
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1646:
عيديّة اللبنانيين في بداية العام 2018 كانت سريان تطبيق سلسلة الضرائب المرافقة لسلسلة الرتب والرواتب، ومنها رفع الضريبة على القيمة المضافة من 10 في المئة إلى 11 في المئة. وفيما لم ينتهِ أرباب العائلات بعد من حسم مسألة الأقساط المدرسية تجميداً أو زيادة، استفاقوا في مطلع العام على أسعار تتنامى صعوداً عند كل دخول إلى السوبرماركت أو زيارة إلى السوق… “هي الـ TVA يا عزيزي”. ولكن كيف؟ وكل التأكيدات كانت تجزم بأن الزيادة لن تطال المواد الأساسية أو الطبقات الفقيرة. وهناك ضرائب أخرى في مجالات أخرى، وهي ليست قليلة. فكيف سيتدبر الناس أمرهم، خصوصا إذا غابت الرقابة على الأسعار واستغل التجار الأمر طمعا بمزيد من الأرباح؟ ثمّة أجوبة متناقضة على الموضوع، وتفسيرات متباينة حول اتساع مروحة الضرائب الجديدة وارتفاع نسبتها، وانفلات الأسعار وسقوفها… فما هي؟
باستثناء حديث الإنتخابات النيابية وارتفاع حماوتها مع انطلاق محركاتها خصوصا بعد توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، احتل الحديث عن إرتفاع الأسعار في الاسواق اللبنانية، الحيّز الأكبر في يوميات اللبنانيين وهمومهم. فمنذ بداية العام الحالي لاحظ المواطنون ارتفاعا بنسب عالية في أسعار السلع، خصوصا المواد الغذائية والإستهلاكية منها، أي ما يمس المواطنين مباشرة في لقمة عيشهم، ويضيّق الخناق على موازناتهم العائلية المتعثّرة أصلا بسبب التردّي الإقتصادي وندرة فرص العمل والتفّلت المتمادي في الأسواق.
في المبدأ، أعفى القانون رقم 64 الصادر في تشرين الأول 2017 بهدف تمويل سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام، سلعاً عدة من ضريبة القيمة المضافة منها، اللحوم والحبوب والزيوت ومشتقات الحليب، والخضار والفاكهة والطحين والسكر والملح. بينما شملت الضريبة المشروبات الكحولية والسجائر والتبغ، والمواد والمستحضرات التجميلية خصوصا المستوردة من الخارج، إلى جانب فرض ضريبة على تذاكر السفر فئة رجال الأعمال.
هذا في المبدأ. لكن في الواقع، لم تتطابق الأسعار مع اللوائح التي كانت نُشرت عند صدور قانون رفْعِها. وحتى قبل سريان القانون كانت بعض السلع والخدمات قد عرفت تحركاً صعودياً لأسعارها مستغلة غياب الرقابة الفاعلة للأجهزة الحكومية. لتعود وتخضع لزيادة أخرى مع بدء التطبيق منذ بداية العام الحالي. ما جعلها تلتهم مداخيل العائلات ومفاعيل القانون.
ماذا عن حماية المستهلك؟
دأبت وزارة المال، طوال الفترة المرافقة واللاحقة لدرس وإقرار قانون الضرائب الملحق لقانون سلسلة الرتب والرواتب، على التأكيد أن الضرائب والرسوم التي أقرت، لا تمسّ الفقراء الا بنسبة 13 في المئة وأن 87 في المئة منها تطاول الأغنياء والمؤسسات والمصارف. وطمأنت إلى العدالة في القانون ما يوفّر الواردات اللازمة للتمويل ويحد من تأثيره على الفقراء خصوصا على السلع الإستهلاكية.
لكن على الرغم من استثناء أكثر من 90 سلعة أولية من الضريبة، إلا أن الأسعار في بيدر مراكز البيع لم تتطابق مع أرقام حقل القانون. فالتفلّت الحاصل في الأسواق أتاح لبعض التجار رفع الأسعار بحجة أن الضرائب قد زادت، حتى قبل نفاذ القانون وسريان مفاعيله. ومع بدء تطبيقه منذ مطلع العام الحالي عرفت الأسعار موجة جديدة من الزيادات غير المنضبطة، ما أشاع بلبلة في أوساط المستهلكين. وإن كانت اختلفت الآراء حول حجم الزيادات وأسبابها بين جمعية حماية المستهلك ووزارة الاقتصاد والتجارة.
فجمعية حماية المستهلك ردت على هذه الأرقام، وأكد مصدر فيها لـ«المسيرة» أن مؤشر الأسعار الذي تصدره الجمعية يشتمل على 145 سلعة وخدمة ذات الإستهلاك شبه اليومي للعائلات. وأشار إلى أن الاشهر الاولى من الأعوام العشرة الأخيرة سجلت إرتفاعا قارب الـ 4.33 في المئة، ولم تكن السلسلة والضرائب قد أقرت في تلك الفترة. واليوم، بعد إقرار الضرائب والرسوم من البديهي أن نشهد المزيد من الإرتفاعات على الأسعار بالاضافة الى مخاوف من حصول فوضى في الأسواق نتيجة زيادة الضريبة على القيمة المضافة التي تشمل كل المستهلكين، من فقراء وأغنياء ومتوسطي الحال. وشرح كيف أن استثناء بعض السلع والمواد الإستهلاكية من من الزيادة على الضريبة المضافة لا يُعفيها من الزيادة تماماً، إذ إن الضريبة تدخل في كلفة إنتاجها مما ينعكس في النهاية إرتفاعاً في الأسعار. وهذا يعني أن الزيادة تطاول كل الشرائح الاجتماعية بمن فيها الفقراء.
ويشير المصدر المذكور إلى أن مؤشر سلّة الأسعار كان سجّل خلال الفصلين الاولين من العام 2017 إرتفاعا قارب الـ4.1 في المئة، لافتا إلى أن هذه الزيادات لم تسجَّل خلال الأعوام الماضية حيث كانت الارتفاعات على مؤشر الأسعار شبه معدومة. وهذا يعني أن هناك عوامل أخرى أدت إلى ارتفاع الأسعار غير تطبيق الزيادة على ضريبة القيمة المضافة، منها انخفاض القوة الشرائية وتراجع الرقابة وتفشي الفوضى.
وزارة الإقتصاد… توضح
مصادر مسؤولة في وزارة الاقتصاد أفادت من جهتها بأن الوزارة تقوم شهريا بإعداد تقارير حول أسعار السلع الغذائية. وأن هذه التقارير يتم نشرها على الموقع الالكتروني للوزارة. وأشارت إلى أنه بنتيجة البحث تبيّن وجود استقرار نسبي في أسعار السلع الغذائية باستثناء السلع الموسمية مثل الخضروات والفواكه. ولفتت إلى أنه بين العامين 2016 و2017، حصل انخفاض في اسعار السلة الغذائية بنسبة 2 في المئة.
وأكدت أن وزارة الاقتصاد والتجارة تحظّر أن يتجاوز سعر البيع للسلعة في حده الأقصى، ضعف سعر الكلفة. وأن مراقبي الوزارة يعملون دوريا على التأكد من الإلتزام بأسعار السلع أو الخدمات التي تصدر قرارات تسعير في شأنها من إدارات عامة مثل المحروقات والاشتراكات الشهرية للمولدات الكهربائية الخاصة، المنوط أمر تسعيرها بوزارة الطاقة والمياه، وكذلك بطاقات تعبئة الخطوط الخليوية المسبقة الدفع والخطوط الخليوية المسؤولة عنها وزارة الاتصالات، والخبز والفروج لدى وزارة الإقتصاد والتجارة. وغيرها من السلع والخدمات، مما يخرج عن صلاحية الوزارة التي تقوم فرقها بإجراء عمليات الرقابة في الأسواق للتأكد من التزام النصوص القانونية النافذة. وهي تنظّم محاضر ضبط بالمخالفين عملاً بأحكام قانون حماية المستهلك.
وفيما يلفت إلى أن المديرية العامة لوزارة الإقتصاد والتجارة ترسل مراقبيها دورياً إلى المؤسّسات التجاريّة للإطلاع على الأوضاع في الأسواق، وللتأكّد من الأسعار ومراقبة أي تلاعب فيها بعد إقرار القوانين الضريبيّة، يشدد المصدر على أن الوزارة ليست متقاعسة أو غائبة عن تأدية المهام المطلوبة منها حماية لمصالح المواطنين. لكن في المقابل هناك إمكانات ضئلية جداً تتحرك من خلالها الوزارة وسط واقع يعرفه الجميع ويعرفون صعوبته. وهي تسهيلا لعملها ولأمور المواطنين دعتهم إلى الإبلاغ عن المخالفات عبر الاتصال على الرقم 1739 أو عبر تحميل التطبيق Consumer Protection Lebanon أو تقديم الشكوى شخصياً في الوزارة. وأكدت أن الوزارة لن تتهاون مع أية محاولات لرفع الأسعار، خصوصا تلك العشوائية منها. وفي رأي مخالف لرأي جمعية حماية المستهلك وبعض الخبراء حول أن القيمة الفعلية للضريبة هي أكثر من المعلن عنه، لفتت إلى أن الضريبة على القيمة المضافة غير تراكمية، وبالتالي لن تؤثر بصورة كبيرة على ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية.
