أخطاء طبية أم مخاطر علاجية؟

كتبت أوغيت سلامة في مجلّة المسيرة – العدد 1646

 

بين الخطأ الطبي او مضاعفات العمل الطبي، وبين حصانة الطبيب أو محاسبته وفق القانون، ثمة مساحة رمادية تضيع فيها الحقيقة دائمًا لدى تحديد أسباب مآسي كثر من ضحايا العمل الطبي في لبنان! لا أسود ولا أبيض في غالبية القضايا، بل تمييع في التحقيقات وتقاذف للتهم، تضليل في الوقائع وتأجيل في المحاكمات… ما أدى الى إهتزاز الثقة بالمنظومة الطبية من أساسها والهوّة تكبر وتتوسع مع كل خبر عن ضحية جديدة!

أين دور وزارة الصحة ومسؤولية الدولة في حماية حق المواطن بتلقي العلاج لا “المصائب”؟ وحتى متى تبقى نقابة الأطباء موضع اتهام وشبهة بالانحياز للطبيب تحت شعار “أنصر أخاك ظالمًا كان أو مظلومًا”!؟ وهل من يعمل لترميم وتجميل صورة القطاع الطبي في لبنان بعد التشويهات التي لحقت بصورته كمستشفى للشرق في السنوات الأخيرة؟!!

 

من آخر القضايا التي يُشتبه بأنها تقع ضمن الخطأ الطبي خديجة الشهّال ابنة 23 عامًا، وأم لطفلين توفيت في كانون الثاني الحالي. خديجة دخلت المستشفى الحكومي في طرابلس لتعالج من اليرقان وخرجت منه الى مثواها الأخير نتيجة مضاعفات انفجار الزائدة في بطنها من دون أن يكتشف الأطباء ذلك طيلة 10 أيام! عائلة خديجة تقول إنها لن تسكت وستقاضي المسؤولين، تمامًا كما عائلات عاشت المعاناة نفسها… غير أن عدالة الأرض كلها لن تعيد للضحايا نبض لحظة، ومحاسبة المسؤولين عن فقدانهم الحق بالحياة قد يطفىء حرقة قلوب الأهل والأحباء لا أكثر.

ربما نضال الطفلتين صوفي مشلب وإيللا طنوس وغيرهما ممن يتعايشون مع نتائج الأخطاء الطبية او مضاعفاتها ويتابعون حياتهم مع إعاقاتهم على أمل أن ينصفهم القضاء، لدليل ساطع على أن لا يموت حق وخلفه مطالب، وأن مصيبتهم يجب أن تتحول الى رسالة وإلا فما العبرة؟!

كانت صوفي تخضع لعملية جراحية تُدخل الطعام الى جسمها المشلول والصغير بواسطة أنبوب، عندما تلّقى أهلها ومحبوها خبر إدعاء المحامي العام الاستئنافي في بيروت القاضي زاهر حماده على مستشفى القديس جاورجيوس- الروم وأربعة أطباء فيه شاركوا في علاجها بتهمة إرتكاب أخطاء طبيّة تسبّبت بأضرار دماغية دائمة لإبنة الشهر حين أجريت لها عملية إستئصال ورم غير خبيث. ما يعني أن هناك مسؤولاً عن وصول صوفي الى الشلل التام وليس تشوهات خلقيّة كما كان يحاول البعض تصوير حال الصغيرة منذ حزيران 2015 ، تاريخ بداية مشوار علاجها في المستشفى المذكور، وإجراء عملية غير طارئة لها تسببّت في ضرر دماغيّ وكلوي دائمين لها ما عطّل جهازها الحركي وحرمها حواسها طيلة العمر!!

مأساة صوفي وإثبات حقها شهد نزاعًا حادًا حول الأسباب والظروف التي رافقتها لجهة تحديد المسؤوليات. فهل يمكن القول إذًا إن المحاكمات سلكت أخيرًا طريقها لتحقيق العدالة؟

إيللا رفيقة صوفي في الوجع، كانت قبل أيام في المدرسة في فرنسا حيث تتابع دراستها وحياتها بلا أطراف، حين عقد القاضي المنفرد الجزائي في بيروت باسم تقي الدين جلسة لمتابعة قضيتها، بعد أن كان ضمّ الدفوع الشكلية المقدّمة من المدعى عليهم  مستشفى “أوتيل ديو” ومستشفى “سيدة المعونات” إلى الأساس، أي الى حين صدور الحكم. وقرّر  محاكمة طبيب الأطفال عصام المعلوف غيابياً بعد تغيّبه عن جلسات المحاكمة. وأرجئت الجلسة الى 13 آذار المقبل بعد طلب مستشفى المعونات تشكيل لجنة تحقيق طبيّة جديدة لدراسة الملف وإبداء الرأي. وهذا ما أثار تخوّف والد إيللا، حسان طنوس الذي قال لـ”المسيرة”: “يتابعون لعبة التضليل والتمييع لتمرير الوقت وتيئيسنا. حتى اليوم أكثر من 40 طبيبًا من لبنان والعالم شاركوا في وضع أكثر من تقرير لتحديد المسؤولية الطبية. الدعوى لتحصيل حق إيللا مستمرة منذ أيار العام 2015، صدر القرار الظني ليدين 3 مستشفيات، ومنذ سنتين ونصف السنة والدعوى بين محكمة التمييز ومحكمة الاستئناف التي بتّت أخيرًا باستئناف مستشفى سيدة المعونات وغرّمتها 600 ألف ليرة للتعسف باستعمال حق التقاضي”.

حاصباني: دورنا في شكاوى الخطأ الطبي إستشاري

في ظلّ هذا النزاع الذي يخلخل الثقة بالمنظومة الطبيّة في لبنان، تبرز المطالبة بتدخل حاسم من قبل وزارة الصحة لتصحيح المسار والحرص على احترام المعايير الطبيّة العالمية في معالجة أي مريض، وهنا يرد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الصحة غسان حاصباني على سؤال “المسيرة” حول موقف الوزارة من تفاقم ظاهرة الخطأ الطبي ويقول “إن أي تدخل من قبل وزارة الصحة في قضايا الخطأ الطبي هو دور إستشاري مساعد للقضاء، وذلك من خلال تقرير تعده الوزارة بعد دراسة الملف وتحيله بعدها إلى القضاء وهو السلطة المخوّلة إصدار الأحكام واتخاذ القرارات التنفيذية”.

لذا في قضية فرح القصّاب أو الطفلتين صوفي مشلب وإيللا طنوس ودور الوزارة في كل قضايا الخطأ الطبي يقول الوزير حاصباني “نحن موقفنا كان من الأساس الإعتماد على القضاء للبت بأي موضوع نزاعي. وكوزارة وبعد درس ملف الشكوى نحيله الى المدعي العام لاستكمال التحقيقات ومن ثم إحالته إلى القاضي المختص. في قضية الطفلة صوفي إتخذ القاضي زاهر حماده قرار الإدعاء على جهات عدة شخصية ومعنوية منها أطباء ومنها مستشفيات. وما زال الملف في إطار الدعوى القضائية، ولم تثبت التهم ولا حدّدت المسؤوليات على أي أحد. نحن ننتظر تحديد المسؤوليات وصدور الأحكام لنتخذ الإجراءات الضرورية المناسبة بحسب المسؤوليات وحجم القرارات القضائية والجزائية الناتجة عن المحاكمة. لذا لا يمكن لنا أن نتخذ أي خطوة بحق أي من الجهات المتهمة إلا بعد إنتهاء المحاكمة وصدور الأحكام النهائية. لا يجوز أن نخلط بين ما فعلته وزارة الصحة لدى دراستها للملف وتحويله الى المدعي العام وأوصل القضية الى هذه النتيجة التي نعتبرها جيدة جدًا. لكن نحن لا يمكن أن نأخذ مكان القضاء ونصدر أحكامنا. إضافة الى ذلك نتمنى على القضاء أن يسرِّع البت في قضايا الأخطاء الطبية ويصدر أحكامه العادلة فيها، كما هو الأمر اليوم في قضية الطفلة صوفي لنبني نحن على الشيء مقتضاه. الوزارة اتخذت تدابير قاسية جداً لتدارك وقوع أي حوادث تؤدي إلى الوفاة في المستشفيات، وتعمل على تطوير مشروع قانون لتصبح هذه المعايير ضمن هذا القانون، ونعمل على إنجاز خطوات سريعة لتنظيم القطاع الإستشفائي،وتفعيل المؤسسات الرقابية كي تقوم بواجبها بانتظام”.

