بو عاصي وأزمة النازحين السوريين: من عشوائية الانتشار الى تنظيم العودة

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة – العدد 1645:

تدخل الحرب في سوريا سنتها الثامنة مع العام 2018 بين كرّ وفرّ ومفاوضات لإنهائها بين جنيف وآستانة… وينهي لبنان عامه السابع مع المعاناة جراء تداعيات النزوح السوري وعلى مختلف الأصعدة الأمنية والديموغرافيّة والإجتماعيّة والاقتصاديّة… فما كانت محصّلة أعباء هذا التدفّق عبر الحدود الشرعيّة وغير الشرعيّة الى لبنان حتى الآن؟

وهل الدولة اللبنانية اليوم أمام تحول معضلة عشوائية النزوح السوري الى عشوائية أنصهار النازحين في المجتمع اللبناني وعلى إمتداد الأراضي اللبنانية؟

هل نحن أمام خطر إنفجار ديموغرافي حقيقي في ما لو بقيت المعالجات في إطار التسويق السياسي وعجز اللجنة الوزارية المكلفة معالجة أزمة النازحين السوريين، عن إصدار ورقة موحّدة تنقل الملف من خطة «تنظيم النزوح» الى عنوان أكثر إلحاحًا يتعلق بخطة «تنظيم العودة»؟!.

وزير الشؤون الإجتماعية بيار بو عاصي أجاب وشرح وطمأن وحسم الموضوع «الحلّ الفعلي هو بعودة النازحين الى سوريا، ونقطة ع السطر. ونحن نعمل على تفعيل الآليات لتحقيق ذلك على مختلف المستويات، والعام 2018 هو عام تصنيف فئات النازحين تحضيرًا لعودتهم».

 

بعد معركة فجر الجرود التي خاضها الجيش اللبناني لإنهاء الوجود العسكري والخطر الأمني للجماعات الإرهابية على حدود لبنان الشرقية، تتصدر العناوين اليوم تداعيات انصهار النازحين السوريين في الداخل اللبناني والتفاوت في أرقام أعدادهم بين المراجع الدولية من جهة والمراجع الرسمية اللبنانية من جهة أخرى، فيبدو تأثير النزوح في تفشي الفقر والبطالة والجريمة والاتجار بالبشر والدعارة… خطرًا داهمًا، فيما يسلّط البعض الضوء على بداية عودة مبطنّة وتدني عدد النازحين الى أقل من مليون نازح للمرة الأولى منذ بداية الحرب السورية.

إشكالية تضارب الأرقام في عدد النازحين

عن حقيقة الأرقام التي صدرت عن المفوضية العليا للنازحين والتي وثّقت حتى نهاية تشرين الثاني 2017 وجود 997,905 نازحين سوريين مسجلين في لبنان غالبيتهم من النساء والأطفال، يوضح الوزير بيار بو عاصي أن الأمر طبيعي لأن الدولة اللبنانية طلبت من المفوضية وقف تسجيل الداخلين الى لبنان في بداية العام 2016. وبالتالي فالأرقام لديها لا يمكن أن تكون دقيقة لأنها مبنية عل المعطيات التي توقفت عندها أواخر العام 2015. إذاً أي تناقص هو من عدد المسجلين لديها وليس من العدد الفعلي والذي بحسب تقديراتنا كوزارة مسؤولة عن إدارة هذا الملف هو حوالى مليون و200 ألف نازح، وحتى هذا الرقم ليس دقيقًا إنما هو نتيجة لتقاطع الأرقام بين الأمن العام اللبناني ووزارة الشؤون الاجتماعية والهيئات والمنظمات الدولية. وتناقص عدد النازحين المسجّلين لدى المفوضيّة هو نتيجة عودة قلّة الى قراهم لا سيما القرى الحدودية مع لبنان والتي باتت آمنة، أو بسبب سفرهم الى دول أخرى وفق ما يعرف في أوروبا مثلا ببرنامج لمّ الشمل، أو الوفاة، أو تمّ شطبهم من السجلات بسبب دخولهم المتكرّر الى سوريا ونزع صفة النزوح عنهم، أو أي أسباب أخرى تمنعهم من مواصلة التردّد على مراكز المفوضية والحصول على حصصهم من المساعدات الدولية».

من هنا يستبعد الوزير بو عاصي فرضية ترويج فكرة تدني عدد النازحين الى ما دون المليون للتمهيد لفكرة إما التوطين المبطّن او التطبيع. ويضيف «الأمر مرفوض كليًا من قبلنا ومن كل المكوّنات التي نتفاعل معها داخل الحكومة. وبصراحة وصدق لم نلمس مرة أن أحدًا لديه ميل لإبقاء النازحين السوريين في لبنان، لا بل هناك إجماع على التوافق حول خطوات عملية لعودتهم».

هاجس ذوبان بضع مئات من السوريين في البيئة اللبنانية الحاضنة يفرض نفسه بقوة، فبعد مشكلة المخيمات العشوائية دخلنا الى مرحلة الانصهار العشوائي للنازحين في كافة البيئات والمجتمعات اللبنانية وباتت المخيمات العشوائية مأوى مؤقتاً لأعداد قليلة منهم. هذا الواقع الخطر ينطبق على لبنان وتركيا والأردن أيضًا. ويوضح هنا بو عاصي «الأردن اتخذ منذ بداية الأزمة السورية خيار حصر النازحين السوريين في مخيمات كمخيم الزعتري وغيره، لكن النتيجة مع الوقت أسفرت عن تركهم  للمخيمات والانتشار على كافة الأراضي الأردنية، فصار عدد المقيمين في المخيمات لا يتعدى 15 في المئة.

أما لبنان الذي لم يتخذ هذا الخيار في الأساس، وفضّل أن تجد كل مجموعة سورية الحلّ والمكان المناسبين لها في هذه الفترة الانتقالية، اًيضا نحو 15 في المئة منهم ما زالوا يقيمون في المخيمات التي تشرف على إدراتها أولًا الدولة اللبنانية ممثلة بوزارة الشؤون الاجتماعية، ثانيًا البلديات وثالثًا الأمم المتحدة ممثلة بالمفوضية العليا للنازحين UNHCR. هناك حوالي 1700 مخيم عشوائي في كل لبنان، تختلف أحجامها بين منطقة وأخرى وتتوزع بين الحدود الشرقية والشمال لكنها شبه فارغة من النازحين».

هذه الأطراف الثلاثة تعمل على تطبيق ما سمي بخطة لبنان للإستجابة للأزمة 2017 – 2020 يتركز العمل وفقها على تحقيق الاستقرار واستراتيجية تنموية بعيدة الأمد تستهدف نحو 3 ملايين نسمة نصفهم من اللبنانيين والنصف الثاني من النازحين السوريين لأن أكثر المجتمعات اللبنانية ضعفًا هي التي تستضيف غالبية النازحين ما يشكل أعباء كارثية عليها.

قبل خطة لبنان للاستجابة كان 90 في المئة من حجم المساعدات الدولية ينفق لإغاثة النازحين السوريين، فيما المواطن اللبناني يتكبّد الأعباء في كل القطاعات من الماء الى الكهرباء والنفايات والبنى التحتية ويعاني حتى من المضاربة غير المتكافئة في لقمة العيش. فما الذي يحول دون حصول تصادم بين المجتمع المضيف والمجتمع النازح؟.

هذا ما حاولت وزارة الشؤون تداركه منذ سنة تقريبًا وضبطت توزيع المساعدات من الدول المانحة ووصلت الى نحو 1,2 مليار دولار تقريبًا هذه السنة. في السابق كانت الجمعيات والمنظمات «تتناتشها» ووصل حجمها قبل عام من الآن من 3 الى 5 مليار دولار، لم يظهر أي أثر لها على الأقل في الأولويات الملّحة من تجهيز البنى التحتية وفرص العمل ودعم الاقتصاد اللبناني …

اللجنة الوزارية والورقة الموحدّة

في هذا السياق يقول بو عاصي «منذ تولينا مسؤولية الوزارة قبل عام من الآن، لعبنا دور صلة الوصل بين المنظمات الدوليّة والمحليّة والمخيمات من خلال فريق عمل ناهز الـ 157 موظفًا لا أكثر. في السابق كانت الجمعيات تتواصل مباشرة مع مخيمات النازحين فطالبنا بوقف أي تواصل معهم إلا من خلال وزارة الشؤون لأننا نمثّل السيادة اللبنانيّة وهذا موضوع سيادي بامتياز. لم نقبل بأن تكون أرضنا سائبة وأن تتصرّف أي جمعيّة أو منظّمة كما تريد على أرضنا.

