كتبت نجاح بو منصف في مجلة “المسيرة” – العدد 1647:
سمير غنطوس… زمن طوابع الجمهورية الجميل!
مش على علمي في حدا تاني غيري
وللطوابع البريدية في لبنان أيضا «زمن جميل» رافق الجمهورية وعهودها رسوما و»أرتيزانا»، ولتلك الجمهورية وعهودها كان يوما رسام خط كريشته لتلك الطوابع ولذاك الفن عهدا ذهبيا، هو سمير غنطوس رسام طوابع الجمهورية اللبنانية منذ أوائل السبعينات ولا أحد سواه ولا بعده، ابن ال الثلاث وثمانين عاما من وضع 83 طابعا للبنان كما المئات لدول عربية وخليجية. من استبدلت جمهوريتنا إبداع ريشته بصور رقمية، يروي حكايته مع الطوابع والعهود فناً وشغفاً وعزّاً زائلاً… فقط في لبنان!
في عجلتون الكسروانية، هناك منزل حجري ذو قناطر يسكنه رسام الطوابع البريدية منذ أربعين عاما، ويتذكر «كان ذلك عام اغتيال الزعيم المصري عبد الناصر، اشتريت متر الأرض ب 8 ليرات، ما كان أحد بعد يسكن هذه الأرض، ما كنا لنسمع هنا إلّا أصوات الواويي، أنا من دشنها عمارا وسكنا وأنا من دشن الطريق والكهرباء والماء الى هذه المنطقة، اليوم امتلأت عمارا وسكنا»، لكن الطريف، ويقولها ضاحكا «كنت الأول ومع ذلك بعدني «غريب» وبعدهم الناس هون بيدلّوا علييّ ب«الغريب».
وندخل منزل «الغريب»، كل ما فيه يحكي عن فنان، لوحات ولوحات برائحة الطبيعة ولبنان تمددت على الجدران ممهورة بتوقيعه، صور وصور افترشت الطاولات والواجهات وألبومات تتكدس وتختزن طوابع صممها على مر السنوات، تستعرض فنونه وتروي حكايات مشوار فني طويل على مدى 70 سنة.
مساعد رسام الطوابع الروسي
ال«غريب» عن عجلتون هو أصلا شمالي، في بلدة أميون ولد عام 1935 ولكن في بيروت كبر وتلقى دروسه، ومن والده الذي كان يعمل في فن الموزاييك في أستراليا ورث موهبة الفن والرسم وهو بعد صغيرا. وفي المدرسة اليسوعية في بيروت بدأت موهبته تتبلور وصولا الى عمله في سن مبكرة (13 عاما) في «المطبعة اليسوعية» وهناك كانت اللحظة المفصلية حيث تعرف على أهم رسامي الطوابع الفنان الروسي بول كوروليف خريج الجامعة الملكية الروسية في موسكو، فتتلمذ على يده لمدة 14 عاما في رسوم وأغلفة الكتب والبطاقات المختلفة أولا ثم في تصميم الطوابع البريدية ليصبح مساعدا لأستاذه في رسم الطوابع «كان كوروليف الوحيد الذي يرسم هذه الطوابع بتكليف من الجمهورية اللبنانية، تعلمت على يده رسمها… هي فن بحد ذاتها».
ثم سافر الفنان الشاب الى إيطاليا، بلاد الرسم وكبار الرسامين، حيث التحق بأحد معاهد الرسم وعلى مدى 5 سنوات «هناك تدربت مع أشخاص تعرفت إليهم وبعدها عرض عليّ استلام دعاية بيبسي كولا للشرق الأوسط التابعة لمكتب نيويورك، ما استدعى سفري الى اليونان لأتنقل بينها وبين قبرص والأردن وأعمل على إعداد البوسترات للبيبسي كولا»، وذلك قبل أن يعود إلى لبنان والى عالم تصميم الطوابع مجددا.
رسام طوابع الجمهورية اللبنانية رسميا
أول مناسبة أتيحت له كانت على عهد الرئيس سليمان فرنجية، وكان أستاذه كوروليف قد غادر لبنان الى روسيا وصار بذلك موقعه شاغرًا، ليرثه مساعده وتلميذه اللبناني ويتوّج ثاني رسام للطوابع اللبنانية والأخير حتى الآن. كيف بدأ مهمته الرسمية تلك؟
كان ذلك عام 1973 على عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية «طلبت جمعية الكشاف اللبناني مني رسم مجموعة من 9 طوابع سمار جبيل المدينة الكشفية، فكانت أول مجموعة لي، نفذتها وأخذتها للرئيس فطلب مني ان أرسم الطوابع للدولة اللبنانية بشكل مستمر وهكذا بدأت… واستمريت».
وعلى هذا انطلق سمير غنطوس ليصمم الطوابع لمصلحة البريد اللبناني، واضعا عام 1973 مجموعة «الحرف اللبنانية»، وهي مجموعة من 10 طوابع، بالتوازي مع 4 طوابع للعيد الـ150 لاستقلال البرازيل، وكرّت سبحة طوابعه مصمما وراسماً منها العشرات: ال»فاو»، ميخائيل نعيمة، جبران خليل جبران، على عهدي الرئيسين الياس الهراوي وأمين الجميل حتى وصل المجموع الى 83 طابعًا كان آخرها أجملها، سنة 2002 في الذكرى الثانية لتحرير جنوب لبنان، حين أصدر بلوكاً من 4 طوابع لعهد الرئيس إميل لحود الذي اعتبر أجمل مجموعة طوابع منذ عهد الاستقلال الى حينه، وكتب عنه الكثير.
لماذا الأجمل على عهد لحود؟
يجيب فورا «لا علاقة للحود بذلك.. الفضل يعود لوزير الاتصالات على عهده جان لوي قرداحي»، أظهر الوزير الشاب اهتماما كبيرا بالطوابع وتقديرا كبيرا لهذا الفن، وكان يخطط لأن يخصص الطابق الأول من وزارته ليكون معرضا دائما للطوابع في لبنان منذ عهد الانتداب وصولا الى أيامنا، «كان أكثر الوزراء اهتماما ولفتة وتقديرا لهذا الفن، وانطلاقا من حماسته صدرت وطبعت أجمل مجموعة». ويؤكد «لم تصدر أي مجموعة طوابع طوال تعاملي مع العهود الرئاسية بجمال وأناقة طباعة مجموعة لحود. تميّزت بأسلوبها النافر وأسلوب طباعتها، شغلت بعناية والأهم أنها طبعت في لندن».
طوابع عهد فرنجية الأكثر مبيعًا والأحب الى قلبه
كيف يستوحي غنطوس رسوم طوابعه؟ يجيب «من الظروف التي تحيط بعهد الرئيس، في عهد فرنجية وضعت مجموعة سمار جبيل ثم المجموعة الحرفية للبنان، على عهد الياس سركيس ولظروف الحرب القاهرة أصدروا طوابع من الصور، وعلى عهد الجميل وبطلب من الدولة اللبنانية، وضعت مجموعة خاصة بذكرى الشاعر والأديب مخائيل نعيمة، ولمناسبة مئوية كاتب النبي وضعت عام 1983 مجموعة خاصة بجبران خليل جبران».
وبعدها.. سافر مجددًا الى اليونان «وعندما عدت، اتصلوا بي من قبل لجنة الطوابع من وزارة البريد، لأعود لرسمها مجددا على عهد الرئيس الهراوي وصولا الى عهد لحود بولاتيه».
ويخبرنا ان لجنة البريد كانت تشرف شخصيا على الطوابع «كانوا يهتمون لها كثيرًا، وكانت الوزارة تكلّفني برسم الطوابع عبر مكتوب رسمي. وكان مدير البريد يعرضها على رؤساء الجمهورية لرؤيتها وللحصول على موافقتهم عليها قبل إصدارها، لكن على عهدي ولا مرة تم رفض أو تغيير تصاميمي للطوابع».
وإن كانت طوابعه على عهد لحود الأجمل والأكثر أناقة، يخبرنا بأن أكثر العهود التي شهدت اهتماما وبيعا لهذه الطوابع كان عهد سليمان فرنجية، وفي ذاك العهد أيضا وضع المجموعة الأحب الى قلبه وهي المجموعة الحرفية.
وبشير الجميل في البال!
ويخبرنا عن مجموعة طوابع كان ولا زال يتمنى رسمها يوما، هي عن عهد الرئيس الراحل بشير الجميل «للأسف ما لحق استلم الحكم حتى اغتيل»، لكنه برأيه كان على لبنان ان يصدر طوابع خاصة تكرّم ذكرى هذا الرئيس الاستثنائي كما وضع طوابع لشخصيات أخرى ثقافية مثل جبران وميخائيل نعيمة، للأسف لم يطلب مني ذلك، في كل بلدان العالم تكرم شخصيات كبيرة ويضعون لها طوابع تخليدا لذكراها، كمثل مجموعات الرئيس كنيدي مثلا».
وهكذا ومنذ عهد فرنجية وحتى نهاية عهد لحود توج سمير غنطوس رسام طوابع الجمهورية اللبنانية خلفا لأستاذه الروسي، وبقي سيّد عالمه ذاك حتى نهاية عهد لحود، إذ توقفت رسوم الطوابع في لبنان حين كُلّفت شركة ليبان بوست إدارة هذا المجال، ومذ ذاك تغيّر كل شيء…
وراح فن الطوابع…
لا يبدو راضيا ذاك الفنان عما آل إليه حال الطوابع اللبنانية اليوم «بدأت ليبان بوست بإصدار طوابع تعتمد الصور تأتي بها من مصادر مختلفة أحيانا عن الفايسبوك»، لافتا الى ان «بعض الهواة لم يعد يجمع الطوابع كما في الماضي، لأنها فقدت كثيراً من قيمتها»، ويضيف «في الماضي، كانت الطوابع تُرسم وكان هذا عملا فنيا وحرفيا. للأسف استبدلت الريشة اليوم بكل ما هو رقمي.. ما عاد هناك فن الطوابع في لبنان بالمعنى الحقيقي الذي يعرفه العالم ويترصده هواة جمعها، هذا الفن لهواته هو «أرتيزانا»، في كل العالم نجد هواة له ومنبع هذا الاهتمام إنه فن قائم بحد ذاته، لكن كما هو معتمد حاليا في لبنان ما عاد له أهمية، حتى أنني لمست انزعاجا كبيرا لدى هواة جمع الطوابع مما آلت إليه في لبنان».
ويؤكد «لا يهمني ان أعود أنا لأرسمها ولا غيري، المهم ان يعود هذا الفن كما كان ك»أرتيزانا» وليس صورًا تؤخذ من هنا وهناك بدافع التوفير ويجعلها طوابع تجارية لا قيمة لها خصوصا أنها تتعلق بصورة الجمهورية اللبنانية ولا يجوز التهاون حيالها».
ويقول «قيمة الطوابع للهواة أنها ترمز لكل عهد بعهده، كل دولة لها طوابع تطلقها في مناسبات وطنية، وكان الهواة يهتمون لجمعها لأن قيمتها تتصاعد مع الوقت معنويا وماديا، لكن مذ لزمت لليبانون بوست تبدلت أحوالها وفقدت قيمتها المعنوية وتاليا المادية».
«مش على علمي في حدا بيرسم طوابع بلبنان غيري»
وهكذا، وبانتهاء عهد لحود، ولكأنه انتهى عهد سمير غنطوس «أوقفوا الطوابع وما عاد أحد ليتصل بي وتوقفت نهائيا عن رسمها». لكنه مع ذلك لا زال رسام الطوابع اللبناني الوحيد، وما أتى بعد من يخلفه «مش على علمي إنو في حدا بيرسم طوابع بلبنان، الطابع له رسم وتقنية معينة تختلف عن الرسم العادي، لدينا في لبنان رسامون كثر ومشهورون لكن لا أحد يرسم الطابع غيري، مش على علمي في حدا تاني». وبالأرقام يخبرنا «أنا حتى الآن وضعت 83 طابعا للجمهورية اللبنانية».
ولأنه كذلك، امتد صيته الى خارج الحدود اللبنانية، لتستعين به دول عربية وخليجية وإفريقية عدة لوضع طوابع لشخصياتها وأمرائها ومنها: الفجيرة وتشاد ودبي وأم القيوين والشارقة…
من الطوابع الى عالم الرسم والموزاييك
وغادر سمير غنطوس عالم رسم الطوابع وتصميمها، فكانت له الفرصة الأكبر ليتوغل وليلمع أكثر في عالم الرسم والموزاييك. «أضع رسومات أغلفة وصفحات الكتب والقواميس المدرسية ورسوم قصص للأطفال للمؤسسة الشرقية لليسوعية».
كما عاد أيضا الى رسم اللوحات لكن كهواية وحسب «ما أردت إقامة معارض رسم لأعمالي، لأنني بذلك سأبيع لوحاتي وأنا متعلق بها ولا أريد بيعها»، ماذا سيفعل بها؟ يجيب «سأتركها لأولادي إرثا فنيا».
لوحاته تلك التي افترش بعضها جدران منزله تراها على علاقة وطيدة بالطبيعة ولبنان، يرسمها بكل حالاتها وفصولها، ويجد في رسمها متنفسا كبيرا يملأ به وحدته… فنان الطوابع اللبناني أب لثلاث فتيات متزوجات ولشاب يسكن في الكوت دازور وله منهم 7 أحفاد بينهم الممثلة جوي خوري. ووحدته تلك، لن يتأخر زائره ليدرك أنه الفراغ الذي تركه رحيل شريكة عمره بوفاتها منذ ثلاث سنوات، يفتقدها، ينشر صورها في كل أرجاء منزله، وتراه يشغل نفسه دائما بالرسم، يلهيه وينشله من وحدته.
ويخبرنا أنه خاض أيضا تجربة الرسم بواسطة الموزاييك على خطى والده، يرسم شخصيات وأصدقاء بالموزاييك «كنت أجلب البحص الطبيعي من البحر أكسره بالكماشة واشتغل به الرسم وبذلك تظهر الألوان طبيعية، غيري يستخدم البحص الملوّن وغالبا ما يأتون به من اليونان».
لكن ثمة حدث بارز ومفاجئ نشله مؤخرا من غربته وسلط الضوء عليه رائدا لفن الطوابع في لبنان، هو الفنان الذي لطالما عمل في الظل، وفيما دولتنا نسيته وأبعدته، جاء من يقول للبنانيين أخيرا هذا هو فنان الطوابع اللبنانية، يوم كانت فنا أصيلا، هم هواة جمع الطوابع في لبنان الذين قصدوا روسيا لتكريم الرسام الروسي كوروليف الذي توفي عام 1992 في روسيا ثم بدأوا البحث عن تلميذه في لبنان وعثروا عليه فعلا وأقاموا له تكريما في بلدية سن الفيل (لأنه بالأصل من سكان سن الفيل) «كرّموني ومنحوني وساما باعتباري أرسم الطوابع في لبنان منذ 60 الى 70 عاما، والمفارقة أنني ما كنت أعرفهم، لم أكن يوما من الأشخاص الذين يبحثون عن الشهرة والإعلام كنت أعمل بصمت، فاجأوني أولا بوجودهم ثم ببادرتهم، وكنت حقا سعيدا بهم».
وحدث تكريمي آخر يتذكره «منذ شهرين اتصلوا بي من دار الفكر اللبناني ليبلغوني ان قصة «الأميرة اليسار» للكاتب الياس زغيب والتي وضعت أنا رسومها، ربحت جائزة أجمل رسومات، ودعوني لتسلم الجائزة المالية».
هي فنون كثيرة أجادها سمير غنطوس، ويبقى أحبها الى قلبه ذاك الفن القائم بحد ذاته «رسم الطوابع»، ليبقى هو رائدها وسيّدها، من خط بريشته عزّ عهودها بألوان من ذهب.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]