.jpg)
كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1647:
عندما ذهب رئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل إلى ذلك اللقاء الإنتخابي في بلدة محمرش الهادئة لم يكن في وارد فتح المعركة مع رئيس مجلس النواب وحركة «أمل» نبيه بري. فالمعركة بين التيار والحركة مفتوحة من زمان. ولذلك فإن ما قاله كانت له مقدمات عبّرت عنها لاحقاً مقدمات نشرات الأخبار على شاشتي الطرفين في محطتي ال«أو تي في» وال«أن بي أن». والمسألة لا تتعلق بباسيل حصرًا لأنها كانت في الأساس مع الرئيس ميشال عون قبل أن يصبح رئيسًا واستمرت معه بعدما صار. وهي ليست مرشحة إلا إلى تصعيد جديد في موعد مع جولة جديدة في ظل سؤال كبير عن موقف طرفين أساسين: «حزب الله» والجيش اللبناني.
التواريخ التي استحضرت في الجولة الميدانية التي هبّت في 29 كانون الثاني الماضي ونزلت إلى الشارع استحضرت فيها تواريخ كثيرة. حركة «أمل» ذهبت إلى تاريخ 6 شباط 1984 بينما كان تاريخ 6 شباط 2006 أقرب إلى التذكر عند «التيار الوطني الحر».
في رمزية التاريخ الأول أنه كان انتفاضة «شيعية» أساسًا ضد السلطة اللبنانية ورئاسة الجمهورية التي كانت ممثلة بالرئيس أمين الجميل. ولكنها أيضًا كانت إشارة الخروج الشيعي المسلح من الضاحية الجنوبية إلى بيروت الغربية بعد الإنقضاض المتكرر على تنظيم المرابطون قبل الإنتقال إلى الإنخراط في الحرب مع المخيمات الفلسطينية. ذاك التاريخ 6 شباط 1984 الذي تتفاخر به حركة «أمل» مهّد للتطورات العسكرية اللاحقة التي أدت إلى تراجع الرئيس أمين الجميل واتخاذ قرار الإنفتاح على دمشق وزيارة رئيس النظام السوري حافظ الأسد والتضحية بقائد الجيش العماد ابراهيم طنوس وتعيين العماد ميشال عون محله وتشكيل حكومة الرئيس رشيد كرامي وإبعاد الرئيس كامل الأسعد عن رئاسة مجلس النواب عقابًا له على تأمينه انتخاب الشيخ بشير الجميل رئيسًا للجمهورية. اعتبارًا من تلك المرحلة أيضًا دخل نبيه بري ووليد حنبلاط إلى الحكومة والحكم. وإذا كانت قيادة الجيش قد أوصلت العماد عون إلى قصر بعبدا رئيسًا للحكومة الإنتقالية في 23 أيلول 1988، فإن ما حصل بعدها في 13 تشرين أوصل بري إلى رئاسة مجلس النواب بعد الطائف وبعد انتخابات 1992.
في 6 شباط 2006 ذهب العماد ميشال عون بعد عشرة أشهر فقط على عودته من باريس إلى وثيقة التفاهم مع «حزب الله» والسيد حسن نصرالله في كنيسة مار مخايل. صحيح أن الحزب كان متحالفاً مع حركة «أمل» ولكن الحركة لم تكن طرفاً أبدًا في التفاهم مع «التيار الوطني الحر» ولا مع العماد ميشال عون، وعلى عكس ذلك فقد بقيا على طرفي نقيض يلتقيان قليلاً ويفترقان كثيرًا.
لم تكن معركة رئاسة الجمهورية آخر المعارك التي تواجه فيها الرئيسان بري وعون. على رغم معارضته انتخابه والتصويت له ترأس بري جلسة انتخابه في 31 تشرين الأول 2016. ولكن «حزب الله» الذي أيّد عون رئيسًا وصوّت له لم ينجح في إصلاح ما أفسده التاريخ بين حليفيه، وإن كان أكثر حرصًا على التحالف «المقدس» مع الحركة بسبب الحرب التي خاضها في سوريا.
في محمرش لم يحسب الوزير جبران باسيل أن انتقاد الرئيس بري سيهدد الأمن والإستقرار. ليست الإهانة أو الإساءة التي وجهها إليه بسيطة. خروج الكلام من الجدران المقفلة التي لها آذان كثيرة أخرج الاعتراض إلى الشارع. وإذا كان باسيل قد أبدى أسفه لوصفه الرئيس بري بـ»البلطجي» وقوله «سنكسر له رأسه بدل أن يكسر رأسنا»، فإن هذا الأسف لم يكن كافيًا ذلك أن حركة «أمل» طلبت اعتذارًا واضحًا وصريحًا رفضه باسيل.
مساء الإثنين 29 كانون الثاني نزلت الأزمة إلى الشارع. أنصار حركة «أمل» والرئيس بري قطعوا الطرقات وأحرقوا الدواليب وصورًا لرئيس الجمهورية، وتحولت إساءة باسيل إلى حملة إساءات متبادلة وعمليات تجريح طاولت رئيس الجمهورية وعائلته وأوصلت أنصار بري إلى محيط مركزية «التيار الوطني الحر» في مبنى ميرنا الشالوحي في منطقة سن الفيل بعدما كان «حزب الله» أصدر بياناً أيّد فيه الرئيس بري وأدان باسيل والكلام الذي صدر عنه.
إزاء هذا المشهد الذي شكل تهديدًا للسلم الأهلي كان لا بد من الإستعانة بالجيش ليفصل بين الطرفين. على الأرض كان من الممكن أن يحصل ما لم يكن بالحسبان لو أن متظاهرين من حركة «أمل» اعتدوا على المقر أو على الموجودين فيه ولو أن الموجودين هناك أطلقوا النار مثلاً على «المهاجمين» ووقعت إصابات. الخطورة كانت أيضًا في احتمال حصول مواجهة بين الجيش اللبناني والمحتجين الفوضويين. عندها لن يقال مثلا إن الجيش تصدى لمجموعات تابعة لحركة «أمل» بل ربما كانت انطلقت شعارات تقول إن الجيش تصدى للشيعة. فمن يتحمل مثل هذه المسؤولية وماذا يمكن أن يفعل «حزب الله» إذا حصل ذلك؟ وهل يمكن اعتبار أن الخلاف حول مرسوم الأقدميات بين الرئيسين بري وعون يتناول مسألة دور الجيش اللبناني تحديدًا في ظل رئاسة العماد ميشال عون للجمهورية؟
وإذا كان بات من الصعب جدًا البحث عن حل لمرسوم الأقدميات والترقيات، فإن الأزمة انتقلت إلى الإساءة والإعتذار والتهديد بالنزول إلى الشارع مرة ثانية. لم يظهر أن الوزير باسيل سيعتذر. لا بل كما بات شائعًا فإنه لن يفعل وإن التيار يعتبر أن الإتصالات حول هذا الموضوع باتت مقطوعة حتى مع «حزب الله» الذي لم يعد وسيطاً بعد تأييده للرئيس بري. وأكثر من ذلك اختار باسيل أن يزور مقر التيار بعد التظاهرة التي وصلت إليه وأن يعقد اجتماع الهيئة المركزية للتيار فيه وأن يتولى النائب ابراهيم كنعان تلاوة البيان بدلاً منه حتى لا يضطر إلى الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالإساءة أو بالإعتذار. وأكثر من ذلك اختار أن ينقل المواجهة إلى أبيدجان عندما أصر على عقد مؤتمر الطاقة على رغم دعوة حركة «أمل» إلى مقاطعته ودعوات أطراف أخرى إلى تأجيله.
أكثر من ذلك. لم تأخذ «أمل» بما ورد في البيان الذي صدر عن رئيس الجمهورية واعتبر فيه أن ما حصل كان خطأ بُني على خطأ لأن الحركة اعتبرت أنه لا يجوز المساواة بين الخطئين. ولذلك فإن معركة تكسير الرؤوس ستستمر. وبعدما هدد باسيل بتكسير رأس بري تهدد الحركة بتكسير رأس باسيل من دون أن يتم استثناء رئيس الجمهورية أو تحييده، لأن الحركة تحمّله مسؤولية مواقف باسيل. ولذلك تبدو المعركة معركة تكسير بين رئاستين لا بد أن تنعكس على مسيرة العهد والحكم، ومن هنا يتم تشبيه تظاهرات «أمل» المتلاحقة بأنها تشبه ما حصل في 6 شباط 1984 بينما هناك تغييب لما حصل في 6 شباط 2006. وإذا كان البعض يذكر بأن غزوة 5 شباط 2006 سبقت تفاهم مار مخايل، فإن اللافت كان في أن «التيار الوطني الحر» شبّه ما حصل في 29 كانون الثاني بأنه أيضًا غزوة جديدة.
من سيربح في حرب الرئاستين؟ لا شك في أن لا مجال للربح. لا الرئيس بري يقدر أن يبعد الرئيس عون عن قصر بعبدا ولا الرئيس عون أو الوزير جبران باسيل يستطيع أن يبعد الرئيس بري من عين التينة. ففي ظل الخلاف حول صلاحيات الطائف يختار الثنائي الشيعي من سيكون رئيسًا للمجلس ولا إمكانية لأن يحل أي كان في هذه المرحلة محل الرئيس بري و«حزب الله» هو الذي يفرض هذه المعادلة. ولذلك يبقى أن من الأفضل للجميع أن تخرج الأزمة من الشارع. فما حصل على الأرض لا يمكن القبول به لأنه يشكل خطر اندلاع شرارة مواجهات لا يمكن معرفة حدودها. ومن الأفضل أيضًا العودة إلى الإحتكام إلى المؤسسات بدل التهديد بتعطيل المؤسسات. فهل من مصلحة «أمل» أن يخرج الوزراء الشيعة مثلاً من الحكومة أو أن يتم تعطيل مجلس النواب؟ وهل من مصلحة العهد أن يتم شلّ المؤسسات وأن تتهدد الإنتخابات؟ وربما من الحكمة الإعتبار بمعادلة عند تغيير الدول إحفظ رأسك بدل حرب تكسير الرؤوس والرئاسات…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]