تحوّل النزوح من إنساني الى نزوح اقتصادي من دون إحتواء تداعياته الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية سيكون من أولويات البحث الذي تتولاه اللجنة الوزارية ونحن جزء منها. هناك وعي لدى كافة مكوّنات هذه اللجنة أن الوضع لم يعد يحتمل ان يستمر على هذا الشكل. وفي الاجتماع الأخير في تشرين الأول الفائت توصّلنا تقريبًا الى ورقة مشتركة لإحتواء الأزمة وتحديد آليات العودة لكن للأسف لم تنته الورقة ولم تدخل حيّز التنفيذ».

الإختلاف إذن في الشكل يؤكد بو عاصي بين كافة الفرقاء السياسيين «والحلّ الفعلي وعودة النازحين الآمنة الى سوريا عبر الأردن أو تركيا أو المعابر اللبنانيّة من أولويات حزب «القوات اللبنانية». وهذا يتم إما بالعودة الطوعية المباشرة او بالإتفاق مع الدول المعنية لتحفيز العودة عبر نقل عمليات تسليم النازحين المساعدات المخصّصة لهم في لبنان الى الداخل السوري».

وبانتظار الورقة المشتركة يبقى الاشتباك السياسي حول آلية العودة، ورفض التطبيع مع النظام السوري من المعوقات التي تحول دون تكريس أي حل تنفيذي، مما يُبقي الساحة مشرّعة لشبكات المستفيدين من هذا الملف الشائك ويفضح كل يوم أكثر رائحة الفساد المنبعثة منه بين بعض الوزارات والجمعيات ويسهم في إزدهار نشاط شبكات التهريب عبر المعابر غير الشرعية والأنفاق من الاتجار بالبشر الى شبكات الدعارة وتجارة الأعضاء والمخدرات والسلاح… وذلك على الرغم من أن الجيش اللبناني يبذل جهودًا إستثنائية لضبط الحدود بالنار ورصد المسلحين والمتسللين والمهربين.

2018 هل تكون سنة الضغط للعودة؟

التحولات السياسية الدولية والإقليمية ستنعكس حتمًا على أزمة النزوح السوري لا بل الشتات السوري في أصقاع الأرض، والنظام السوري المأزوم الذي يجد نفسه حاكمًا بلا شعب بدأ يروّج لخطة إستعادة نحو 750 ألف نازح من لبنان في أقرب وقت، فهل يبقى على الدولة اللبنانية عبء إحتواء نصف مليون من مجمل عدد النازحين بين مكتوم القيد ولاجئ سياسي وغيرها من معوقات العودة؟.

الوزير بو عاصي كشف عن إنجاز دراسة إحصائية لتصنيف النازحين بحسب فئاتهم في الأشهر القليلة المقبلة، فمن انتفت الأسباب الإنسانية والصحية والأمنية لعودتهم الآمنة الى سوريا، عليهم أن يعودوا. فهذه هي الاستراتيجية التي سيبدأ تطبيقها هذه السنة، يفترض أن تعيد إمكانية قياس حجم تداعيات النزوح بالأرقام، والذي يقدّر الأثر الإقتصادي منذ بداية الأزمة والكلفة المالية التقريبية له بحوالى 18 مليار دولار خلال السنوات السبعة الفائتة.

كما أن وزارة الشؤون الإجتماعية ترصد الولادات غير المسجلّة المصنّفة في فئة مكتومي القيد، لذا العمل حثيث حاليًا مع وزارة الداخلية لوضع آلية قانونية لتسجيل هؤلاء كي لا ينتهي ملف العودة بأزمة إنسانية أخرى.

على أمل أن تضع الحكومة ملف عودة النازحين بندًا يتصدّر قائمة جدول أعمالها سيبقى النزوح السوري يشكل خطر التحوّل الى حزام بشريّ ناسف يلّف كل لبنان!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل