#adsense

ثورة النّسّاك 2018

حجم الخط

لبنان بلد الحضارات. وبلد الرّسالة. رسالة عيش الإختلاف والتنوّع الدّيني بحريّة مطلقة، من دون أيّ قيود، سوى أنّ الحريّة تعني المسؤوليّة. لقد أطلّ اليوم عيد أب الطّائفة المارونيّة، القدّيس مارون، راهب قوروش، مع نسّاك الهرمل وقنّوبين، ليحمل برمزيّته هذا العام الرّمزيّة اللّبنانيّة الوطنيّة الجامعة لأركان الكيان اللبناني كلّه. فهل من يحتمل في لبنان نمطيّة العيش النّسكي التي أرساها الرّهبان الآباء في الكيان اللبناني؟

حاول الاحتلال السّوري، طوال فترة وجوده في لبنان، وحتّى ما بعد ذلك عبر أعوانه، إلغاء رمزيّة هذا العيد وذلك بإرساء نهج فكريّ بعثيّ برداء علمانيّ لإفراغ الدّولة اللبنانيّة من رمزيّتها المارونيّة. وذلك مردّه إلى أنّ نهج نسّاك مارون لا يتوافق مع الذّهنيّة الإقطاعيّة التي كانت وما زالت متحكّمة إلى حدّ ما بمفاصل الحياة السياسيّة.

دعونا في أكثر  من مقال ومحاضرة إلى “ثورة النّسّاك” ووضعنا مبادئها التي تقتصر على عيش النّمطيّة النّسكيّة في التّعاطي بين البشر. وهذا ما وجده بعض المستزلمين والنّافذين ضربة قاضية لنهجهم الإستيلائي على النّاس. وتزامنت ثورتنا هذه بواقع تطبيقيٍّ على أرض الواقع، من خلال النّهج الذي فرضه وزراء ونوّاب “القوّات اللّبنانيّة” في عملهم السّياسي. فأثبتوا أنّ هذه النّمطيّة ليست مستحيلة بل جلّ ما تحتاج إليه إرادة صلبة ومصالحة مع الذّات التّاريخيّة للوصول إلى الجرأة في التّنفيذ.

وما حاولت سلطات الإحتلال السّوري تثبيته أيضًا جاء عبر ضرب المفاهيم الدّولتيّة التي أرساها اتّفاق الطّائف. حيث تمّ ضربه بعرض الحائط وتنفيذ منه ما يتوافق مع مصالح أزلامهم لمزيد من إخضاع النّاس، ولا سيّما التخلّص  من عقدة عيش أبناء مارون للبنانيّتهم التي لم تعد تقتصر عليهم فحسب. وهنا نجح أبناء مارون بعمليّة النّمذجة التي وصلوا إليها وخصوصاً في مجال التّعاطي  مع ملفّ الحريّات العامّة. وذلك كان من أبرز الأسباب التي أسقطت النّهج البعثي الأمني في التّعاطي مع الحريّة.

ولعلّ النّمطيّة النّسكيّة هي المخرز الأبرز الذي تمّ غرزه في عين النّمطيّة البعثيّة التي ما زال بعض أزلامها يحاربون لاستعادة أمجادهم على حسابها. وطالما في لبنان بطريركيّة تحمل لواء هذه الثّورة، ومعها لبنانيّون شرفاء اندمجوا في هذه النّمطيّة، فلن ينجح أحد في تغيير وجه  لبنان الحضاري. والسّبب بسيط جدًّا، لأنّ هذه المسألة لم تعد محصورة بالموارنة اللبنانيّين فحسب، بل تعدّتهم لتطال الفئات المجتمعيّة الأخرى التي تشكّل نسيج الحريّة اللّبنانيّة.

من هنا، الرّسالة التي تطلقها اليوم ثورة النّسّاك تكمن في تحويل لبنان إلى مجتمع واحد متراصّ حول المبادئ والقيم النّسكيّة في نظام سياسيّ مشترك يقوم على احترام الإختلاف ومنع الخلاف تحت  لواء السّيادة اللبنانيّة والحريّة الوجوديّة الكيانيّة والإستقلال النّافذ والدّولة القادرة القويّة.

ونشير هنا إلى أنّ النّمذجة التي مارسها الثوّار النّسّاك اليوم قد أثمرت أولى نتائجها من خلال تحوّل سياسيّي لحزب الله نحو الفكر السّياديّ تاركين النّمطيّة البعثيّة التي حكمت تفكيرهم طوال ثلاثة عقود خلَتْ. أن يصدر موقف من الحزب يمدح التمسّك بحقوق اللبنانيّين كدولة، مع تنويه علنيّ واضح وصريح بدور القوى الامنيّة والعسكريّة بالدّفاع عن سيادة البلد، من دون السّماح لأحد النّقاش في هذه السّيادة لهو موقف متقدّم جدًّا. على ما يبدو أنّ نمطيّة العيش النّسكي التي أرستها “القوات اللبنانيّة” بدأت تستقطب اللبنانيّين بأطيافهم المختلفة. فهل من يجرؤ على الدّخول في هذه مسيرة ثورة النّسّاك؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل