الانطباع الانتخابي الموجود في البلد بان “حزب الله” سينتزع الأكثرية النيابية في الانتخابات المقبلة ويمسك بمفاصل الحياة الوطنية غير صحيح على الإطلاق، على رغم ان انطباعا من هذا النوع قد يكون مفيدا لحث الناس على الاقتراع قطعا للطريق أمام اي احتمال من هذا القبيل يدفع الحزب إلى محاولة تغيير هوية البلد السياسية والثقافية، خصوصا أن الأحداث المتلاحقة أثبتت ان هذه المخاوف لا تنحصر بالبعد الوطني، إنما تنسحب على كل الجوانب الحياتية الثقافية والاجتماعية…
والأسوأ ان شريحة واسعة باتت تتعامل مع سيطرة “حزب الله” على البرلمان وكأنها حاصلة حتما، والأسوأ أيضا ان بعض الشخصيات السيادية ساهمت في خلق هذا المناخ وتعميمه ربطا بتموضعها خارج التسوية السياسية القائمة، فيما هذا الجو لا يعكس واقع الحال لا من قريب ولا من بعيد لا في السياسة ولا في الأرقام، فلا أكثرية لـ”حزب الله” ولا “ثلث ضامن”، وإذا كانت 14 آذار الإدارية في أزمة تنظيمية، فواقع 8 آذار في أزمة بنيوية وجوهرية.
وفي سياق آخر، وفي دليل ساطع على المنطق السائد لدى فئة من اللبنانيين، وهو المنطق نفسه الذي كان سائدا إبان الاحتلال السوري للبنان لجهة اعتبار فئة معينة ان الجيش السوري في لبنان موجود في بلده الثاني وهو “شرعي وضروري ومؤقت”، طالعتنا إحدى الصحف بالخبر الآتي:
“قبل 10 أيام، أمر رئيس الحكومة سعد الحريري النيابة العامة بإصدار مذكرة لتوقيف قائد تنظيم “عصائب أهل الحق” العراقي، الشيخ قيس الخزعلي. جريمة الأخير أنه وقف قرب الحدود مع فلسطين المحتلة مطلع كانون الأول الماضي، وتوعّد العدو الإسرائيلي بمساعدة لبنان في وجه أي عدوان عليه”.
فالمشكلة مع هذه الذهنية انها لا تقيم وزنا للسيادة الوطنية، فتعتبر حينا الوجود السوري “شرعي وضروري”، وتعتبر أحيانا دخول الخزعلي إلى لبنان “بديهي وطبيعي”، وهذا ينم عن عقيدتها غير المؤمنة بكيانات ودول وسيادات وتتعامل مع لبنان كونه ساحة وجزء من أمة، إذ بأي حق وقانون ومنطق يدخل الخزعلي إلى لبنان، ومن كلّفه أساسا مهمة مساعدة لبنان في وجه إسرائيل، ومن قال له مثلا ان الدولة اللبنانية تلكأت او عاجزة عن تحمل مسؤولياته، ومن أخبره ان الجيش اللبناني غير قادر على التصدي لأي عدوان من اي جهة أتى؟
إنها وقاحة ما بعدها وقاحة، وكل التأييد لموقف الحكومة ورئيسها والنيابة العامة على إصدار مذكرة توقيف بحق الخزعلي وكل من تسول له نفسه انتهاك السيادة اللبنانية والتعامل مع الدولة اللبنانية وكأنها غير موجودة.