750 مليار ليرة طارت خلال شهرين… من كان يستغل قروض الإسكان؟

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1648:

القروض المدعومة من مصرف لبنان لم تتوقف، وهي مستمرّة وإن بشروط جديدة. السيولة متوفّرة ولم تنفد، وإن كان الأمر بات يستدعي ضبط إنفاقها وتحديد الآليات الأفضل لذلك. الأمر تحت السيطرة بكل المعايير؟ نعم. ولكن هذا لا يُنفي أن البلبلة والإرتباك اللذين يُطلان برأسيهما كل مدّة، باتا يخلقان ريبة عند المواطنين لا تبددها تماما التوضيحات التي تلي كل جولة من هذا الإرتباك. لماذا الأمر بات يتكرر كل دورة فصلية تقريبا؟ ولماذا دائما يحتاج الناس إلى توضيحات لتهدئة النفوس؟ ثمّة أمور باتت تلامس الخطوط الفاصلة بين الركون والقلق. وثمّة مخاوف من تكرارها مستقبلا، كون الحلول غالبا ما تكون مرحلية وليس نهائية، وكون الأسباب المقلقة مستمرّة نتيجة الأداء السياسي العام غير السّويّ!

 

استعاد اللبنانيون النقزة التي انتابتهم في تشرين الأول الماضي عندما أثار إعلان مصرف لبنان توقفه عن دعم القروض المصرفية بلبلة في الأسواق. وتضاربت الأنباء عن الأهداف وراء هذا التوقف والقطاعات التي سيطالها. فالقروض السكنية كانت تشكّل أكثر من 60 في المئة من القروض المدعومة. إلا أن مصرف لبنان لم يتأخر في الكشف أن هناك تعميماً صدر يوضح الآلية الجديدة لدعم القروض، وأن دعم القروض السكنية سيبقى على حاله، في حين أن دعم القروض للمؤسسات سيتحوّل من الليرة إلى الدولار بغرض ضبط الكتلة النقدية، أي تخفيف الطلب على الدولار.

بعد شهرين ونصف، فوجئ اللبنانيون من جديد ببلبلة مماثلة حول القروض المدعومة وقِيَمها والفوائد عليها وفترات السداد. ففي 18 كانون الثاني الماضي افتتح مصرف لبنان صفحته الرسمية على «تويتر» بتغريدته الأولى المتضمّنة تأكيد استمراره بتحفيز القروض السكنية والإنتاجية بعد إستنفاد آخر رزمة من القروض السكنية وقيمتها 750 مليار ليرة خلال شهرين ونصف الشهر. وأضاف: «نتج عن هذا الطلب غير الإعتيادي وبفترة قصيرة تأخير مقبول بمتابعة الملفات وإصدار الموافقات، مؤكدا أنه يُعِدّ رزمة جديدة».

لكن الرزم المعدّة باتت لا تكفي للفترات المحددة لها، ما يضطر المصرف المركزي إلى استدراك المسألة وإعادة ترتيب الوضع من جديد والعودة إلى التوضيح مرّة بعد مرّة، لتبديد المخاوف. فما الذي يحصل فعلا، وما هي أسبابه؟

المشكلة تتكرر

خلال الأيام الماضية أقلق اللبنانيين خبر احتمال تغيير شروط القروض المدعومة، ومنها قروض الإسكان، سواء لناحية إمكان رفع نسبة الفوائد المتدنية عليها ورفع قيمة الدفعة الأولى، أو لناحية تقليص فترات السداد. هذا الأمر وإن سارع المصرف المركزي إلى توضيحه وتبديد المخاوف التي رافقته، إلا أنه ترك تساؤلات عديدة عن أسباب هذه التطورات والآليات التي تحول دون حصولها مستقبلا.

لم يطل الوقت قبل أن يصدر مصرف لبنان في الثاني من الشهر الحالي، تعميماً وسيطاً رقمه 485 يضع آلية جديدة لدعم القروض بمبلغ 1495 مليار ليرة أو ما يعادل 992 مليون دولار. وقد تقرر توزيع هذا المبلغ على المصارف وفق «كوتا» حدّدها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، كما أن 46 في المئة من المبلغ المرصود ستكون بالدولار الأميركي، و50 في المئة مخصصة للقروض السكنية.

وبالتوازي، أصدر حاكم مصرف لبنان رياض سلامه تعميما موجها للمصارف والمؤسسات المالية، لحظ بعض التعديلات على التسهيلات التي يمنحها مصرف لبنان للمصارف والمؤسسات المالية، التي تقوم بدورها بمنح القروض المدعومة للأفراد وخصوصا القروض السكنية المدعومة. وإستنادا الى هذا التعميم، فقد وضعت المصارف رزمة من الأموال لتأمين هذه القروض وتحديدا القروض السكنية.

الآلية الجديدة، جاءت بعد سلسلة قرارات صدرت عن مصرف لبنان في الأسابيع الماضية بدأت بوقف دعم القروض بالعملة المحليّة وتخصيص الدعم للقروض بالدولار، مع بعض الاستثناءات للسكن والتعليم والقروض الصغيرة، قبل أن تصدر تعاميم تتشدّد في تطبيق شروط منح القروض. ثم صدر التعميم الأخير الذي يعيد توزيع الدعم تبعاً لعملة القرض والمصرف والقطاعات.

ويوضح مصرف لبنان أن هذه الآلية صُمّمت بهدف الحفاظ على سيولته وتحفيز المصارف على استعمال سيولتها. لكن هل صحيح أن كلفة القرض ستزيد بنحو نصف نقطة مئوية، فيما بات على المصارف التأكّد من انطباق شروط الدعم على المقترض تحت طائلة التغريم بما يوازي 15 في المئة من قيمة القرض، وأن كلفة القروض سترتبط بمؤشّر توظيف المصارف لدى مصرف لبنان؟

إيضاحات لتبديد المخاوف

مصدر مسؤول في مصرف لبنان أوضح لـ»المسيرة» أنه بحسب التعميم 485، فإن المركزي يخصّص 750 مليار ليرة لدعم القروض السكنية، و22 ملياراً لدعم القروض التعليمية، و30 ملياراً لدعم القروض الصغيرة. كذلك خصّص 460 مليون دولار لدعم القروض الأخرى الممنوحة بالدولار. ويحدّد التعميم حصّة كل مصرف من الدعم المخصّص لعام 2018 من خلال حدّ أقصى لكل مصرف يحدّده حاكم مصرف لبنان على أساس مجموع القروض المستفيدة من حوافز المركزي، أي أنه سيُحصي مجموع المبالغ التي استفاد منها كل مصرف وفق آلية الدعم السابقة المعروفة باسم «حوافز مصرف لبنان»، وسيحوّلها إلى نسبة تصلح لتوزيع مبالغ الدعم وفق الآلية الجديدة.

وكشف المصدر المعني أن التغيير الأساسي في آلية القروض المدعومة، لا يتعلق بشروط الإقراض للزبائن، بل بطريقة التمويل والكلفة. ففي السابق كان مصرف لبنان يضخّ مبلغاً مدعوم الكلفة، تستعمله المصارف لإقراض الزبائن بفائدة لا تزيد على 5 في المئة. أما الآلية الجديدة فتفرض على المصارف استعمال سيولتها لإقراض الزبائن مقابل الاستفادة من دعم مصرف لبنان بالاستناد إلى معادلة احتساب جديدة تربط فائدة القرض بمؤشر توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، بدلاً من اعتماد مؤشر سندات الخزينة. وهذا ما يفرض ارتفاعاً في فائدة القرض السكني بنحو نصف نقطة مئوية.

ولكن ما الدافع وراء هذه الخطوة؟

يجيب المسؤول أن الدافع وراء هذا القرار وما سبقه من قرارات تتعلق بدعم القروض، يكمن في السياسة النقدية التي تعاني من «هدر ما في آليات الدعم» لم يعد جائزا الإستمرار به. إذ تبيّن أن قسماً من القروض المدعومة كان يُستعمل لتمويل مضاربات على العملة ومضاربات عقارية، فيما الدعم مخصّص لرسملة الشركات وتنمية قدراتها، ولتمويل القدرة الشرائية للأسر الفقيرة أو المتوسطة. ويُلمح إلى خلل ما سببه السلطة السياسية وأداءها، مؤكدا أن الوضعين المالي والنقدي سليمين، لكن الضغوط عليهما من الأداء غير المسؤول لبعض المسؤولين تزداد، وهو ما لا يجوز أن يستمر. فمن جهة هناك عجز متراكم في ميزان المدفوعات على مدى السنوات السبع الأخيرة بما يزيد على 9 مليارات دولار، ومن جهة ثانية هناك صعوبة في استقطاب الدولارات من الخارج بسبب الوضع العام وتداخل العديد من العناصر السلبية فيه.

وفيما حمّل مصرف لبنان، المصارف المعنية مسؤولية المخالفات، قال المصدر المذكور إن الفقرة العاشرة من المادة الأولى من التعميم نصّت على أن «يتحمّل كل مصرف يمنح قروضاً من الفئات المحددة، مسؤولية صحة تنفيذها ومراقبة استعمالها وتطابقها مع الغاية الممنوحة من أجلها، وذلك تحت طائلة تسديد قيمة الدعم المدفوعة من مصرف لبنان مقابل كل قرض ممنوح بطريقة مخالفة لأحكام هذه المادة، والزام المصرف المعني بدفع تعويض بمثابة بند جزائي.

عالجوا أساس المشكلة

مسؤول التحليل المالي في أحد المصارف اللبنانية الكبرى شدد لـ«المسيرة» على ضرورة تحييد آليات العمل المصرفي عن أية مخالفات تضر ليس فقط بالمصارف نفسها بل بالإنضباط المالي والإقتصاد الوطني ومناعة لبنان تجاه هذه الأزمات. إذ إن هناك من يستغل القروض المصرفية المدعومة للحصول على مكاسب غير التي أنشئت القروض لتلبيتها. وكشف أن نموّ الودائع يكاد يوازي صفراً إذا احتسبنا النموّ الناتج من الفوائد المصرفية على قاعدة الودائع، ما يجعل أولوية مصرف لبنان تصبّ في كيفية الحفاظ على احتياطياته بالعملة الأجنبية بما يضمن له ضبط السيولة من خلال التشدّد أكثر مع المصارف بعد اكتشاف عدد من المخالفات.

ولفت المسؤول المالي إلى أن المخالفات منها ما هو من داخل القطاع ومنها ما هو من خارجه، ومنها ما هو غير مباشر ناتج عن أداء المسؤولين غير المسؤول تجاه القضايا الحساسة. ومن ناحية أخرى إن مؤشر سندات الخزينة كان في السابق مرتبطا بكلفة التمويل والدعم، إلا أنه مع ارتفاع مستوى توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان إلى أكثر من 100 مليار دولار لم تعد هناك مصلحة للمصارف في أن يبقى المؤشر هو سندات الخزينة التي انخفضت كلفتها، ولا سيما أن مصرف لبنان اكتتب في الفترة الأخيرة بمبلغ3000  مليار ليرة بفائدة 1 في المئة.

وأشار هذا المسؤول إلى أن لارتفاع الفائدة أسباباً ومنها استمرار العجز في الموازنة العامة الذي يؤدي الى ارتفاع حاجة الدولة إلى الاستدانة بشكل كبير. وارتفاع الإستدانة يرفع المخاطر وبالتالي الفوائد على الدين، وهذه مسؤولية الطبقة السياسية والسلطة التنفيذية، التي تُنفِق في الغالب لأسباب إنتفاعية وخصوصا في هذه الفترة السابقة لانتخابات نيابية يستغلها البعض، فيما خفض العجر سيؤدي الى تراجع الحاجة للاستدانة، ثم خفض الفوائد. والمصارف لا تنفك تطالب الدولة بخفض العجز في الموازنة لخفض الفوائد، وهذا الأمر ينجح في حال وجود خطة جدية للاصلاحات نجدها عند عدد قليل من الوزراء. فلا يجوز أن يبقى المواطن يدفع ثمن سوء الادارة في القطاع العام، وارتفاع النفقات، والتوظيف العشوائي وسوء ادارة المالية العامة.

ولكن في المحصّلة طمأن المسؤول المالي أن لا زيادة على نسبة الفائدة ولا تقصير للمدة الزمنية من 30 الى 20 سنة، ولا دفعة مقدمة سلفاً بنسبة 40 في المئة من سعر الشقة. وأن كل الشائعات بددها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي أكد بعد لقائه مدير عام الاسكان المهندس روني لحود الأسبوع الماضي «استمرار العمل في قروض المؤسسة العامة للاسكان بالشروط عينها دون زيادة فوائدها. فالقروض عبر المؤسسة العامة للإسكان، تبقى الفائدة عليها أدنى بمعدل نقطة مئوية، وقروض إسكان العسكريين وباقي البروتوكولات من تعاضد القضاة وقوى الأمن الداخلي والجمارك الأمن العام وسواها أدنى بنقطتين مئويتين، أي أن الفوائد على المقترض ستبقى كما هي من دون زيادة عما كانت عليه.

ويشير لحود «الى أن ما حصل هو أن «السيولة التي جرى ضخّها في السوق العقارية، وهي تبلغ 750 ملياراً استنزفت، لكن بشكل أسرع من المتوقع»، لافتاً الى أن «نفاد الميزانية المخصصة للقروض مجدداً ليس بالأمر الجديد، وهو أمر يحصل كل عام، ليتم ضخ أموال جديدة للقروض السكنية». ويضيف أن «تعميم حاكم مصرف لبنان الجديد يؤكد بشكل واضح أن «باستطاعة البنوك ان تستخدم أموالها لإعطاء القروض لطالبيها، مع دعم للفائدة من قبل مصرف لبنان خلافا لما كان عليه الوضع في السابق». ويؤكد لحود أن هذا الأمر سيدعم أكثر عملية الإقراض، مع أهمية الإشارة الى أنه يعود بالفائدة على الإقتصاد اللبناني بشكل عام.

 

شروط مصرف لبنان للاستفادة من الدعم

•           أن تكون القروض ممنوحة لتمويل مشاريع جديدة أو توسيع مشاريع قائمة وغير ممنوحة لإعادة تمويل مشاريع قائمة أو لشراء مساهمات أو مشاركات أو لتسديد قروض سابقة.

•           ألا تكون ممنوحة لتمويل مشاريع تتعلق بالالتزامات متعاقد عليها مع الدولة اللبنانية أو البلديات أو المؤسسات العامة.

•           أن تكون القروض السكنية كافة ممنوحة لشراء أو بناء مسكن في لبنان لمرة واحدة، على أن يكون هذا المسكن مقر الإقامة الرئيسي للعميل اللبناني أو المغترب.

•           ألا تتجاوز، خلافاً لأي نصّ آخر، الفوائد والعمولات من أي نوع كانت التي تحتسب سنوياً على هذه القروض النسب المحدّدة في جدول مرفق بالتعميم.

•           أن يتم تسديد هذه القروض بدفعات تستحق في نهاية كل شهر أو كل فصل وفقاً لما هو محدّد في العقد الموقع بين المصرف المعني وعميله.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل