تجسس الأمن العام: افتخار أم إدانة؟

بعد محاولة إحاطة ملف التجسس الالكتروني عبر الهواتف الذكية المصوبة فيه “التهمة” الى الامن العام اللبناني بالكتمان والصمت، واعتبار وزير الداخلية نهاد المشنوق أن “هناك مبالغة كبيرة في التقرير (…) ليس أنه غير صحيح لكنه منفوخ للغاية”، لم يعد ممكنا التغاضي عن الامر بوجهتين متباعدتين:

الوجهة الاولى هي مفاخرة لبنانيين كثر بما يعتبرونه “انجاز” الامن العام اللبناني وتقدمه التقني الالكتروني في مجال التجسس الذي نخضع له يوميا من كل حدب وصوب. فالهواتف الذكية في ذاتها أدوات للتجسس لا نعرف لمن تتبع الشركات التي تصنعها، والبطاقات الهاتفية نافذة أخرى على التجسس، وشبكة الانترنت مجال أوسع للدخول الى خصوصيات الناس، وكاميرات المراقبة في كل مكان تحاصرنا، والطائرات الاسرائيلية من دون طيار تخترق اجواءنا فتلتقط الصور من دون إذننا، و”غوغل ماب” بات يرافقنا في كل تحركاتنا، والاجهزة والصحون اللاقطة فوق سطوح السفارات لا توفر احدا، ونظام “فاتكا” الاميركي يقتحم حساباتنا المصرفية، ومحطات اعتراض الاتصالات المزروعة في المحيط الاقليمي تعمل منذ زمن بعيد، وجواسيس الدول الافقر، وربما الاغنى، تصول وتجول في شوارعنا لتتابع تحركاتنا، ناهيك بعملاء الاجهزة الامنية المحلية التي تعمل لمصلحة الامن القومي، لكنها في الوقت نفسه يمكن ان تتحول عامل تهديد لحريتنا. في خضم هذا الواقع التجسسي الذي يحاصرنا، ماذا يمنع ان يقوم جهاز امني لبناني باعمال مماثلة لمراقبة – افتراضاً – ارهابيين او جواسيس او عملاء مخابرات خارجية قادمين الى لبنان، من دون ان يتعرض لخصوصيات الناس او تجنب هذا الرصد اذا لم تتوافر اي خيوط تختص بالامن؟.

الوجهة الثانية تتعلق اولا بالحق في الدخول الى خصوصيات الناس، وما اذا كانت عملية الامن العام مغطاة بقرار حكومي او سياسي، أم ان الامور متروكة لقرارات داخل كل جهاز بمفرده، لنكتشف لاحقا ان ثمة عمليات مشابهة لدى أجهزة أخرى أيضا. والسؤال اللاحق عن الجهة او الجهات الضامنة عدم استعمال المعلومات والمعطيات المجمعة في الضغط على اناس محددين او ابتزازهم او العمل ضدهم في ملفات محددة او انتخابات او ما شابه، وايضا عن الميثاق والمواثيق التي ترسم سقفا وحدودا لهذا التدخل في حياة الناس المستهدفين، وضمان الا تتسرب معلوماتهم الشخصية الى جهات اخرى، أمنية كانت او تجارية او ارهابية.

أمس حضت منظمات حقوقية واعلامية السلطات اللبنانية على التحقيق في تقارير تؤكد قيام أحد الأجهزة الأمنية بعملية تجسس الكترونية واسعة النطاق طالت آلاف الاشخاص في أكثر من 21 دولة. وتشير التقارير الى ان المشغلين تركوا البيانات الشخصية متاحة علناً على شبكة الانترنت المفتوحة، ما قد “يعرض خصوصية الناس لمزيد من المخاطر”. واعتبرت ثماني منظمات في بيان مشترك أن “على النيابة العامة في لبنان التحقيق في تلك التقارير”.

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل