ابي اللمع: “الثالثة ثابتة” وإتكالنا على قناعات أبناء المتن بمشروع “القوات”

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1648:

هي محطات عاشها إبن المتن الشمالي أو قل المناضل المشاغب إدي أبي اللمع منذ اللحظة التي حمل فيها البندقية دفاعا عن أرضه وناسه. يومها كان لا يزال مراهقا لكن رؤيته للمشهد الوطني كانت شبه مؤكدة وواضحة. أقنع أهله أنه مجرد حارس على باب إحدى الثكنات لكن عصب النضال الذي كانت يسري في عروقه حمله إلى أكثر من جبهة. حاول إيهامهم بالرضوخ لطلبهم منه السفر إلى الخارج. أوصلهم إلى المرفأ حيث كانت تنتظرهم الباخرة وعاد إلى الجبهات مقاتلا ومسؤولا عن مواكبة الإعلاميين الأجانب في جولاتهم العسكرية.

صمت المدافع لم يُسكت عصب النضال بل كان بداية مشواره السري. من قرنة شهوان ولقاء البريستول وصولا إلى الأمانة العامة لقوى 14 آذار وإعلان ترشحه للمرة الأولى عن المقعد الماروني في دائرة المتن الشمالي عام 2005 بطلب من النائب ستريدا جعجع، وفي المرة الثانية عام 2009 وصولا إلى انتخابات 6 أيار 2018.

الثالثة ثابتة؟ «لا شيء ثابتاً ومؤكدًا في الإنتخابات النيابية لكن رهاننا على حصاد الزرع الذي عملنا عليه في منطقة المتن الشمالي. ونحن مطمئنون» قالها أدي أبي اللمع. ويبقى الجواب اليقين صبيحة 7 أيار.

يدرك عضو الهيئة التنفيذية  في حزب «القوات اللبنانية» ومرشحه عن المقعد الماروني في المتن الشمالي إدي أبي اللمع أن المعركة الإنتخابية في هذه الدائرة ليست مجرد نزهة ولم تكن يوما كذلك. لكنه يؤمن بأن الحصاد سيكون على قدر الزرع الذي بدأ العمل عليه مع مجموعة كبيرة من الرفاق والمسؤولين في الحزب في منطقة المتن الشمالي منذ العام 2000 مما ساهم في تأمين قاعدة قوية وفاعلة لحزب «القوات اللبنانية» فيها وتوسيع دائرة المناصرين والمؤيدين لمشروع الحزب السياسي والإجتماعي. لكن الوصول إلى هذه النتيجة استوجب التوقف عند الكثير من المحطات ومن محطة النضال العسكري تبدأ الحكاية.

عام 1958 ولد إدي أبي اللمع في منطقة الجديدة وتربى وسط عائلة مؤلفة من 3 فتيات وشابين. وعندما اندلعت شرارة الحرب اللبنانية كان المراهق المتمرد في السابعة عشرة من عمره ولا يزال على مقاعد الدراسة في صف البكالوريا القسم الثاني. لكن أصوات طبول الحرب التي كانت تقرع على الجبهات المحيطة بمنزله العائلي في منطقة الجديدة حركت عصب النضال. وبين ليلة وضحاها استبدل المراهق الحقيبة المدرسية بالجعبة والبندقية واستبدل الزي المدرسي بالبزة الخضراء، ونزل إلى ساحات القتال وأوهم والديه بأن مهامه تقتصر على الحراسة في الحي وأمام الثكنات. لكن الفتى المتمرد كان يؤدي واجبه سرا على الجبهات.

في نهاية العام 1975 سافرت عائلة إدي أبي اللمع إلى فرنسا حيث كان يفترض أن يتسلم والده الذي عمل مستشارا لدى الدولة الجزائرية مهامه هناك. حاول والداه إقناعه بضرورة السفر ومغادرة البلاد خصوصا أن فتيل الحرب بدأ يتمدد على مساحات الوطن. وللمرة الثانية خذلهما عصب المقاوم. أوهمهما بقبول العرض،  وعند وصولهم إلى المرفأ لم يكن يحمل حقيبة السفر. حاولت والدته أن تقنعه بضرورة مرافقتهما لكن من دون جدوى فالقرار اتخذ ولا مجال للعودة عنه خصوصا أنه يتعلق بمسألة تحرير الأرض من المحتلين والطغاة.

خاض أبي اللمع أشرس المعارك على جبهات المتن الأعلى لكن الذكرى التي حفرت أثلاما في جسده ولا تزال، كانت على جبهة بشلاما في منطقة المتين عام 1976. «كنت وحدي بالمتراس وكانت عم تدور معركة كبيرة ضد الفصائل الفلسطينية على الجبهة المقابلة وجماعة أحمد الخطيب. فجأة بتنزل قذيفة 106 ع المتراس وبغيب عن الوعي بسبب ضغط الإنفجار. بيركضوا رفاقي وكان عددنا أقل من 5. بس وعيت رجعت ع الجبهة. يومها ما حدا عرف شو صار معنا وفكروا إنو استشهدنا أو انخطفنا، لأنو كان عددنا قليل بس قاتلنا بشراسة ورجعنا».

دخول جيش الإحتلال السوري إلى لبنان شكل محطة فاصلة في حياته. فقرر أن يسافر إلى فرنسا حيث تقيم عائلته فأكمل مرحلة الدراسة الثانوية في مدرسة الليسيه الفرنسية على رغم تأخره حوالى 3 أشهر على بدء السنة الدراسية، وكان الرهان على عدم تمكنه من اللحاق برفاق صفه. لكنه تحدى الجميع ونفسه ونجح ونال شهادة البكالوريا –  القسم الثاني. ثم التحق بإحدى الجامعات في فرنسا وتخصص في مجال إدارة الأعمال. لكن أخبار المعارك وقوافل الشهداء التي كانت تصله تباعا حركت عصب القضية في داخله من جديد فقرر العودة إلى لبنان نهاية العام 1980 ولم يكن قد تسلم شهادته بعد لكنه تمكن من الحصول عليها لاحقا فالتحق بجامعة القديس يوسف عام 1984 وكان يتنقل بواسطة العكازين من جراء إصابته في إحدى المهمات العسكرية في معركة الجبل ونال شهادة الماجيستير في نفس الإختصاص والدراسات العليا عام 1992.

عام 1981 ساهم أبي اللمع مع قائد «القوات اللبنانية» الشيخ بشير الجميل في انطلاق المؤسسة اللبنانية للإرسال. ويروي: «طلب مني الشيخ بشير تقديم نشرات الأخبار باللغة العامية فتدربت على يد الأستاذ أنطوان نجم وتعلمت منه أصول صياغة الخبر. وفي أحد الأيام وصل الشيخ بشير الجميل إلى مبنى المؤسسة اللبنانية للإرسال بسيارته وكان يقودها كما العادة. دخل المكتب وقال لي: «أنا جيت تا قلك إنو بس تحكي عن القضية بتكون كلماتك عم تطلع من نص قلبك». وأقفل عائدا بسيارته إلى بيروت».

بعد انتسابه إلى حزب «القوات اللبنانية» عام 1982 التحق إدي أبي اللمع بالشعبة الخامسة وأوكلت إليه مهام مرافقة الإعلاميين الأجانب على الجبهات إنطلاقا من خبرته العسكرية وإتقانه لغات أجنبية. «كنت رافق الإعلاميين بجولاتن على الجبهات وأكتر من مرة تعرضنا للقصف والقنص والحمدالله ما حدا انصاب لأنو كان ممنوع يتعرض مطلق أي صحافي معنا لأي أذى. ونجح الرهان باستثناء بعض الإصابات الطفيفة الناتجة عن وعورة الأماكن اللي كنا نتجول فيها خلال إجراء أي تحقيق صحافي أو تصوير الجبهات».

لكن ليس في كل مرة كانت تسلم الجرة ويروي أبي اللمع: «في شباط عام 1984 طُلب مني التوجه إلى منطقة الإقليم لمرافقة وفد إعلامي أجنبي في جولة على الجبهة ونقل وقائع معركة الشحار الغربي. سألت الحكيم: «شو بعمل»؟ قال لي: «بتطلع وبترافق الوفد الإعلامي». وهكذا فعلت. عند وصولنا إلى بلدة عين الحور تعرضت الآلية العسكرية التي كانت تقلني مع إثنين من الإعلاميين الأجانب والسائق إلى حادث حيث انقلبت على ظهرها نتيجة سقوط قذيفة على مسافة قريبة منا وتعرضت لكسور في أضلع القفص الصدري والقدم وتم نقلي بواسطة طراد عسكري إلى إحدى المستشفيات في بيروت. أما الباقون فاقتصرت إصاباتهم على بعض الرضوض.

لقاء إدي أبي اللمع مع سمير جعجع للمرة الأولى ترك آثاره في ذاكرة المناضل المتمرد «كنت إسمع الشباب يخبرو عن سمير جعجع القائد والمقاتل الشجاع والحكيم. بإحدى الإيام وبعد خروجو من دير القمر صودف إنو كنت بالمجلس الحربي وكان الحكيم قاعد بمكتب عفيف ملكون بالشعبة الخامسة. فتت ع المكتب وكان في حوالى 15 شب من الرفاق المقاتلين والحكيم بيناتن. ما كنت بعرف إنو موجود بالمكتب. كان عم يعمل قراءة عن معركة الجبل ووصف الوضع بنفس الطريقة والسيناريو اللي كنت شايفو. بس خلص قربت منو وطلبت منو موعد لجلسة. وعطاني موعد بمكتبو ببرج الفيدار. هونيك كان اللقاء التاريخي بالنسبة إلي لأنو المواضيع اللي طرحت كانت بمثابة قراءة عسكرية وسياسية للمرحلة ولكل شي عم بيصير عا الأرض. بس خلص اللقاء قلتللو أنا طالع معك ع القطارة. استغرب وما أخد كلامي على محمل الجد لأنو ما كان متوقع إنو يطلب مقاتل من بيروت ما بيعرف بجغرافية جبهة الشمال إنو يطلع ع القطارة. وبعد ما تداولنا بهالمسألة قللي بتنقل إضبارتك العسكرية من بيروت للشمال. وسلمني مهام تعبئة الإعلام الخارجي عموما والمحلي خصوصا وبلشت أعمل التقارير الصحافية ولخص أقوال الصحف وحطن على مكتبو يوميا بالإضافة لمرافقة الوفود الأعلامية الأجنبية والتنسيق معن لإجراء مقابلات أو لقاءات مع الحكيم».

لم يقتصر مفهوم تعلق أبي اللمع بالأرض على البزة العسكرية إنما أيضا من خلال تطويرها وتحويلها إلى إرث تتناقله الأجيال. إنطلاقا من ذلك قرر تأسيس تعاونية زراعية في منطقة بساتين العصي وتولى إدارتها إلى جانب مهامه العسكرية والإعلامية في ثكنة القطارة، واستمر على هذا النهج حتى العام 1987 حيث انتقل الى المجلس الحربي مع الدكتور سمير جعجع واستمر في مهامه كمرافق للوفود الإعلامية الأجنبية.

وعلى رغم التحاقه بالعلاقات الخارجية في «القوات اللبنانية» في العام 1987 وتسلمه مهام نائب الرئيس قيصر نصر استمر أبي اللمع في دوره الإعلامي وتولى مسؤوليات مكتب الإعلام الخارجي، وتابع هذه المهام في مرحلة التسعينات. وخلال حرب الإلغاء تسلم مهام الشعبة الرابعة لمدة 3 أشهر.

في العام 1988 تزوج إدي أبي اللمع من رنا الغريب وفي العام 1989 سافرت إلى فرنسا بعد حملها بابنهما البكر نزولا عند طلبه بسبب ظروف الحرب. ومع اقتراب موعد الولادة أصرت الزوجة على وجود إدي إلى جانبها وإلا يكون الخيار البديل في العودة إلى لبنان تحت القصف. عندها قرر إدي السفر إلى فرنسا وفي منتصف أيار من العام 1989 ولد إبنهما فائق أبي اللمع فكان الحدث بمثابة محطة فاصلة في حياة إدي حيث قرر أن يستقر في فرنسا وبدأ العمل في عدد من الشركات وكان مقررا أن يتسلم منصب مدير إداري في أربع شركات. لكن عصب المناضل جمد كل المشاريع. في 22 كانون الثاني استقل القيادي أبي اللمع الطائرة مع زوجته والمولود الجديد ووصلوا إلى بيروت في زيارة عائلية لمدة 10 أيام. هكذا كان مقررا حتى يتسنى له العودة في بداية شهر شباط لتسلم منصب المدير الإداري في الشركات الفرنسية. لكن شرارة حرب الإلغاء جمدت اللحظة والمشاريع فقرر البقاء في لبنان وكذلك زوجته رنا التي رفضت السفر وحدها. والتحق بالشعبة الرابعة قبل أن ينتقل إلى غدراس لتبدأ معالم النضال السري.

قبل يوم من اعتقاله التقى أبي اللمع بالدكتور سمير جعجع. تفاصيل اللقاء لا يزال يتذكرها. قال لي: «ما حدا بيقيم سمير جعجع إلا سمير جعجع». قلتلو: «شو؟ خلص؟» قال لي: «إيه خلص. ناطرين تا يوصلوا». قلت له: «هيك ناطرين؟ بس يا حكيم شو بيعملوا الشباب بغيابك؟» قال لي: «ما تخاف ع الشباب. بتوقيفي بكون نفست جزء كبير من الإحتقان ولما يطالوني ما بقا راح يطالوا الشباب وبكون أخدتها بصدري». قلت له: «بس ما فينا نترك «القوات» بهالطريقة وإنك إنت تضحي بنفسك. ما فينا نمشي بهالاتجاه».

قال لي: بدي تعرف شغلة. هالمرة ما حدا بيقيم سمير جعجع إلا سمير جعجع ولما يستهدفوني بكون فديت «القوات اللبنانية» بنفسي. أنا ما عندي أي مشكلة إنو واجه قدري ومصيري بهالطريقة. لما كنا نبعت الشباب عالجبهات كانوا يقاتلوا ويستشهدوا. هلق إجا دوري… إذا كان هيدا قدري رح إمشي فيه للآخر. الهريبة مش حل. بتحملنا مسؤولية أكبر. نحن أبرياء من هالتهم ورح برهن هالشي. إذا قدرت بكون قدرت وإذا ما قدرت بكون عشت قدري». قلت له: «بغيابك شو بتريد نعمل؟» قال لي: «أول فترة بتروحوا تشوفوا ستريدا. هي رح تضل على تواصل معي وبالتالي بتقلكم شو لازم ينعمل».

بعد انتقال النائب ستريدا جعجع إلى يسوع الملك بدأت مرحلة النضال السري: «ما كنا نجتمع كلنا سوا بس كنا نتلاقى بين بعضنا حسب ما نكون موجودين. كان هيدا البيت أحد الأماكن اللي كنا نجتمع فيها بالسر. بالبداية كان مطلوب نضل رايقين لأن أي ردة فعل مش محسوبة كان ممكن تنعكس مباشرة على الحكيم».

مع بدء المحاكمات استمرت اللقاءات السرية: «كنا حاسين بالغبن ومعتبرين إنو مش بهالسهولة بيقدروا يسيطروا علينا ويسكتونا وينسونا كل نضالاتنا. صارت عدة اجتماعات عندي بالبيت وكان يصير فيه تبادل للآراء. كان في عدة وجهات نظر، وصار في إجماع على ضرورة نرجع نتنظم بشكل سري وبعيدا عن الأنظار حتى ما تروح «القوات» تنام وتنتظر نتيجة الأحكام لأن كنا صرنا عارفين إنو ما فينا ننطر شي إيجابي من المحاكمات. وكانت ستريدا بمثابة صلة الوصل بيننا وبين الحكيم. كانت عم تشوفو وبلّشنا ناخد أخبار عنو وبالتالي ركبت هالحلقة بين القائد وبيننا».

مرحلة النضال السري استمرت حتى بعد توقيف الحكيم: «اعتبرنا إنو ما لازم نوقف شغلنا. بفترة من الفترات اهتميت بمنطقة بيروت. كنا مقسمين حالنا مناطق وقطاعات وكان صار في مسؤول عن كل منطقة. كنا نجتمع بهالصفة ونتصرف على هالأساس. وكان بيهم السلطة كتير تعرف شو عم نشتغل. كان بدن يضربولنا هالتركيبة اللي عم نعملها، ويستدرجونا ليعرفوا كيف صرنا منظمين».

بعد انتهاء الحرب أسس إدي أبي اللمع شركة زراعية إلى جانب مهنة التعليم التي بدأ يمارسها منذ العام 1986 في عدد من الجامعات الخاصة واستمر حتى العام 2016.

من لقاء قرنة شهوان إلى لقاء البريستول بدأت مرحلة النضال السياسي وصولا إلى المجلس النيابي. «عام 2005 طرحت علي النائب ستريدا جعجع فكرة الترشح للإنتخابات النيابية عن المقعد الماروني في منطقة المتن الشمالي. شخصيا لم يكن لدي أي طموح سياسي ولم أفكر يوما في الترشح لأن همي كان محصورا في عملية التنظيم في المناطق والمصالح ولاحقا تسلمت مهام منطقة المتن الشمالي. بعد إعلان ترشيحي على لائحة 14 آذار بدأنا العمل لإثبات حضورنا لكن الفوز لم يكن حليفنا وكذلك في العام 2009».

نسأل الثالثة ثابتة؟ يجيب العضو في الهيئة التنفيذية في حزب «القوات اللبنانية» إدي أبي اللمع: «ما في شي اسمو أكيد بالانتخابات لكننا مطمئنون للنتائج نتيجة مسار النضال الطويل الذي بدأناه منذ العام 2005. واليوم أخوض المعركة بثقة أكبر نتيجة الحضور القواتي الذي تعزز في منطقة المتن الشمالي بعدما رسخنا حضورنا السياسي في منطقة أقل ما يقال فيها إن الإنتخابات النيابية فيها ليست مجرد نزهة. ونعوّل على المؤيدين والمناصرين». و6 أيار لناظره قريب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل