… وهكذا دواليك!

في منتصف العام 2012 وضمن خطة شاملة لقطاع الكهرباء، بدأت عملية خصخصة جزئية لمؤسسة كهرباء لبنان تضمّنت تلزيم الخدمات الكهربائية في المناطق، وأعمالاً مختلفة من تصميم شبكة التوزيع وتنفيذها وتشغيلها وصيانتها وخدمة الزبائن وشبكة العدادات. وتنفيذا لذلك، وقّعت وزارة الطاقة والمياه عقوداً مع ثلاثة مقدمي خدمات لمؤسسة كهرباء لبنان هم: KVA و NECU دباس و BUS. وقد تسلمت الأولى منطقة بيروت، والثانية الضاحية الجنوبية وجبل لبنان الجنوبي وجنوب لبنان، والثالثة جبل لبنان الشمالي وصولا حتى مناطق الشمال.

لكن الأمور لم تجرِ كما تم التسويق له يومها أو كما أمل المواطنون. فلا الخدمات تقدّمت، ولا المؤسسة رضيت ولا الشركات. والأهم أن الواقع التقني للكهرباء بقي مترديا ومتعثرا، والواقع المهني للعمال والمستخدمين بقي مهتزّا، بل إن العملية برمّتها دخلت بازارا من التجاذبات، لم تكن السياسة بعيدة عنه، ولا الأساليب اللبنانية الملتوية خارج دائرته. فكانت النتيجة اضطرابات متواصلة وخدمات متقطعة ورمي للمسؤولية من جانب إلى آخر… انتهاء بخروج شركة دباس من العقد وبعدها شركة KVA، ورفع الجميع الشكوى من حال لم تعد قابلة للحياة.

علّة العلل مستمرّة

يصف مسؤول متابع وضع العلاقة المتداخلة بين شركات مقدمي الخدمات ومؤسسة كهرباء لبنان والحكومة والمستخدمين والأجراء واليد الخفية للسياسيين، بأنه «أشبه بكتل أسلاك الكهرباء الكثيفة والمتداخلة في أحد الأحياء المهملة». ويشرح الوضع بأنه «بات خليطا من المتطلبات الفنية والتدخلات السياسية والمصالح الفردية، ما فجّر العلاقة بين الشركاء، وهي التي ما أثبتت يوما أنها علاقة تعاقدية مهنية لمصلحة تنفيذ الخطة الموعودة للكهرباء، تأمينا لحاجات المواطنين ومتطلبات النمو الإقتصادي».

هذا الوضع دفع الشركات أكثر من مرّة منذ العام 2015 إلى التلويح بالتوقف عن تأمين الخدمات والإنسحاب من العقد، وصولا إلى إعلان شركة دباس مطلع العام الحالي توقفها عن تقديم خدماتها كافة في مناطق عملها، قبل أن تحذو شركة KVA حذوها. هذا الأمر فتح الباب على كمّ هائل من التساؤلات والتحليلات، منها مثلا لماذا لم تكن العلاقة يوما سليمة منذ تولّي الشركات تنفيذ هذا المشروع؟ كيف يتأمن التيار الكهربائي والخدمات المرافقة بعد انتهاء العقد، في غياب الشركة المتولّية ذلك؟ ما هو البديل أو ما هي الحلول المطروحة؟ وتاليا هل قدر اللبنانيين أن يتنقلوا دوماً من حال سيئة إلى حال أسوأ؟

المعلومات المتوفرة في هذا الإطار كشفت أن تداولا للحل جرى مؤخرا في شأن شركة دباس لتأمين الخدمة في مناطق الضاحية الجنوبية وجبل لبنان الجنوبي والجنوب، وقضى بتوقيع عقد جديد مع الشركة، لمدة ستة أشهر أو سنة يشمل تأمين الخدمة في مناطق الشياح والشوف وعاليه، على أن تتولى جهة أخرى هي شركة مصطفى مراد، تقديم الخدمات في الجنوب.

ولكن هذا الإقتراح واجه مشكلتين، بحسب المطلعين: أولاهما، رفض شركة دباس العودة إلى تأمين الخدمات بالشروط السابقة، خصوصا أن العقد الجديد لمدة قصيرة، وهو ما أعلنت رفضه سابقا. وثانيهما، تردد شركة مصطفى مراد في قبول العرض لأنها ستكون مضطرة لتبنّي نحو 400 مياوم كانوا يعملون لدى دباس، من دون ضمان أنها ستفوز في المناقصة المقبلة لتلزيم الخدمات لمدة 4 سنوات. ما يعني أنها فقط ستقوم بهذه العملية لمدة ستة أشهر أو سنة فقط وهو ما لا تقبل به ولا يتناسب مع مبدأ تسيير العمل أصلا.

وحسما للتأويل، أوضحت شركة دبَاس أنها لم تتبلغ أي تجديد أو تمديد للعقد الموقّع مع مؤسسة كهرباء لبنان ما يعني انتهاءه في 31 الشهر الماضي، مع ما ترتّب على ذلك من توقّف تام لجميع الأعمال المكلّفة بها. ودعت المواطنين الى التوجّه الى مؤسسة كهرباء لبنان بدءا من مطلع العام الحالي، لأي طلب أو استفسار أو معاملة متعلقة بالخدمات الكهربائية في منطقة عملها السابقة، لا سيما الأعطال على الشبكة.

لم يطل الأمر على توقف شركة دباس حتى أعلنت شركة KVA توقفها عن تقديم خدماتها. وأفادت الشركة أن «توقفها عن تقديم جميع الخدمات جاء لاستحالة تنفيذ الأعمال بسبب الظروف القائمة من إضرابات وصعوبات مالية تواجهها». وتمنت «على المواطنين مراجعة مؤسسة كهرباء لبنان مباشرة في كل ما يتعلق بالأعطال والخدمات المرتبطة بعملها».

نقابة عمال ومستخدمي مؤسسة كهرباء لبنان استغربت في بيان، «إدعاء شركة مقدمي الخدمات KVA عدم تمكنها من إصلاح الأعطال بسبب إضراب النقابة الذي دعت لاستئنافه الاربعاء في 3 كانون الثاني الحالي، بعد أن كانت المفاوضات قد وصلت إلى طريق مسدود وإعادتها الى نقطة الصفر». واعتبرت النقابة أن «موقف الشركة المذكورة غريب في مضمونه وتوقيته بإتهام عمال ومستخدمي المؤسسة بمنعها من إصلاح الأعطال». وحذرت، «الشركة المذكورة من تدخلها السافر في إضراب النقابة ودعتها إلى الكف عن اللعب بالنار».

البحث عن مخارج

في جلسة مجلس الوزراء في 12 تشرين الأول 2017، أقرّت الحكومة التمديد لشركتي BUS وKVA لغاية 31 كانون الأول2021 لتستمرا بالعمل في مناطق جبل لبنان الشمالي والشمال وبيروت والبقاع، إلا أنه طلب من وزارة الطاقة والمياه إيجاد الحلول المناسبة لمناطق الجنوب وجنوب جبل لبنان مع شركة دباس أو طرح مناقصة وفق الأصول لتلزيم مقدم خدمات جديد وفق الشروط الجديدة. فماذا حصل؟

مصدر في مؤسسة كهرباء لبنان كشف أن هناك عوامل عديدة ساهمت في تفاقم الأزمة، منها عدم قيام الشركات المعنية بتنفيذ العقد بحسب ما هو متفق عليه. وأن هذا الأمر أدى إلى إهمال الكثير من الملفّات في قطاع الكهرباء. ففي نهاية تشرين الأول الماضي، توقّفت شركة دبّاس عن سداد الرواتب لنحو 800 مياوم ونحو 200 موظف جديد، ما دفع مُياومي الشركة إلى تنفيذ إضرابهم في منتصف تشرين الثاني الماضي مُطالبين بقبض رواتبهم، في حين تراكمت المعاملات غير المُنفّذة إلى أكثر من 10 آلاف معاملة تتعلق بأعمال الصيانة وتركيب العدّادات والكشف على المباني الجديدة وتركيب المحولات وسواها.

في المقابل أفاد مسؤول في شركة دباس بأن الشركة توقّفت عن دفع الرواتب، بسبب عدم حصولها على مُستحقاتها من مؤسسة كهرباء لبنان، وإلى تحميلها قسرا دفع رواتب وأجور لموظفين ومستخدمين لا يؤدون أي عمل في الشركة. وأن عدد هؤلاء كان عند انتهاء العقد يناهز المئة. وفي السياق نفسه، أعلنت شركة KVA  الملتزمة منطقة بيروت الإدارية والبقاع، أن توقفها عن تقديم جميع الخدمات، جاء لاستحالة تنفيذ الأعمال بسبب الظروف القائمة من إضرابات وصعوبات مالية تواجهها.

مصدر مسؤول في وزارة الطاقة أشار إلى أن أيّ مخرج لملف عقود شركات مُقدّمي الخدمات لم يرَ النور بعد، على الرغم من العمل الجاد من قبل الوزارة لإيجاد المخارج الملائمة وبأسرع وقت ممكن. وفيما لفت إلى وجود الكثير من الأفكار التي تعمل الوزارة بالتعاون مع المعنيين على معالجتها، شدد على طمأنة المواطنين لناحية استمرار تأمين الخدمات ريثما يكون قد تم التعاقد مع مشغّل جديد، أو ترتيب الوضع وتجديد العقود مع المشغّلين الحاليين.

وبما خص موظفي ومستخدمي ومياومي مؤسسة كهرباء لبنان وإضراباتهم التي تقول الشركات إنها طالما أعاقت عملها، كشف المصدر المذكور أن الإتصالات خلصت إلى استثناء الموظفين والمستخدمين من تعميم الرئيس سعد الحريري، الشهر الماضي، الذي قضى بعدم استفادة موظفي المؤسسات العامة غير الخاضعة لقانون العمل والمصالح المُستقلة من سلسلة الرتب والرواتب. غير أن التسوية التي توصّل إليها الاجتماع الذي عُقد، في وزارة المالية بين وزيرَي المال علي حسن خليل والطاقة سيزار أبي خليل ورئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر وممثلين عن النقابة، لم تحمل حلاً لملف المياومين الذين أعلنوا نيتهم مواصلة تحركاتهم وتصعيدها، مشكّلين الصاعق الجاهز دوما للتفجير.

فتّشوا عن السياسة

يشير مطلعون إلى أن أزمة مقدمي الخدمات مستمرة تقريبا منذ تكليفهم تنفيذ الأعمال المحددة في العقد، أي منذ العام 2012. ففي العام 2015 أعلنت شركة دباس عن عدم دفع الأجور للمستخدمين بسبب الفوضى وتحميلها أعباء لا تتناسب مع مهامها. وفي العام 2016 فُرض التمديد للشركات كأمر واقع، في ظل غياب خطة بديلة من المشروع الذي لم يحقق أهدافه، وأهمها معالجة النزف الحاصل في المؤسسة وتركيب 1,4 مليون عداد ذكي في مختلف المناطق اللبنانية وتحسين الجباية وتطوير خدمات التوزيع ومعالجة مشكلة المياومين.

ويتساءل هؤلاء عن المصالح الكامنة وراء هذا المشروع، والمستفيدين منه، الذين يمنعون أي نقاش جدي في مسألة إعادة وظيفتي الجباية والتوزيع إلى مؤسسة كهرباء لبنان. ويلفتون إلى استمرار النزاعات على مدى الفترة التي تسلمت فيها الشركات هذه المهمة ما يُبيح التساؤل عن جدوى المشروع برمّته، وهل المشكلة في أساس المشروع أم في سوء تطبيقه؟ علما أن المواطن لا تعنيه التفاصيل بل أن يتأمّن التيار مقابل ما يقدمه من اشتراكات.

فمشروع مقدمي الخدمات طالما شكل إحدى الخطوات التنفيذية «للورقة السياسية لإصلاح قطاع الكهرباء» التي أقرّت في حزيران من العام 2010. يومها، تم تقديم المشروع على أنّه الحل الوحيد المتاح لإصلاح قطاع التوزيع في الكهرباء، الذي يصيبه الكثير من الاهتراء والسوء في تقديم الخدمات. وقد تعاقدت وزارة الطاقة والمياه مع شركة استشارية هي NEEDS، ووقّعت المؤسسة آنذاك عقداً مع الشركة بقيمة 10 ملايين دولار، على أن تكون مهمتها مساعدة المؤسسة في إدارة المشروع وتقديم النصح إليها في ما يتعلق به.

ويضيف المتابعون أنه بعد 4 سنوات، أوصت NEEDS بعدم التجديد أو التمديد للمشروع ولو ليوم واحد، لكونه فشل في تحقيق أهدافه الأساسية من جهة، وحماية للمال العام تمهيداً لتقييم موضوعي من جهة ثانية، إذ تم صرف نحو 300 مليون دولار وبقي 500 مليون دولار. علما أن قيمة العقود مع الشركات بلغت 785 مليوناً و462 ألفاً و727 دولاراً. لكن مصادر وزارة الطاقة والمياه ردّت بأنّه لا يمكن الحديث عما حققه مشروع مقدمي الخدمات من دون العودة إلى الظروف التي أحاطت تطبيقه، معتبرة أنه حقق الكثير في بعض النواحي، وتعثر في نواح أخرى.

ويرى هؤلاء أن أي ناظر إلى المشهد بكليّته لا تُخفى عليه الأسباب التي أدت إلى فشل المشروع. ويلفتون إلى أن المناطق التي انسحبت منها الشركات خارجة نسبيا عن سلطة الأمن الرسمي ما يعيق حركة موظفيها ويكبدها خسائر كبيرة. كذلك تتصرف الجهات الرسمية المعنية من خلفية سياسية في إدارة الملف، ما يتضارب مع المقتضيات التقنية والإدارية. وبالتالي ثمّة من يعتقد بأن الكباش الحاصل في البلد مؤخرا له تجلياته في أكثر من مكان، وليست أزمة الكهرباء بعيدة منه، ودائما المواطن يدفع الثمن. ويضيفون، هناك أسباب فنية طبعا لما حصل، وأخرى مادية وغيرها عملانية، لكن دعوا كل تلك الأسباب جانبا… وفتشوا عن السياسة!

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل