لأنك مارون… كنا وسنبقى

كتب  الخوري هاني طوق في “المسيرة” – العدد 1648:

عندما اجتاحت المسيحية أفواج من المتزلفين والحالمين بالسلطة والمجد والمواقع والرئاسات، وعندما أصبح الدخول الى أحضان الكنيسة أحد أهم عناصر الوصول الى الوظائف العامة في القرن الرابع والخامس الميلادي، وبعد تجربة دامت أكثر من 300 سنة في الدياميس وساحات القتال تحت أنياب الأسود وصيحات المتفرجين، تحت أقدام البطش وحوافر الخيل ورنين السيوف، وبصبر قل نظيره عبر التاريخ، آمنوا وثابروا وكافحوا وقاوموا وناضلوا وثبتوا في الإيمان حتى الرمق الأخير، قدموا آلاف الشهداء من دون أن يعلنوا العصيان والتمرد، من دون ان يقطعوا الطرقات وأرزاق الناس، من دون ان يستعملوا السيف والرمح، من دون أي سلاح إلا سلاح الحب المطحون حتى الامحاء، مع السيد الصالح  الصارخ من أعلى الصليب، أغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ما يفعلون.

خرجت المسيحية من الدياميس، من طهارة الإيمان ونقائه، وامتزجت مع السياسة، فأصبح الإمبرطور هو رأس الكنيسة المنظورة، وأصبحت الحروب تدمغ برمز الصليب، يتقدمها حاملو الرايات الدينية، وينظر لها بعض اللاهوتيين اللاهثين نحو مجد الكنيسة الأرضية، القائمة على السلطة والمال والنفوذ والقوة، وذلك كله باسم ذاك الذي سلطانه ليس من هذا العالم، والذي سيق الى الذبح ولم يفتح فاه، والذي تمرس بالألم حتى الامحاء.

في خضم تغيُّرات خضّت الكنيسة من رأسها الى أخمص قدميها، إنبرى رجال الله من جديد هؤلاء الذين يأتون من الضيق، مبيّضين حللهم بدم الحمل، وأخذوا المبادرة من جديد، تمردوا ثاروا قاوموا وانطلقوا يفتشون عن دياميس جديدة، يعيدون فيها زمن الأبطال في الإيمان، زمن الجهاد حتى الموت، زمن نكران الذات، زمن مجابهة الموت بوجوه نيرة، غير عابئين بلحظات لا تكون إلا جسر عبور الى محبوبهم الأغلى، حيث يتعانقون في عناق أبوي وبنوي، وحيث يصبح السيد هو الكل في الكل.

في هذا الجو انطلق أنطونيوس في نواحي الصعيد، ومارون في نواحي قورش. خرج مارون من ضوضاء الإمبراطورية ومن ضجيج التزلف والتسلط، زاهداً حتى بذاته، خاسراً كل شيء ليربح كل شيء بالمسيح. صعد معه الى جلجلته، فأقام على جبل قورش بين السماء والأرض، معلقاً كمعلمه تلفحه حرارة تموز ورياح كانون، في العراء كان مسبحاً زاهداً ناسكاً يحمل الكنيسة على كتفيه، حالماً بالانتصار الكلي على شهوات الجسد والنفس على ملذات السلطة والمال.

من رحم مارون ولد العاموديون تفننوا بدياميسهم واحترفوا إماتة الجسد وروح العالم حتى الثمالة، فأصبحوا منارة مارون وطبعوا بوصية سمعان أنشروا الصليب أينما حللتم “به ندوس أعداءنا ونتغلب على مبغضينا». كان مارون فكانت الروحانية السريانية الأنطاكية، وكان بيت مارون منبع وطريقة للزهد والشعر والنبوة، في عالم يسبح في بحور الأدب السرياني والنظارة الراهوية والنصيبية، فاختاروا الطبيعتين متمردين على أبناء جيلهم وجلدتهم آخذين نضارة أنطاكية ومنطق بيزنطية وشريعة روما.

من هناك وبعدما قتل منهم الكثير قرروا بروح النبوة أن ينشئوا وطناً روحياً يشبه أرواحهم وتوقهم نحو العلى. اختاروا أسقف البترون يوحنا مارون، فكان أول من امتطى صهوة العصيان والثورة وامتشق سيف الطبيعتين، ناهلاً من جبال لبنان صلابة الموقف وبياض الالتزام. وكرت السبحة الى أرميا العمشيتي هذا الذي أثبت للروميين في عاصمتهم، ان الروح أقوى من الحرف، وان القداسة لا تحدها دساتير أو اعتراف متبادل، رفع القربان بين يديه كما رفع موسى الحية في الصحراء، وكما علق يسوع على صليب العار، صمد القربان في الفوق، أما هو فخرّ ساجداً امام مذبح الرب، مستذكراً آلام سيده وكل الذين تبعوه، وكيف كانوا يهربون من قفر الى قفر، ليس لديهم حجر يسندون عليه رأسهم. من العمشيتي الى الإهدني البار هذا الذي جمع رعيته كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، كالراعي الصالح الذي يعرف خرافه وخرافه تعرفه، إسطفانوس الدويهي سيرة رجل ووجه أمة لا تموت. من إيليج حصن الإيمان والشهادة وذرف الدم والدموع وذاك الحجولاوي الرهيب الذي مال رأسه في الفيحاء نحو جبل الأرز مودعا جامعته شفاعة مريم البهية كالأرز، تلك العروس المكللة بالشمس. من إيليج الى يانوح الى قنوبين الى ديمان الحويك الذي استذكر يوحنا مارون فمع سلفه كانت بداية كنيسة، ومعه بدأت حكاية أمة وشعب وكان لبنان في طبيعتيه التاريخية والروحية، وهكذا أكمل ابن بشري البار أنطون عريضة راهناً نفسه للفقراء ضارباً بعصا من حديد من أجل استقلال لبنان ثمرة المارونية الحية، وأكملت مسيرة مارون الى ابن كسروان هذا الريفوني بقوله المأثور «نحن الذين لجأنا الى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طوال مئات السنين  هرباً من الجور والاضطهاد والعذاب ليسلم لنا الإيمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ لتبقى لنا الحرية التي إذا عدمناها عدمنا كل شيء». ناضل وواجه بنضارة مارون وزهد سمعان وصلابة القورشي فكان أبًا الاستقلال الثاني واستمرت الحكاية. ومع الراعي اليوم الذي تخطى العداوات المصطنعة وذهب الى أرض معلمه الى الأراضي المقدسة، وحمل صليبه الى أرض الحجاز.

لا تعب مارون من عرائه، ولا اعتزل سمعان عاموده، ولا وصيته، ولا ارتهب يوحنا مارون في تمرده، ولا سكر العمشيتي في قداسته، ولا تراجع الحجولاوي في استشهاده، ولا الإهدني في وسعة علمه وثقافته، ولا البتروني ارتهب الموقف أمام الدول العظمى، ولا البشراوي فرط في وزناته، ولا الريفوني انكسر يوم خضع الجميع واستزلموا.

هذه جماعة مارون من العراء ولدت، والى العراء تعود في كل حقبة من الزمن، لتبني من جديد وتقول للعالم كله، كان مارون… فكانت المارونية وستبقى.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل