.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة العدد – 1647:
جوزف صادر مين بلعك؟!… يسألون زوجته: شو عرفتوا عنو؟!
طلبت السيدة سلمى صادر أن أفلفش الأرشيف، ففعلت، مذذاك النهار، الخميس 12 شباط 2009 حتى شباط 2018، لم يتغيّر فحوى الخبر، هو نفسه إنما بأسلوب مختلف بحسب قلم الصحافي الذي تداوله، اختطاف جوزف صادر على طريق المطار، الدولة لا تعرف عنه شيئا، عائلته تسكن في الانتظار، ملفه فارغ… ملفه فارغ، والأرض انشقّت وابتلعت الرجل، وعندما تتوجه العائلة بالسؤال لمسؤولي الدولة، «الكبار» منهم بالطبع، يبادرونها بالسؤال «شو عندك جديد عن جوزف، شو عرفتوا عنو؟»!!!!
صاروا تسعة أعوام، تسع سنين ضوئية، ألف عام، تسعة آلاف عام، فالانتظار يجعل اليوم عمرا والعمر مليون سنة، وفي كل عام يتجدد السؤال إياه والكلمات إياها ويُكتب الخبر إياه، ويتوجّه الإعلام الى المكان نفسه، طريق المطار حيث اختطف، المطار حيث كان مكتبه، بيته في قريته مغدوشة، بيت جوزف صادر، تُساءل العيلة والأصحاب وكاهن الرعية وأهالي مغدوشة، يُساءل المسؤولون هون وهون وهونيك، ويدور السؤال حول نفسه كمن يلاحق طيفه ليعود الى المنبع والمصبّ إياه، المجهول. هذه هي الكلمة، المجهول، الغامض، المستتر الذي تعمّدته دولة الأمن الممسوك، والمسؤولون المسؤولون عن ذاك الغياب، أو لنقل الاستغياب المخطط له، المريب، المجهول الأهداف، وإن كانت الناس صارت تعلم في سرّها وعلنها الكثير الكثير، لكن ينقص الإثبات الحسي، وهذا الإثبات لن يكتمل إلا بحضور صاحب العلاقة جوزف صادر، وينك؟ كيف أصبحت وأنت بلغت الخامسة والستين من العمر؟ ماذا فعلوا بك؟ ماذا كنت تفعل حين اعتدوا على حريتك بهذه الوقاحة والإجرام، واقتادوك الى مجهولهم المظلم؟ ماذا اكتشفت عنهم ليدخلوك في غياهب العتمة والنسيان والكتمان المخيف؟!
«ما في شي جديد، افتحي الأرشيف بتلاقي الخبر ذاتو من تسع سنين، ما بعرف شو بدي قول، بالبيت نحنا متكلين بس ع العدرا وما إلي نفس بقا إحكي مع حدن» تصرخ زوجته من حرقة انتظار وخيبة أمل عظيمة عظيمة، من تعاطي المسؤولين معها بهذا الملف، الملف؟ لا ملفات ولا أوراق ولا أي شيء من هذا تحمله جوارير الدولة حين تسأل عن مصير جوزف، لا شيء عندهم على الإطلاق سوى الفراغ المميت، وقد يكون حتى اسمه شطب من ملفات الأحياء في دولة أكثر من نصف مسؤوليها أحياء أموات.
هذه مغدوشة، موطن قلب جوزف صادر، لأجلها تخلى عن البقاء مواطنا حرا كريما في الولايات المتحدة بداية التي بقي فيها لعامين، كما رفض العيش في أوستراليا مواطنا معززا مكرّما، ولو عاد الى هناك لبقي على قيد الكرامة يعيش هانئا مع عائلته، لكن كيف كان له ان يعلم ما كان في انتظاره حين قرر العودة الى بلاده وخسر جواز سفره الأوسترالي بسبب رفضه العودة والإقامة فيها وانتقل من منطقة كسروان حيث كان له منزل وباع كل شيء وعاد الى موطن قلبه مغدوشة، هناك قرب تلك العذراء الصافية المتواضعة حارسة الزمان والمكان والتي ما تبقّى للعائلة غيرها من أمل تحمله لمواجهة ذاك الانتظار المميت لرجل البيت.
لم تتعب مغدوشة حتى الساعة من التحدث عن ابنها، رئيس الجمعية التعاونية لزهر الليمون، والموظف «السابق» في شركة «طيران الشرق الأوسط»، أيمكن ان نقول السابق؟! بالتأكيد، لأن المكان خلا من الرجل، من أشيائه، من ذكائه وتفانيه في عمله الذي يبدو أنه دفع ثمنه غاليا وغاليا جدا، ليس من قبل الشركة التي عمل بها بإخلاص، إنما من قِبل مسلحين مهيمنين على مساحات الأمن في المنطقة، ما أعجبهم ربما سلوك الرجل الموغل في الشفافية، فقرروا إبعاده بأي طريقة، فراقبوه ونصبوا له كمينا وأثناء توجهه في السرفيس من صيدا الى مركز عمله في المطار، وقبل وصوله بدقائق، تعرّضوا له واختطفوه وتبخّر، «صرنا مقتنعين بأنو حادثة الخطف كانت منسّقة ومقررة قبل وقت، وبعد الخطف راح تنتهي القصة ونقطة ع السطر. قالت ابنته العام الماضي، وهي كما العائلة باتوا على يقين ان الدولة لن تتحرك لمحاولة استرجاعه ومعرفة مصيره.
تدخل بيت جوزف صادر في مغدوشة، تستقبلك صور القديسين قبل بسمة أهل البيت، نعم ما زالوا يبتسمون، ما زالوا يجدون للأمل مكانا في زحمة الخوف والغضب، يبتسمون لأنهم مؤمنون بأن لا حق ولا حقيقة تختفي تحت شمس المسيح، هم سلمى زوجته، وصوفيا البكر، ورالف وتينا، شباب وصبايا ينغلون بحياة البيت وينغل فيهم الخوف على والدهم والغضب الكبير الذي تحول الى غضب مكتوم، أو لنقل غضب ضائع في هباء المعالجة التافهة لملف فيه حياة أو موت رب أسرة وأسرة بكاملها، لم تبق مرجعية سياسية روحية عسكرية حزبية إنسانية لم يقرعوا بابها، ولم ينلوا أي جواب شاف أو حتى سعي حقيقي فعلي لحل هذه المعضلة، أو حتى الكشف عن خيط رفيع ينطلقون منه لمعرفة أي معلومة «من وقت ما وصل الرئيس ميشال عون ع الرئاسة وأنا عم طالب بموعد معو وحتى اللحظة ما عطيوني موعد، ما عم فكّر شوف حدن وما بدي لأن بيسألوني شو عندي بدل ما هني يعطوني جديد من عندن، ما بعرف شو بدي قول، ما يئست ومش ممكن نيأس العدرا حدنا بس مش مقبول هالتخاذل، يعني إذا إنسان مش حزبي وما حدن وراه ما بيسألوا عنو؟ ليش؟ تركونا لوحدنا وتخلوا عن جوزف خلص؟ خلصت القصة عندن؟» تسأل بمرارة كبيرة السيدة سلمى وتعرف الإجابة المسبقة.
عندما اختطف صادر فعلت العائلة المستحيل، كل ما يجب فعله وأكثر بعد، استعانت بالمرجعيات ولم ينفع، نزلت الى الطريق واعتصمت عند طريق المطار وما نفع، وعندما تسألها أن تعيد الكرّة علّ الأمر ينفع هذه المرة، فترفض الفكرة رفضا قاطعا «صراحة سألوني «القوات» إذا بحب أعمل اعتصامات بالشارع كما حصل مع أهالي المخطوفين عند «داعش»، وعرضوا علينا مساعدتن بأي طريقة منلاقيها نحنا مناسبة، بس أنا ما قبلت أسلوب الشارع لأن أخدنا قرار بالعيلة إنو ما بدنا ننزل ع الطرقات، وبعد تسع سنين هيدا الأسلوب ما عاد ينفع» تقول سلمى التي كانت قصدت معراب منذ أيام من ضمن لجنة وقف كنيسة سيدة مغدوشة لشكر سمير جعجع على مساهمته بزينة سيدة المنطرة، ولفتح ملف زوجها معه، ولم تكن تلك الزيارة الأولى لها عند الحكيم خصوصا ان «القوات اللبنانية» تابعت قضيتها منذ حصولها وبكل مراحلها على اعتبار أنها قضية وطنية وإنسانية «نحنا عم نعمل المستحيل حتى ما تموت القضية، ونضل نحكي بالموضوع ومع كل المسؤولين وبكل مناسبة، ما بدي حدن ينسى قضية جوزف صادر، لأن كأنن عم يحاولوا يموّتوها وتروح بالنسيان وحتى ما نعود نسأل عنو، منشان هيك وبكل مناسبة وظرف منحكي عنو، جوزف صادر قضية وجدان وضمير إنساني، قضية مظلوم».
اللافت ان ومنذ اختطافه انتظرت العائلة اتصالا ما، من مجهول ما يطالبها بفدية مثلا، وتأملت أن يحصل هذا الأمر، فعلى الأقل كانت لتتوقع ان وبعد دفع المال كان جوزف ليعود سالما الى بيته كما يحصل في العادة في هكذا أحوال، لكن ومع مرور الأعوام التسعة، وبعد تعرّض العائلة لعمليات ابتزاز من قبل مجهولين للحصول على الأموال تبيّن لاحقا ان لا علاقة لهم بعملية الخطف ولا يعرفون شيئا عن مكان جوزف، وحتى هذا الأمل، إذا جاز التعبير هنا، اختفى، وكبرت المرارة واللوم على المسؤولين وعلى الأجهزة الأمنية، التي تتمكن من القبض على أسوأ المجرمين في الجرود النائية وبسرعة قياسية أحيانا، بينما عجزت حتى اللحظة عن معرفة مكان جوزف، إذا افترضنا أنها عجزت، بينما صار الجميع مقتنعا أن الدولة تعرف الكثير الكثير ولا تبوح، والأكثر غرابة بعد ان الدولة إياها التي كانت أحالت الجريمة الى المجلس العدلي، ليس لديها حتى اللحظة أي قصاصة ورق تسمى «ملف جوزف صادر»، لا ملف لديها عن مخطوف فوق أراضيها وفي زمن السلم المفترض، هو حبة ملح وذابت في صحن الدولة تلك الاستنسابية الأمن والأمان!!!
من جهتها حاولت «القوات اللبنانية» المساعدة بكل ما تستطيع في هذا الملف، ولعلها كانت الجهة الحزبية السياسية الوحيدة التي سعت، حتى ولو لم تنجح حتى اللحظة بمعرفة أي معلومة تفيد العائلة، طرح النائب إيلي كيروز عبر مجلس النواب إستجواباً حول مصير التحقيقات في قضية اختطاف جوزف صادر، وعن أسباب التأخير في جلاء الحقيقة حول ملابسات وظروف هذه الجريمة، وطالب بإحالة طلب الاستجواب هذا الى الحكومة للرد عليه خلال مهلة خمسة عشر يوماً عملاً بأحكام المادة 132 من النظام الداخلي لمجلس النواب، ومن ثم إدراج موضوع الاستجواب في جدول أعمال أول جلسة من جلسات الهيئة العامة للمجلس، وذهب طلب الاستجواب المتكرر أدراج التناسي، لا جواب ولا إحالة الى جدول أعمال المجلس وكأن لا سؤال طرح ولا من يطرحون والأهم لا من يسمعون، والحكومة السابقة أجابت يومذاك أنها لا تعلم شيئا عن الموضوع، ومن يعلم إذن ومن يبحث ومن يسأل ومن يعيد مواطنا الى أهله!!
«الحقيقة إنو حاولنا كـ»قوات لبنانية» وبأي طريقة إنو نساعد بملف جوزف صادر، حتى إنو طلب الحكيم من الست سلمى إنو إذا بتلاقي إنو من المفيد الاعتصام بالشارع فنحن جاهزون للمساعدة بهالإطار، وطبعا رفضت لأنها اعتبرت أنها محاولة لن تنجح، وحاول رفيقنا النائب كيروز بمجلس النواب فتح الملف من جديد وما مشي الحال، من تسع سنين لليوم لا ملف حقيقي أصلا والكل تنصّل من هالقضية الإنسانية المحقة، والغريب إنو كل المسؤولين ما عادوا يحددون مواعيد للعائلة عندما تطلب، وصلت الأمور لهون، ونحن كولاد منطقة أولا رح نكون بتصرّف العائلة في أي أمر تحتاجه، ورح نضل نجرّب نساعد على رغم أننا لا نملك أي معلومات إضافية عن هالموضوع» يقول إدغار مارون منسق منطقة شرق صيدا في «القوات اللبنانية».
وبعد، ماذا يمكن أن يُكتب ويقال عن جمهورية لا تلتفت الى ضيم ناسها، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بملف أمني متفلّت من بين يديها، علما ان كيف يمكن لمواطن أن يقبل ان يكون ملف أمني متفلّتاً من بين من يجب ان يكونوا هم حماتنا وليس أحدا سواهم؟! وكيف تقبل جمهورية على نفسها، أن تعيش عائلة بأكملها القلق على مدار الثواني، في محاولة يائسة لطرد اليأس والإحباط عنها، علما ان العائلة كانت لفترة قررت الهجرة نهائيا عن البلاد، خصوصا بعد موت والدة جوزف منذ ثلاثة أعوام بحسرة ابنها، ولولا ذاك البصيص من أمل باهت واهن بأنها قد تجد الضائع من بينهم، وقد تجد معه فكرة الجمهورية القوية المتمسكة بأبنائها، لكانت هاجرت وطوت الموضوع نهائيا، لكن الأهم من كل ذلك، أنها بقيت في لبنان كي لا يشعر الأبناء والزوجة أنهم تخلوا نهائيا عن جوزف، وهم لا يريدون ولن يفعلوها، بقيت العائلة هنا كي تبقى بصلاتها قريبة من جوزف، تخاطبه بلغة القلب والمحبة والإيمان المطلق بقدرة الرب على محاربة الشر الذي اختطف رب الأسرة من بين أبنائه وزوجته، وحده يسوع يجعل مسافات القلب موحدة، وحده ذاك الرب الإله يعرف كيف يمنح القوة والصبر والإيمان لمن جعلتهم الدولة أسرى أمنها الأسير بأيدي مسلحين ما زالوا حتى اللحظة يفرضون هيبتهم على أمن المواطنين الآمنين.
وينك جوزف صادر؟؟ لا تسألوا الدولة، إسألوا المجهول المعلوم لعله هو الدولة….