صايغ: أدعو الإعلام والقضاء الى لقاء مفتوح

تبقى نقابة الأطباء في قفص الإتهام، متهمة بالانحياز للأطباء وحتى بتضليل العدالة أحيانًا وإخفاء أدلة ونتائج تقارير…

نقيب الأطباء الدكتور ريمون صايغ يجيب عن سؤال «المسيرة» حول التهم الجاهزة دائمًا لإدانة الأطباء وتصنيف نتيجة أي عمل طبي يقومون به في خانة الخطأ الطبي ويقول «نعمل اليوم على تطوير القانون الطبيّ، وخصوصًا على تحديد مسؤولية الطبيب والخطأ الطبي. الجدل حول هذا الموضوع مطروح في كل دول العالم لجهة تحديد الخطأ الطبي أو نتيجة العمل الطبي أو عدم الكفاءة أو الإهمال… وكل من هذه العناوين لها تحديدها وتعريفها العلمي. فالنتيجة أو المضاعفات أو ما يعرف بالعامية “الاشتراكات” التي تحصل طبيعيًا في أي عمل طبي من دون أي خطأ تحتاج أيضًا لتعريف واضح، هذا لا يعني الهروب من مسألة التعويض على الضحية في حال أصيب بضرر. الفرنسيون سمّوها المخاطر العلاجية Aléathérapeutique، ففي أي  علاج حديث مثلا تكون نسبة المضاعفات عالية، وأي حادثة قد تضرّ بالمريض وتؤثر على مستقبله وعمله نتيجة إعاقة معينة. نحن في لبنان ما زلنا نعرّف بحادثة من هذا النوع بـ»الخطأ الطبي» بينما في الحقيقة هي من المخاطر العلاجية. حتى شركات التأمين العالمية لا تدفع التعويضات في حالات المضاعفات إنما في حالات الخطأ.

المجتمعات الراقية التي تعتبر همّ المواطن أولوية، أنشأت صندوقًا وطنيًا لدفع التعويضات للمتضررين من نتائج ومضاعفات العمل الطبي. تمامًا كما تدفع الدولة عندنا للمتضررين مثلا من الكوارث الطبيعية.

أما التحقيق في شكاوى المرضى في فرنسا مثلا، فتعيّن له لجان علمية متخصّصة للتحقيق ولا تتولاه نقابة الأطباء التي تهتم بقضايا الأخلاق الطبيّة فقط. مقاربة الموضوع تختلف من بلد الى آخر، أما نحن للأسف فالأمور متضاربة ولا أحد يريد أن يناقش الآخر! لكن نحن كنقابة يهمّنا كثيرا أن نتواصل مع المجتمع والناس والإعلام ونناقش هذا الموضوع حول طاولة مستديرة لأن هذا الملف يضرّ بالنظام الصحيّ في لبنان والثقة بالطبيب اللبناني.

نظامنا الصحي ليس سيئًا كما يروّج البعض وحتى في نسبة الحوادث الطبية، التي يبلّغ عنها على الأقل، ليست عالية. فبين 850 ألف حالة إستشفائية في السنة بحسب تقرير نقيب المستشفيات، نعمل اليوم على حوالي 100 شكوى في نقابة الأطباء وبعضها متابعات لشكاوى عالقة منذ سنوات”.

لكن الوقائع والحوادث الطبيّة المتكرّرة تشير الى وجود حالات تردّ في المنظومة الطبيّة في لبنان، فهل يعي المسؤولون ضرورة وقف تدهور هذا القطاع؟ يجيب صايغ «المنظومة الطبيّة ليست رديئة، بل الرديء هو التعامل مع أي حادث ينتج عن العمل الطبي. لدينا صعوبة مع القضاء ومع الإعلام ومع المحامين ومع الأطباء بما يسمى «مقتضيات المسؤولية الطبيّة»، كلنا في دوامة تشبه الدوامة التي يعيش فيها البلد.

لذا أُعلن وعبر “المسيرة” أننا في صدد التحضير للقاء مع الصحافة والقضاة والمشرّعين وكل المعنيين سيكون في شهر آذار المقبل أو أقصى حد في نيسان، نطرح فيه أمام الجميع كيف نتناول أي شكوى تصل الى النقابة. وسنسعى ليشارك في يوم الأبواب المفتوحة هذا Open doors إختصاصيون في إشكاليات الخطأ الطبي من الخارج لنفيد من خبراتهم المتقدمة ونحد من مفاعيل هذا الجدل. فالطبيب الشاب بات يخاف العمل في لبنان، والأطباء المخضرمون يتهرّبون من أي عمل طبي تترتب عليه مخاطر معينة خوفًا من “وجع الراس”. علينا أن نسعى لحماية الطبيب من الوقوع في الخطأ! ولن نحميه بالتأكيد إذا ثبُت عليه التسبّب بالخطأ!”.

هناك من سيحمي هذا الطبيب إذا كان محظيًا بدعم أهل السلطة كما حصل مع أحد أطباء التجميل، وهناك من سيقاد مخفورا مكبل اليدين الى السجن الاحتياطي كما حصل مع الدكتور عصام المعلوف قبل أن يصدر الحكم بإدانته! فأين دوركم كنقابة؟

يرّد صايغ “أهلا بكم في لبنان!! لهذا لا ننجح في إقناع أولادنا بالعودة الى لبنان. وبرأيي يصدر الإعلام أحكامًا مُبكِرة في كل حادثة، فتسري الإشاعات المحرّضة بشكل كارثي. علينا أن نعيد التوازن ونعطي كل صاحب حق حقّه، ونفكر مليًا بكيفية حماية المرضى والمهنة، ونعيد ثقة المرضى بالنظام الصحي عندنا، وبالتالي نحدد مشاكلنا وكيفية حلّها. باختصار أمامنا ورشة عمل كبيرة”.

وحول نصيحة الحقوقيين بتحرير الطبيب من فكرة أن الخطأ الطبي جريمة، ليبدأ بعد ذلك الحوار يرد صايغ «نتمنى على الإعلام أولًا أن يدرك أن الخطأ الطبي ليس خطأ مسلكيًا ويمكن أن يحصل. المهم بالنسبة لنا كنقابة هو التأثير الايجابي والتعليمي في الموضوع. عندما نناقش في المستشفى سبب أي وفاة والعلاج الذي قدّم للمريض أهم ما في المناقشة هو الدرس الذي نخرج به، كيف نصلح الموضوع وكيف نتجنب الوقوع فيه مرة أخرى. هذه أهدافنا وليس التشهير والاتهام…

في القانون الطبي الجديد الذي نعمل عليه سنُلزم الطبيب بتعويض الخطأ الطبي حتى لا يضيع حق أي مواطن، وهذا سيكبّد الطبيب أعباء مالية كبيرة ربما، لكن لا يمكن أن نعمل بعد الآن من دون نظام تأميني مهني يعوّض على الناس في حال حصول أي خطأ من قبل الطبيب. نصّ القانون سنعرضه بعد أيام على لجنة الصحة النيابية لحماية الناس وحقوقها. مقابل ذلك أنا أرفض أن “يكلبج” طبيب ويوضع في السجن لأن حادثًا ما حصل معه نتيجة عمل طبيّ، وإلا كل الأطباء سيشعرون بتهديد السجن في كل لحظة. “ما بيعود فينا نشتغل ولا نخاطر ونخلّص ناس عندن حالات صعبة لا بل منهرب منهم”.

لا يجوز أن يتم توقيف الطبيب احتياطاً كما المجرمين ومهربي المخدرات… أنا لا أقول ألا يعاقب إذا أخطأ وأن يسجن. أنا لا أطلب حصانة إنما أطلب وقف مسألة التوقيف الاحتياطي المعتمد عادة لردع المتهم بأي جريمة عن تكرار جريمته ريثما يصدر الحكم القضائي بحقه!

باختصار مفيد المنظومة الطبيّة اللبنانية بعيدة كل البعد عن المنظومة الصحية في دول العالم المتطور وعلينا أن نعيد النظر بها وسريعًا!”.

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل