#adsense

“حزب الله” والنظام المصرفي اللبناني… إلامَ يستطيع لبنان كسب الوقت في مواجهة العقوبات الأميركية؟

حجم الخط

 

 

 

 

كتب سيمون سمعان في مجلّة المسيرة – العدد 1646:

 

الخبر: وفد وزارة الخزانة الأميركية في بيروت… الهدف: تشديد العقوبات على “حزب الله”… العنوان: النظام المصرفي اللبناني… أما النتيجة، فبلبلة من جديد وتهديد الثقة بالمصارف اللبنانية. وعليه، كيف سيتصرف المسؤولون؟ علما أن مثل هذه القرارات مع إدارة ترامب هي غيرها مع الإدارة الأميركية السابقة برئاسة أوباما. صحيح أن اللبنانيين يعلمون جيدا كما الأميركيين، مدى متانة القطاع المصرفي اللبناني والتزامه قواعد الشفافية والإنضباط الدولي، لكنّ الطرفين يعلمان أيضا أن تهديد ممارسات “حزب الله” للمصالح اللبنانية، إستقراراً ومصارفَ وعلاقاتٍ دولية فضلا عن السيادة، بات متمادياً بحيث لا يمكن السكوت عنه. يستمر الحزب في نهجه وإن اعتمد التقيّة في زمن الأزمات. ويستمر الآخرون في الرهان على سياسة السير بين النقاط إلى حين هبوب العاصفة…

 

أثارت جولة مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب مارشال بيلينغسلي في بيروت الأسبوع الماضي، موجة من التساؤلات عن خلفيات الزيارة وما دار في كواليسها، خصوصا أنها تزامنت مع أمرين: أولا، صدور النسخة الثانية المشددة لقانون العقوبات الأميركي ضد “حزب الله” بموافقة الكونغرس بمجلسيه وبأغلبية ساحقة. وثانيا، المقال الذي نشره جوناثن شانزر من مؤسسة المحافظين الجدد للدفاع عن الديمقراطيات في الولايات المتحدة، والذي حدد فيه القنوات والوسائل التي يعتمدها “حزب الله” لتمويل أنشطته، التي وصفها الكاتب بالإرهابية.

صحيح أن تحركات مسؤولي وزارة الخزانة وتفاصيل مباحثاتهم مع المسؤولين اللبنانيين أُحيطت بالسرية التامّة، ولا سيما أنها تعلقت بملف العقوبات الأميركية المفروضة على “حزب الله” لوقف تمويله. لكن المتابعين استطاعوا التقاط ما يشي بأن الزيارة “شكلت جرس إنذار لـ”حزب الله” بأن العقوبات جديّة بما يكفي لمنعه من استخدام المؤسسات والقطاعات اللبنانية كمنصّة لممارسة نشاطاته التخريبية في دول أخرى أبرزها الولايات المتحدة”.

مؤشرات وتحوّلات

نصّ قانون تعديل قانون العقوبات الأميركية السابق على “حزب الله”، على فرض عقوبات على الدول والوكالات والأدوات الأجنبية التي تدعم الحزب عن علم ودراية. ودعا إلى تقديم تقارير أكثر شمولا عن المعاملات المالية مع ما وصفها القانون بـ”الجماعة الإرهابية”. والقانون الذي أُقرّ في الكونغرس قبل نهاية العام 2017 بدعم قوي من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يعزّز قانون 2015 بفرض جزاءات إلزامية على أنشطة التبرعات والتجنيد ذات الصلة بـ”حزب الله”.

وكان قانون عقوبات 2015 نص على استهداف “إمبراطورية المخدرات والاتصالات لـ حزب الله في العالم، بما فيها محطة تلفزيون المنار”، فضلا عن الأنشطة غير المشروعة التي تموّل ما وصفها بـ”الجماعة الإرهابية” في كافة أنحاء العالم. أما أهم ما تضمّنه القانون فهو تمكينه الإدارة الأميركية من استهداف المصارف الأجنبية التي تتعامل مع كيانات تسهل أنشطة “حزب الله”، ما يؤدي إلى فصلها عن النظام المالي الأميركي.

من هنا يمكن فهم المتابعة الأميركية للضغط باتجاه عدم التهرّب من تنفيذ القانون التي تجسدت بزيارة الوفد الأميركي إلى بيروت. وإن كانت الناطقة باسم السفارة الأميركية في لبنان رايتشل ميكيسكا خففت من الأمر بتأكيدها أن الوفد الأميركي زار لبنان لتشجيع السلطات اللبنانية والسلطات النقدية التي تعتبر شريكة أساسية في مجابهة تمويل الإرهاب، على الاستمرار في بذل الجهود لحماية الأنظمة المالية اللبنانية والعالمية من إساءة استعمالها من قبل الإرهابيين.

وفي خطوة تؤكد حرص واشنطن على المضي حتى النهاية في تنفيذ القانون، أنشأت الولايات المتحدة الشهر الحالي، قوة مهمة جديدة لإجراء استقصاءات على نطاق واسع تتعلق بنشاط “حزب الله” في الاتجار بالمخدرات وعمليات غسل الأموال، بعد تحقيق سياسي كشف ان إدارة أوباما اضعفت عمدا “مشروع كاساندرا” الذي تقوده إدارة مكافحة المخدرات، بحيث كشفت التحقيقات السياسية في واشنطن عن العمليات الخارجية لـ “حزب الله” في أميركا اللاتينية والعالم، مشددة على “أن الولايات المتحدة معنية كليا بعمليات الحزب داخل لبنان”.

وأشار مسؤول أميركي إلى أنه وفق “الاجتماعات التي عقدناها مع المصرفيين اللبنانيين، فهم يُصرّون على أن المصارف اللبنانية ملتزمة تماما بالمعايير الدولية، وأن “حزب الله” لم يستغل النظام المصرفي اللبناني. لكن المصارف تدرك في الوقت عينه، أنه يتوجّب عليها حين تواجههم وزارة العدل الأميركية بأدلة على توّرط “حزب الله”، اتخاذ إجراءات تحد من توسل الحزب المصارف اللبنانية لتنفيذ مآربه التمويلية، أو مواجهة مقاطعة النظام المالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة”.

ورأى أن المصرفيين والهيئات التنظيمية اللبنانية “ليسوا استباقيين. اذ يستجيبون للمشاكل عندما يضطرون لذلك. لكنهم لا يتفحصون حساباتهم بحثا عن أموال “حزب الله” القذرة”. ورأى أن على القطاع المصرفي اللبناني اعتماد سياسة عدم التسامح المطلقة مع عمليات تمويل الإرهاب وغسل الأموال وغيرها من الجرائم المالية، مؤكدا أن لا خيار أمام المصرفيين والهيئات التنظيمية سوى محاربة المشكلة، إذا كانوا يريدون ضمان مكانة البلد في النظام المالي العالمي”.

المسؤول الأميركي قال إنه “على المصرفيين والسلطات التنظيمية اللبنانية أن يتوقعوا في الأيام والاسابيع المقبلة، كلاما من الإدارة الأميركية الرسمية عن خطوات لتطهير النظام المصرفي من عمليات تمويل مشبوهة لـ “حزب الله””. وهذا الكلام وإن رأى فيه البعض مجرد تهويل لا نتائج تنفيذية له، إلا أن هناك من يؤكد جديّة الخطوات الأميركية لافتا إلى “أنه بغض النظر عن تغيّر الظروف في المنطقة، إلا أنه يجب الأخذ في الحسبان أن إدارة ترامب غير إدارة أوباما سواء لناحية القرار أو لناحية التنفيذ”.

بين التطمين والحذر

هل علينا الأخذ بالتهديد الأميركي أم علينا الوثوق بشفافية نظامنا المصرفي؟ وماذا عن الخطوات المقبلة المتوقعة سواء من الجانب الأميركي أم من الجانب اللبناني؟ وغيرهما من الأسئلة البالغة الحساسية في هذا الظرف، حملتها “المسيرة” إلى أكثر من مصرفي لتوضيح الرؤية أمام اللبنانيين الذين أقلقتهم مثل هذه المواقف. وهم الذين لم يعد لديهم إلا قطاعهم المصرفي متكأاً بعدما تداعى معظم القطاعات الأخرى.

أحد هؤلاء المصرفيين كشف أن المسألة ليست بالبساطة التي يوحيها البعض ولا بالخطورة التي يتصورها البعض الآخر. هناك أمور محددة وحقائق يجب التعامل معها. أولا علينا الوثوق نعم بأن نظامنا المصرفي سليم ومتين وهو ملتزم قوانين الشفافية الدولية بشهادة الجميع. ولكن هذا لا يعني أنه بمنأى عن الضغوط المتأتية من ممارسات “حزب الله” ماليا وغير مالي. فالحزب وإن كان يعتمد قنوات رديفة وخارج النظم المصرفية لضمان حماية تمويله وتجنيبه الرقابة الأميركية والدولية المشددة، إلا أنه في المقابل تبقى هناك أموال من داعمين يعملون في الخارج يمكن أن تمرّ عبر المصارف لتصب في النهاية في صندوق الحزب. هذه الأموال في نظرنا لا تصنّف أموالا قذرة لأنها ليست متأتية من تجارة غير مشروعة بل من أعمال سليمة. لكنها في نظر القانون الأميركي لمكافحة الإرهاب هي جزء من تمويل الإرهاب باعتبار أن القانون صنّف “حزب الله” منظمة إرهابية.

وأشار المصرفي إلى الرأي القائل بأن “تحدي محاربة تبييض الأموال وتمويل الارهاب كبير وقانوني، وهو تحدي التزام، وأن هناك ضغوطا كبيرة على المصارف العربية عموما من قبل السلطات الرقابية الدولية، لا سيما الرقابة الأميركية تطبيقا للقوانين والتشريعات المطلوبة في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الارهاب، ومما لا شك فيه أن المصارف تطبق هذه القوانين والتشريعات خوفا من خسارة علاقاتها”.

ولكن ضبط مصادر تمويل الإرهاب، يتطلب تعاونا بين الأجهزة الرقابية والأمنية والقطاع المصرفي، فتصبح رقابة هذه المصادر أسهل. وهذا يتطلب بدوره تعاون القطاعين العام والخاص في هذا المجال لأن نقل الأموال عبر الحدود يقع تحت رقابة الأجهزة الأمنية، وليس رقابة المصارف. ولفت الى أن “تمويل الإرهاب قد يتم من خلال نقل الأموال عبر الحدود أو من خلال الوسائل التكنولوجية التي تسهل هذا الأمر بواسطة العمليات الالكترونية، وبالتالي يصبح من الصعب جدا تحديد أرقام الأموال التي يتم من خلالها دعم الارهاب سواء في لبنان أو في المنطقة”

وأشار المصرفي إلى أن الضغوط الأميركية تسارعت في الصعود بعدما سربت وزارة العدل الأميركية تحقيقاتها في حزيران 2017، عن اعتقال المهندس علي كوراني، في حي برونكس في نيويورك، والكشف عن أنه زود حزب الله، منذ العام 2009 إلى العام 2015، بمعلومات جمعها عن أفراد الجيش الإسرائيلي في نيويورك، ونشرت صحيفة “ذا ديلي بيست” الأميركية اعترافاته لمكتب التحقيقات الفيدرالي، حيث أخبر أنه تم تجنيده بسبب اهتمام “حزب الله” بالحصول على عملاء مزدوجين نائمين يمكن تفعيلهم في حال الطوارئ، في مسعى من الحزب لتطوير خلايا نائمة يمكن تكليفها بإجراء عمليات”. وقد جاء اعتقال كوراني في أعقاب تحقيقات واسعة النطاق في أنشطة “حزب الله” المتعلقة بتهريب المخدرات في أميركا اللاتينية لوقف نفوذه، في ما سمي بمشروع “كاساندرا”.

الجميع أمام المفترق

كلام المصرفي تلاقى مع مواقف مكررة لكل من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس جمعية المصارف جوزف طربيه حول متانة القطاع المصرفي اللبناني وسلامة عملياته وخلوِّها من أية أموال مشبوهة. وبالتالي نفي ما أُشيع عن مصارف لبنانية قد تكون متورطة بتبييض الأموال أو تمويل الإرهاب بحسب ما تناقلته بعض وسائل الإعلام. ونفت مصادر مقرّبة من الرجلين معلومات وردت في تقارير صحفية عن أن زيارة وفد وزارة الخزانة الأميركية إلى لبنان الأسبوع الماضي ترتبط بمعطيات عن تسلل أموال حزب الله عبر قنوات مصرفية تعود لـ4 مصارف لبنانية، 2 منها من كبرى المصارف. وشددت على أن التقارير لم تلق صدى في الأوساط المصرفية، إذ لم يتم الإستناد في توجيه الإتهامات وتسمية مصارف لبنانية إلى أي مستند قانوني أو معلومة مؤكدة.

أكثر من ذلك اعتبر المصدر أن الزيارة الأميركية هي خطوة إيجابية تجاه القطاع المصرفي، باعتباره يدار بطريقة سليمة. فـ”لو كانت وزارة الخزانة الأميركية تملك معطيات مؤكدة عن تسلل أموال “حزب الله” عبر أي مصرف لبناني لكانت فرضت عقوبات من دون أي تردد، ولما كانت زارت لبنان بهذا الشكل”.

في المقابل، يعتبر المصرفي الذي التقته “المسيرة”، أنه “لا يجوز دفن رأسنا في الرمال استنادا إلى التطمينات. ويشير إلى أن الوفد المصرفي اللبناني الذي زار العاصمة الأميركية قبل نهاية العام الماضي، سمع لغة أكثر تشدداً، وإن أبدى الأميركيون تفهماً للمطالب اللبنانية، لكنهم أبلغوا أعضاء الوفد، أن قراراً على أرفع المستويات في إدارة الرئيس دونالد ترامب، يقضي بوجوب معاقبة “حزب الله” على “دوره الإرهابي في العالم”، ولا بد من تفهم المبررات التي دفعت الإدارة الأميركية لاتخاذ هذه الإجراءات، بعدما أصبح الحزب يشكل تهديداً عالمياً. ووفقاً للأميركيين، “يجب التصدي له بتجفيف منابعه المالية على مستوى العالم”.

انطلاقاً من ذلك، وعلى رغم أن الوفد المصرفي اللبناني شرح للأميركيين وجهة نظره المدعمة بالإثباتات والأدلة، إلا أن هناك مخاوف جدية من ارتدادات سلبية قد تصيب هذا القطاع في المرحلة المقبلة بعدما تصبح هذه القرارات قيد التنفيذ، باعتبار أن الإدارة الأميركية وسّعت هذه المرة مروحة العقوبات كثيراً وبالتالي ستصيب شظاياها ما يختص بالتحويلات المالية من وإلى لبنان. وهذا يعيق التحويلات وحركتي التبادل التجاري والمالي بين لبنان والخارج.

وفيما ذكّر المصرفي بقرار المصرف المركزي في أواخر تشرين الأول الماضي، وقف القروض المصرفية المدعومة ثم إعادة العمل بها بحجة أن الموازنة كانت قد نفذت، وبأن هناك شكوكا تنامت وقتها من توسّل حزب الله مثل هذه الوسائل للإلتفاف على العقوبات الأميركية، أكد أن لا مصلحة لـ “حزب الله” في تعريض النظام المصرفي اللبناني للخطر لأكثر من سبب، ولكن هذا لا يعني أن ممارساته، خصوصا في الخارج، لا تشكل خطرا على مختلف القطاعات الإقتصادية في لبنان وأبرزها القطاع المصرفي. واعتبر أن هذا يستلزم وقفة مسؤولة لكبح جماح الحزب قبل فوات الأوان وهو ليس ببعيد.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل