.jpg)
.jpg)
.jpg)
كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1647:
غالبا ما يُثير الناشطون البيئيون موضوع مكبات النفايات من زاوية خطرها البيئي الصرف. ودائما ما تعالج الحكومات المتعاقبة هذه المعضلة من زاوية اعتماد “الحل الممكن” بغض النظر عن الكلفة المادية والصحية والجمالية لما يتم اعتماده، ومنها ردم البحر. فيما يبقى هناك جانب مستتر للمسارات التي تسلكها مثل هكذا مشاريع، وهو ما يمكن أن تؤمّنه من مردود مادي على مقتسمي المنافع. وبجولة على الشاطئ اللبناني من طرابلس إلى صيدا يتبيّن كم من المساحات أضيفت إلى الـ 10452 مترا مربعا، باطنها نفايات وسطحها… صفقات؟
فإلامَ يستمر تشويه الشاطئ الذي كان مصنفا من أجمل شواطئ المتوسط؟ وهل يكون قرار الحكومة الأخير باعتماد التفكيك الحراري للنفايات عبر المعامل، نهاية لردم البحر؟ وبعد ذلك، ماذا سيحل بهذه المساحات المضافة وكيف ستتم معالجتها واستثمارها، ولمنفعة مَن؟
يسأل أحد الخبراء البيئيين “هل عجزت الحكومة عن البر فاستقوت على البحر”؟ وينطلق من السؤال ليشير تلميحا إلى أن “كل الخلافات التي حصلت على المطامر في أوقات سابقة، وعندما نقول سابقة أي منذ عشرات السنين، كانت بهدف الوصول إلى ردم البحر والإستفادة من المساحات المردومة”. ويضيف “أن صرف النظر عن هذا الخيار في التسعينات جاء بسبب تراجع إمكانية الإستثمار والمردود من مثل هذه المساحات وكانت مارينا الضبية مثالا. أما اليوم فيبدو أن الظروف باتت أفضل لاستكمال هذه الخطة”.
وبعد تعداد مساوئ هذا الخيار على أكثر من مستوى. يختم الخبير البيئي بالقول “الحكومة عم تعمل عاطل وتكب بالبحر”.
درّة الشرقين
في 12 كانون الثاني الماضي، قرّرت الحكومة اللبنانية توسعة مطمر الكوستابرافا، وأعلنت إطلاق مناقصات معامل التفكيك الحراري خلال الأشهر الستّة المُقبلة. ويأتي قرار التوسعة على رغم ما تضمّنته “الخطة الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات” حول تفعيل فرز النفايات كحلّ بيئي مُستدام. وبحسب الاقتراح المُقدّم من مجلس الإنماء والإعمار، ستُردم مساحة إضافية في موقع الكوستابرافا تراوح بين 150 و200 ألف متر مربع من الأملاك العامة البحرية، تضاف إلى المساحة المردومة في تموز 2016 وتبلغ 160 ألف متر مربع.
ويرى الخبراء أن توسيع مطمر الكوستابرافا مخالف لابسط الشروط البيئية والسلامة العامة. فخطة توسيع المطمر تتم عبر استحداث مساحة شمال مصب نهر الغدير وانشاء حاجز بحري، وردم الاملاك البحرية، ما يسمح بايجاد مساحة لطمر النفايات لمدة اربع سنوات. ويشير إلى أن المكان المقترح قريب جداً من أحد مدارج المطار، وهو لا يبعد أكثر من 200 متر ما يشكل خطرا على السلامة العامة.
ويضيفون أن الحاجز البحري للردم سيكون بارتفاع 8 امتار وبطول 1900 متر، علما أن هناك خيارا ثانيا يتمثل في إمكانية استحداث مساحة غرب مطمر الكوستابرافا تتصل مباشرة بالمطمر الحالي، وإنشاء حاجز بحري بهدف تكوين مساحة لطمر النفايات لمدة 4 سنوات، ولكن المشكلة في ارتفاع الحائط البحري في هذه المنطقة الذي يصل الى 9 أمتار وكلفة المشروع البالغة 131 مليون دولار بحسب أسعار شركة جهادكو للمقاولات.
ومن مساوئ التنفيذ، يقول الخبراء، هي الإصرار على انشاء المطمر في الكوستابرافا وعلى البحر ما يسمح للشركات والمتعهدين بالتخلص من “عصارة النفايات” من دون أية معالجة، وترك منافذ مفتوحة في الحائط البحري تسمح بتسرب تلك العصارات الملوِّثة الى البحر. وهذا ما يتسبب بتلوّن مياه الشاطئ اللبناني الذي يلحظه الجميع. وهذا الامر حاصل حاليا في جميع مواقع الردم على الشاطئ.
إحياء مخطط قديم
في مطمري برج حمود – الجديدة قرّرت الحكومة كسب مزيد من الوقت عبر طلب اقتراحات لتوسعة المطمرين. علماً أن مجلس الإنماء والإعمار تقدّم باقتراحين: الأول استخدام المساحة المستحدثة في الجديدة جرّاء ردم البحر (التي كانت مخصصة هبة لبلدية الجديدة) كمطمر. وتُقدَّر هذه المساحة بنحو 120 ألف متر مربع. فيما ينصّ الاقتراح الثاني على ردم المساحة البحرية الفاصلة بين برج حمود والجديدة، حيث يقع حالياً مرفأ الصيادين، على أن يُنقَل المرفأ إلى منطقة أخرى. وهكذا لجأت الحكومة إلى حل توسعة المطامر إلى حين انجاز معامل التفكيك الحراري. وبحسب المسؤولين، يأتي هذا القرار بعد “فشل” المعنيين في إيجاد حلول قابلة للتنفيذ.
ويقول صاحب شركة خوري للمقاولات، الملتزمة أعمال مطمر برج حمود ـ الجديدة، داني خوري إن هناك صعوبة في خيارات التوسعة على الشاطئ في موقع المطمر المُحاصر بالأراضي المشغولة من اليمين ومن اليسار، مؤكداً في المقابل استحالة تجاوز ارتفاع الطمر الـ 13 مترا، ما يُرجّح خيار التوسعة طولاً والردم الإضافي في البحر.
أما القدرة الإستيعابية لهذا المطمر فتسمح باستقبال النفايات لمدة 14 شهراً فقط وتنتهي في اذار 2019، فيما الدراسات لتوسعته تتضمن إمكانية ردم المساحة المائية الواقعة بين مطمر برج حمود والجديدة واستعمالها لطمر النفايات، ما يعني إزالة أنابيب النفط في المنطقة علاوة على إلغاء مرفأ الصيادين. وهذه المساحة تؤمن الطمر لـ4 سنوات وكلفة هذا المشروع 60 مليون دولار ويشمل التلزيم إقامة حاجز بحري بطول 200 متر. أما الخيار الثاني فيتضمن استعمال الاملاك العامة التي تم استحداثها في الجديدة لطمر النفايات وهذا يتطلب التخلص من كمية تقدر بحوالى 650 الف متر من جبل النفايات القديم في برج حمود، علما أن هناك اقتراحا بنقل كمية الردميات في برج حمود لتوسعة مطمر الكوستابرافا، وهذا مخالف للشروط البيئية الدولية.
من هنا استُعيد السؤال الماثل في الأذهان دوما منذ الثمانينات، عما إذا كان ضيق الحلول للتخلص من النفايات هو ما يدفع بالدولة إلى ردم البحر، أم أن خططاً مضمورة لردم البحر هي ما يدفع بالدولة إلى إيجاد الذرائع واستبعاد كل الحلول ليسير الجميع، إما مجبرين وإما مستفيدين، إلى خيار الردم أملا في الإستفادة من المساحات البحرية المردومة والمتحوِّلة أرضاً. علما أن مجلس الوزراء كان قد أقرّ 32 مليون دولار في آذار 2016 على أن تُدفع مقسّطة للبلديات على أربع سنوات بمعدل 8 ملايين كل سنة، وتخصيص مبلغ 50 مليون دولار لتغطية مشاريع إنمائية في البلدات المحيطة بكل مطمر.
مشروع حل أم إستثمار؟
يعتبر الخبراء أن ردم ملايين الأمتار المربعة على الشاطئ يشكل فضيحة أكبر من فضيحة الاملاك البحرية، وتمويلها من المال العام بحجة إنشاء مطامر موقتة للنفايات لمدة اربع سنوات فقط. وبعد أربع سنوات يتم وضع اليد على الأملاك البحرية، علما ان كلفة هذه المشاريع تصل الى اكثر من 200 مليون دولار، وتكون فترة فاصلة وضرورية لانشاء وتشغيل المحارق والمعامل.
وهذا يؤدي مستقبلا إلى إدخال مئات ملايين الدولارات إلى جيوب البعض، وهو الفضيحة بعينها. وذلك علاوة عن أن ملف الطمر في البحر بات يشكل أكبر كارثة بيئية على الأهالي ومخاطره تتزايد يومياً، كما أن قسماً من هذه المطامر، كما في طرابلس مهدد بالانهيار، وقد طرح الموضوع على مجلس الوزراء، وتم تأجيله إلى جلسات لاحقة على رغم مناشدات الأهالي اليومية.
ويتساءل المتابعون هل إن وراء الخطة الحكومية تقديم “مكسب” للمنتفعين من المُضاربات العقارية عبر إقرارها ردم هذه المساحات من الأملاك البحرية العمومية؟ فخرائط مجلس الإنماء والإعمار المتعلّقة بإقامة المطامر، تُظهر أن الردم سيشمل مساحة 576 ألف متر مربع من البحر، على الشكل التالي:
في برج حمود: ردم 65 ألف متر مربع لإقامة محطة تكرير. و97 ألفاً و400 متر مخصصة كأراضٍ عامة توهب إلى بلدية برج حمّود. وردم 126 ألفاً و400 متر مخصصة لإقامة المطمر.
في الجديدة: ردم 122 ألفاً و700 متر مخصصة لإقامة المطمر. و119 ألفاً و500 متر مخصصة كأراضٍ عامة توهب إلى بلدية الجديدة. و45 ألف متر مربع استكمالاً لمشروع لينور القائم على ردم البحر لإقامة الاوتوستراد البحري.
في خلدة: تُظهر الخرائط المُتعلّقة بإنشاء المطمر الموقت عند مصبّ نهر الغدير- الكوستابرافا، أن مساحة الـ 160 ألف متر مربع التي سيتم ردمها، ستُخصص بكاملها لإقامة المطمر، وبحسب وعود الحكومة، بعد الانتهاء من مدة المطمر، سيتم وهب المساحة المردومة إلى بلدية الشويفات.
لكن هناك من يشير إلى أن توسعة مكب برج حمود – الجديدة تتم على قاعدة إعادة إحياء ما كان يسمى مشروع “لينور”، لترتيب ساحل المتن، أي إنشاء مشروع استثماري او ما يعرف بـ”المنطقة الإقتصادية” أسوة بما حصل في منطقة النورماندي لمعالجة المكب، وإعطاء المتعهد مساحات مهمة من الردميات في البحر.
عضو مجلس بلدية برج حمود جورج كريكوريان قال لـ”المسيرة” إن البلدية لها حق مراقبة سلامة الطمر في المكب بحسب الإتفاق. أما المساحة المردومة فتعود قانونا للدولة ولكن يمكن استخدامها من قبل البلدية لإقامة حدائق ومنشآت عامة، لافتا إلى أن هذا يكلف البلدية ولا يعود عليها بالربح. وهذه المساحات التي لن تتعدى ثلث المساحة الكلية للمطمر، وإن كانت بتصرف البلدية إلا أن ملكيتها لن تعود إليها بل تبقى للدولة كملك عام.
وفي إطار آخر أكد كريكوريان أن لا إخلال بالعقد من النواحي الفنية والبيئية لعملية الطمر. كذلك أكدت أمينة السر في بلدية الشويفات راغدة الخشن أن عملية الطمر في الكوستابرافا تلتزم بالشروط المتفق عليها في العقد. ونفت أن تكون هناك خطط لاستثمار المطمر.
لكن الخبير البيئي رجا نجيم كشف لـ”المسيرة” أن المساحات المردومة في البحر يمكن استخدامها مستقبلا كاستثمار عبر إحياء شركة “لينور” كما حصل في مكب النورماندي الذي بات مساحات عقارية استثمارية بإدارة شركة سوليدير. ورأى نجيم أن ما يظهر حتى الآن هو إمكان استخدام المساحات المردومة لتنفيذ طريق ساحلي تنشأ على جانبها مشاريع قد تكون استثمارية.
والمعلوم أن مشروع “لينور” كان توقف منذ أكثر من عشرين سنة، وبحسب المتابعين، لم تتم معالجة المكب لان بعض المستثمرين، وبالتنسيق مع قوى سياسية، وجدوا أن مياه الشاطئ التي يفترض ردمها والاستفادة من الأمتار المردومة بعد فلش المكب، عميقة نسبيا ولن يستفيد المتعهد من الأمتار المربعة المردومة كثيرا بعد عمليات الردم. فهل يعاد إحياء المشروع؟
ربما يكون الجدير بالذكر هنا، أنه في الثمانينات، عندما بدأ بعض النافذين ردم مساحات بحرية لزيادة منافع المنتجعات الشاطئية، وبعد توسّع هذه الظاهرة، قال الرئيس الشهيد بشير الجميل: “لمّا رفعنا شعار الـ 10452 متر مربع، لرفض أي قضم من مساحة لبنان، كمان كنا منعني رفض أي زيادة على هالمساحة. وبالتالي كل زيادة وتشويه للشاطئ ممنوعين…” وفي الإستعادة إفادة!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]