.jpg)
.jpg)
خاص “المسيرة” العدد -1647:
هل تسرّع عملية “عفرين” رسم خارطة المنطقة؟!
واشنطن بين مطرقة الحليف الكردي وسندان الأتراك
تشكل التطورات في مدينة عفرين رسماً جديداً لحدود الصراع على سوريا وفي سوريا، وسط تقاطع للنفوذ والأدوار بين جميع اللاعبين الدوليين والإقليميين. إلا أن الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية متمسكة بلعب دور متقدم في الصراع السوري، وفق تبرير واقعي وعملاني تتلافى بموجبه الأخطاء والتراكمات التي حدثت إثر قرار إدارة الرئيس السابق باراك أوباما الانسحاب من العراق مع ما استتبعه هذا القرار من انعكاسات سلبية بالدرجة الأولى على مهمة الولايات المتحدة في هذا البلد وعلى العراق بالذات، عبر تراجع الدور الأميركي، وتقدّم النفوذ الإيراني بشكل واضح، وإعادة إطلاق التنظيمات السنية المتطرفة وفي مقدمها تنظيم الدولة الإسلامية.
أسباب بقاء الوجود الأميركي في سوريا
على هذا الأساس أعلنت الولايات المتحدة على لسان وزير خارجيتها ريكس تيلرسون خطتها الواضحة في سوريا، حيث توضح هذه الخطة صراحة دوافع الوجود العسكري في سوريا الذي يركز على ضمان عدم ظهور تنظيم «داعش» مرة أخرى، على أن يكون هذا الانتشار العسكري في سوريا قائماً على شروط تضمن عدم تعرض القوات الأميركية لأي عمليات عدائية، إضافة إلى مراعاة كل اللاعبين على الأرض. وتشير الخطة إلى أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن ترتكب الأخطاء ذاتها التي ارتكبت في العام 2011 عندما سمح الرحيل السابق لأوانه من العراق لتنظيم «القاعدة» في العراق بالاستمرار والتحول في النهاية إلى «داعش»، حيث أن هذا الفراغ سمح له ولغيره من التنظيمات الإرهابية بإفساد البلاد ومنحه ملاذاً آمناً لتخطيط الهجمات ضد الأميركيين وحلفائهم، وهنا كانت لهجة وزير الخارجية الأميركي حازمة وحاسمة في آن حيث أكد أن واشنطن لا يمكن أن تسمح أن يعيد التاريخ نفسه في سوريا، حيث بات تنظيم «داعش» في الوقت الراهن قريباً جداً من النهاية، وسينتهي بالكامل عما قريب من خلال الحفاظ على الوجود العسكري الأميركي في سوريا حتى يتم تحقيق هزيمة كاملة وشاملة لـ«داعش.»
وانطلاقاً من ذلك تتابع الولايات المتحدة التدخل في سوريا لأسباب عدة ولا سيما في الأماكن غير الخاضعة لأي حكم، وبخاصة في مناطق النزاع، التي هي أراضٍ خصبة لتنظيم «داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى.
وستبقى الولايات المتحدة في سوريا لإحباط تنظيم «القاعدة»، الذي لا يزال يتمتع بوجود كبير وقاعدة عمليات في شمال غرب سوريا. وكما هو الحال في الأعوام التي سبقت اعتداءات الحادي عشر من أيلول حيث يسعى تنظيم «القاعدة» إلى إنشاء ملاذ للتخطيط لشن هجمات على الغرب وتنفيذها، ووفق الرؤية الأميركية فأنه على الرغم من أنّ تنظيم «داعش» هو الجماعة الإرهابية التي سيطرت على العناوين الرئيسية في الأعوام القليلة الماضية، فإن تنظيم «القاعدة» لا يزال يشكل تهديداً خطيراً، ويتطلع إلى إعادة تشكيل نفسه بطرق جديدة وقوية.
إضافة إلى القلق الأميركي من الانسحاب من سوريا لجهة إعادة ظهور التنظيمات المتطرفة، فإن الولايات المتحدة تعتبر أيضاً أن الانسحاب الكامل للأفراد الأميركيين في هذا الوقت سيعطي لرئيس النظام السوري بشار الأسد زخمه وهو سيغتنم هذا الانسحاب من أجل مواصلة معاملته الوحشية ضد شعبه، وهنا يؤكد وزير الخارجية الأميركي وفق الخطة الجديدة لسوريا أنه لا يمكن لقاتل شعبه أن يولد الثقة اللازمة لتحقيق الاستقرار طويل الأجل، ولذلك فإن سوريا المستقرة والموحدة والمستقلة تحتاج في نهاية المطاف إلى قيادة ما بعد الأسد لكي تكون ناجحة. ومن شأن استمرار الوجود الأميركي لضمان هزيمة «داعش» الدائمة أن يساعد أيضاً في تمهيد الطريق للسلطات المدنية المحلية الشرعية لممارسة الحكم الرشيد للمناطق المحررة. وسيهيئ رحيل الأسد من خلال عملية جنيف بقيادة الأمم المتحدة الظروف لإحلال سلام دائم داخل سوريا والأمن على طول الحدود لجيران سوريا.
مواجهة التهديد الإيراني
أما بالنسبة لدور إيران في سوريا تعتقد الولايات المتحدة جازمة أن الانسحاب الأميركي من سوريا سيعطي النظام في طهران فرصة إضافية لتعزيز موقفه في سوريا أكثر. من هنا ووفق الخطة الأميركية فإن إيران تسعى بكل وضوح من خلال حروبها بالوكالة وتصريحاتها العلنية، إلى الهيمنة على الشرق الأوسط، وباعتبار سوريا دولة مزعزعة للاستقرار لديها حدود مع إسرائيل، فهي تمثّل فرصة وإيران حريصة جداً على استغلالها لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد دولها.
وكجزء من استراتيجية إيران الرامية إلى إنشاء قوس شمالي يمتد من إيران إلى لبنان والبحر المتوسط، عززت إيران بشكل كبير وجودها في سوريا من خلال نشر قوات الحرس الثوري الإيراني ودعم «حزب الله» اللبناني واستيراد قوات وكيلة من العراق وأفغانستان وباكستان وأماكن أخرى. وتعتبر واشنطن أنه «من خلال موقعها في سوريا، باتت إيران في وضع يمكّنها من مواصلة مهاجمة المصالح الأميركية وحلفائنا وموظفينا في المنطقة. وهي تنفق مليارات الدولارات سنوياً لدعم الأسد والحروب بالوكالة على حساب دعم شعبها».
وتبعا لذلك ترغب الولايات المتحدة من خلال جهودها على خط معالجة النزاع في سوريا، في تحقيق الأهداف التالية:
أولاً، هزيمة «داعش» و«القاعدة» في سوريا بصورة دائمة، وكذلك عدم استخدام سوريا مرة أخرى كمنبر أو ملاذ آمن للإرهابيين للتنظيم والتجنيد والتمويل والتدريب وتنفيذ هجمات على المواطنين الأميركيين في الداخل أو في الخارج أو ضد حلفائها.
ثانياً، حل الصراع القائم بين الشعب السوري ونظام الأسد من خلال عملية سياسية تقودها الأمم المتحدة، بحسب ما هو منصوص عليه في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وأن تعمل سوريا المستقرة والمستقلة والموحدة تحت قيادة ما بعد الأسد كدولة.
ثالثاً، تضاؤل النفوذ الإيراني في سوريا وحرمان إيران من حلمها بإقامة قوس شمالي وتمتع جيران سوريا بالأمان من كل التهديدات المنبثقة عن سوريا.
رابعاً، نشوء الظروف التي تمكّن اللاجئين والمشردين داخلياً من العودة إلى سوريا بشكل آمن وطوعي.
خامساً، خلو سوريا من أسلحة الدمار الشامل.
ولن تقدم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميون أي مساعدات إعادة إعمار دولية لأي منطقة خاضعة لسيطرة نظام الأسد. وهي تطلب من مختلف أصحاب المصلحة في مستقبل سوريا أن يحذوا حذوها. ولن تشجع العلاقات الاقتصادية بين نظام الأسد وأي بلد آخر. وبدلاً من ذلك، ستشجع الولايات المتحدة المساعدة الدولية لإعادة بناء المناطق التي حررها التحالف الدولي وشركاؤه المحليون من قبضة «داعش». وبمجرد أن يتنحى الأسد عن السلطة، ستشجع الولايات المتحدة تطبيع العلاقات الاقتصادية بين سوريا والدول الأخرى. وتدعو الولايات المتحدة جميع الدول إلى ممارسة الانضباط في الضغط على الأسد اقتصادياً وإعادة بناء سوريا بعد تحقيق الانتقال السياسي.
ويؤكد وزير الخارجية الأميركي أن تقليص النفوذ الإيراني الخبيث وطرده من سوريا يعتمد بشكل أساسي على أن تكون سوريا ديمقراطية. كانت سوريا في ظل حكم بشار الأسد ولسنوات عديدة دولة عميلة لإيران. ستتمتع الحكومة المركزية السورية التي لا تخضع لسيطرة الأسد بشرعية جديدة لتأكيد سلطتها على البلاد. وستخفض إعادة تأكيد السيادة الوطنية من قبل حكومة جديدة، إلى جانب جهود تخفيف حدة التصعيد وتدفقات جديدة من المساعدات الدولية، من حدة العنف وتهيئ ظروفاً أفضل للاستقرار وتسرّع في رحيل المقاتلين الأجانب.
العلاقة بين واشنطن والأكراد وعملية عفرين
ساعدت الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب منذ عام 2015 وسلّحت بشكل مباشر قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها هذه «الوحدات» منذ أيار 2017. وفي المقابل، وكانت قوات سوريا الديمقراطية أبرز شريك لواشنطن في المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا، حيث استولت على «عاصمة» الجماعة الإرهابية في الرقة بعد معركة دامت أربعة أشهر وانتهت في تشرين الأول الماضي. ومنذ ذلك الحين، أشار مسؤولو وزارة الدفاع إلى أن الولايات المتحدة ستواصل انخراطها العسكري في سوريا.
وفي حين تعترف الولايات المتحدة وتقدّر التضحيات الكبيرة التي قدمتها قوات سوريا الديمقراطية للقضاء على «داعش»، ولكن بحسب الخطة الجديدة لسوريا التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي، تعتبر واشنطن أن انتصارات قوات سوريا الديمقراطية في ساحة المعركة لا توجد حلاً لتحدي الحكم المحلي والتمثيل لشعب شرق وشمال سوريا. وأنه بالتالي يجب أن تظهر الترتيبات السياسية المحلية الموقتة التي تعطي صوتاً لجميع المجموعات والأعراق الداعمة لعملية التحول السياسي الأوسع في سوريا بدعم دولي. وينبغي أن تكون أي ترتيبات موقتة تمثيلية بحق وألا تهدد أياً من الدول المجاورة لسوريا. ومن هذا المنطلق لاحظ مراقبون في واشنطن أن الولايات المتحدة أبدت قلقها الفوري من العملية التركية في عفرين، ولكنها أبقت هذا القلق ضمن حدود توازنات معينة فهي:
أولأ: أخذت مخاوف تركيا الحليفة في حلف شمال الأطلسي على محمل الجد، من منطلق ردّ الجميل لتركيا على المساهمات الإنسانية والتضحيات العسكرية التي قدمتها لهزيمة «داعش»، ودعم الملايين من اللاجئين السوريين، وتحقيق الاستقرار في المناطق السورية التي ساعدت على تحريرها.
ثانياً: لا تريد في الجهة المقابلة التخلي بشكل كلي عن الحليف الكردي، لأنه بحسب العديد من الخبراء في واشنطن، فإذا أوقفت واشنطن بالفعل تسليح قوات سوريا الديمقراطية، أو حتى التعاون معها وفعلت ذلك بطريقة متسرعة فقد تواجه اتهامات بالتخلي عن حلفائها الأكراد مرة أخرى، لا سيما بعد بقائها على الحياد خلال تخليها عن الأكراد العراقيين في الاستفتاء الأخير كما أن التعامل مع مسألة «قوات سوريا الديمقراطية» بشكل خاطئ قد يسمح لإيران بتحقيق مكاسب كبيرة من التقاعس الدولي في مجال آخر. ولذلك فإن محللين يعتقدون أن مجريات معركة عفرين والنتائج التي ستترتب عنها قد تدفع بالأكراد إلى خيارات تصعيدية من خلال إثارة النزعة القومية لديهم وتدفع جميع الأكراد المنتشرين في تركيا، والعراق وإيران إلى مزيد من المطالبة بالحكم الذاتي من منطلق الحفاظ على هويتهم وسط معالم رسم حدود الصراع في المنطقة. وعلى هذا الأساس ينصح هؤلاء الخبراء الإدارة الأميركية بعدم تجاهل ما يجري في عفرين على طريقة ما جرى من تجاوز نتائج استفتاء الأكراد في إقليم كردستان، لأنه إذا كان موقف واشنطن ينطلق من واقع أن تقسيم خريطة المنطقة وفق الاتنيات والعرقيات القائمة لم يحن أوانه بعد على الرغم من أنه بدأت ترتسم معالمه على أرض الواقع، فإنها في المقابل لا يمكن أن تتجاهل انعكاسات ما يجري على الأرض على نفوذها وخطتها الجديدة في سوريا، فلا يمكن لها تحت شعار مراعاة مخاوف الحليف التركي أن تسمح له بتجاوز خطوط الصراع الحمراء، الأمر الذي يسمح لموسكو بتسجيل المزيد من النقاط على «العدو» الأميركي في الأرض السورية، حيث كان لافتاً أن روسيا، أيدت تحرك أنقرة ضد عفرين ولم تكتف بفتح مجالها الجوي للقوات التركية بل هي نقضت اتفاقاً مع الأميركيين يقضي ببقاء القوات الأميركية في منطقة منبج مقابل انتشار روسي في محيط عفرين، ولكن القوات الروسية تلقت أوامر بالانسحاب من المنطقة قبل بدء العملية التركية وهكذا بدا واضحاً أن روسيا تحاول استغلال المعركة من خلال دعم تركيا وإبعادها عن حلفائها في حلف الناتو، لتعميق الفجوة بين أنقرة وواشنطن، العضوين في حلف شمال الأطلسي. وهكذا يبدو للمراقبين أن صراع أنقرة وأكراد سوريا ليس مجرد صراع محلي، وقد يؤدي إلى نقمة كردية بشكل أوسع وأعنف هذه المرة تعيد رسم خارطة الدول التي يعيش فيها المكون الكردي.