الضريبة: ما لها وما عليها
حددت المادتان 16 و17 من قانون رفع الضرائب والرسوم، السلع والخدمات المعفية من زيادة الضريبة على القيمة المضافة بنسبة 1 في المئة. وتشمل الخدمات الطبية والتعليم والتأمين وبعض الخدمات المصرفية والجمعيات التي لا تبغي الربح والنقل المشترك والمراهنات وتأجير العقارات السكنية وأعمال المزارعين والمواشي والدواجن والاسماك واللحوم والمواد الزراعية والغذائية غير المصنّعة، إضافة إلى الخبز والطحين والالبان والاجبان والحليب والبرغل والسكر والملح والمعكرونة والارز والكتب والمجلات والصحف والطوابع البريدية والمالية، وعددا من المواد الأخرى.
ولكن على الرغم من أن هذه المواد والسلع والخدمات معفاة من الضريبة على القيمة المضافة، إلاّ أن أسعارها ارتفعت. ومن الخبراء من جزم لـ»المسيرة» بأن العديد من السلع المعفاة من الزيادة، ارتفعت أسعارها بنسب راوحت في بعض الأحيان أو المحال بين 10 في المئة و15 في المئة، مما يحد من إقبال المستهلكين، وبالتالي ينعكس سلباً على الايرادات من رفع الضريبة على القيمة المضافة والمتوقعة بنحو 320 مليار ليرة.
وكانت إيرادات الحكومة من TVA حين كانت بنسبة 10 في المئة، بلغت نحو 3200 مليار ليرة لبنانية أي 30 في المئة من الإيرادات الضريبية مجتمعة. ومع أن الحكومة وصفت الزيادات الضريبية بالعادلة نظرا لإعفاء أكثر من 60 سلعة من المواد الأساسية منها، إلا أنّه في الواقع يرى الخبراء أنها تطال 70 في المئة من نسبة إنفاق الأسرة. فمثلا مع أنّ الخبز معفى من ضريبة القيمة المضافة، إلا أنّ كلفته ستزيد تلقائياً مع ارتفاع أسعار النفط، ولو أبقت الوزارة على السعر الحالي لأسباب مختلفة. ويشدد الخبراء على ضرورة تبديل زيادة ضريبة القيمة المضافة بضرائب أخرى، كالضريبة التصاعدية على الأرباح وغيرها التي تخفف من الأعباء على المواطنين.
ويُجمع الخبراء على أن فوضى الأسعار في حال لم تتم معالجتها من وزارة الاقتصاد، فإن الأسعار مرشحة للصعود، ويحذرون من ارتفاع تضخم أسعار المستهلك، والركود في الأسواق المحلية نتيجة الغلاء وضعف في الاقتصاد. فالسوق اللبناني يشهد منذ النصف الثاني من العام 2017، تراجعاً في القوة الشرائية، مما يعني أن رفع الضريبة يشكّل ضغطاً إضافياً على السوق الموهن أصلا. فقد ذكرت دراسة صدرت العام الماضي عن البنك الدولي أن نسبة الفقر في لبنان تبلغ 30 في المئة. وأن 15 في المئة من حجم القوى العاملة البالغة 1.3 مليون شخص، يعاني البطالة. وبالتالي، فارتفاع الأسعار اليوم يعني مزيداً من الفقر والبطالة واختلالاً في التركيبة الاجتماعية.
أصحاب السوبرماركت من ناحيتهم، يرفضون اتهامهم بالجشع والسرقة، وينددون بالحملات المقامة في وجههم والتي تحملهم التسبب بغلاء الأسعار. ويلفتون لـ “المسيرة” إلى “أن ليس من الصعب على أي متابع أو مواطن معرفة أن سبب الغلاء ليس التجار بل الضرائب والأعباء المزدادة على عاتقنا”. ويشير هؤلاء إلى “أن الأسعار زادت في متاجرنا صحيح، ولكن الأرباح لم ترتفع لنتهم بالطمع. أما سبب الزيادة المرتفع في نظر الناس فهو أولا ارتفاع الأسعار علينا قبل وصول السلعة إلى المستهلك، وثانيا ارتفاع الـ TVA، وثالثا يغيب عن بال البعض أن أصحاب السوبرماركت والتجار هم أيضا مستهلكون في مكان آخر والأدوات والمواد الأولية التي يستخدمونها أيضا ارتفعت أسعارها، وكل هذا يدخل في احتساب السعر الأخير” وهكذا تكون المسألة قد دارت دورتها على المعنيين كافة من دون تحديد المسؤوليات ليبقى المواطن كما دائما هو الضحية في غياب المرجع الرقابي الحاضر والفاعل. ويبقى السؤال العامي الشائع: وينيي الدولة؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]