
نظمت جمعية “نساء المستقبل” ندوة لمناسبة الذكرى الثالثة عشرة على استشهاد الرئيس رفيق الحريري في مسجد محمد الأمين، برعاية السيدة نازك الحريري ممثلة بالسيدة هدى طبارة وحضور الرؤساء سعد الحريري ممثلا بالنائب باسم الجسر، حسين الحسيني، فؤاد السنيورة والوزراء مروان حمادة، جان اوغاسابيان ومعين المرعبي، النواب: بهية الحريري، باسم الشاب، محمد قباني، عاطف مجدلاني، محمد الحجار، غازي يوسف، عمار حوري، خالد زهرمان، نبيل دو فريج، رياض رحال، كاظم الخير وأحمد فتفت، الوزير السابق سليم الصايغ وعدد من عقيلات النواب الحاضرين، السيد شفيق الحريري، رئيسة جمعية “نساء المستقبل” ليلى فليفل الترك وأعضاء الجمعية وممثلات عن الجمعيات النسائية والاجتماعية وحشد من الشخصيات السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية.
وقال الرئيس السنيورة: “نقف اليوم هنا، في مسجد محمد الأمين، لنستعيد ذكرى الرجل الذي بنى هذا المسجد وهذا الصرح، وقلب هذه المدينة وهذه الساحة المحيطة. ذكرى الرجل الذي لم يخطر بباله فيما كان يسعى جاهدا لإنجاز هذا المسجد، أنه سيرقد بالقرب منه. وكان في إلحاحه ومثابرته على تسريع إنجاز بنائه، كمن يسعى، من دون أن يدري، إلى تحضير مثواه عند استشهاده لكي يرقد، قرير النفس، في جواره. ولم يخطر بباله وهو يعيد بناء قلب بيروت انطلاقا من ساحة الشهداء أنه سيصبح أبرز الشهداء فيها، بل رمزا للشهادة”.
وأضاف: “لقد كان المدخل الجديد لإعادة البناء الوطني عنده إذا يستند إلى أمور ثلاثة: التنمية الإنسانية والاقتصادية والعمرانية، والتعليم المتلائم مع حركة العصر ومع حاجات لبنان وشعبه من أجل تحقيق النهوض المنشود. وهاتان ميزتان للبنان، يجمع عليهما اللبنانيون. أما الأمر الثالث فهو البناء السياسي باعتباره أبرز تجليات العيش المشترك. إذ إن اللبنانيين طمحوا دائما لإقامة الدولة السيدة والقوية والعادلة والمستقلة التي تستطيع أن تحملهم إلى المستقبل الواعد. كانت رؤية الرئيس الحريري في أن الأزمة يجب أن تنتهي يوما ولا يمكن أن يبقى لبنان في قلب الأزمة الطاحنة، ولهذا كان يرى أن على اللبنانيين أن يعملوا للخروج من هذا الأتون المدمر، وأن عليهم التحضر لكي يكونوا على أهبة الاستعداد للانطلاق مجددا نحو التلاؤم مع محيطهم العربي ومع العالم من حولهم، بحيث يشكلون هم ووطنهم لبنان قيمة مضافة لهم ولمحيطهم العربي وللعالم”.
وتابع: “لقد كان لرفيق الحريري، كما يعرف كل الذين شاركوا في الطائف الدور الكبير ولو من خلف الكواليس لإنجاز هذا الاتفاق عبر المشاركة في تحضير الصيغ والمقترحات والنصوص التي جرى إعدادها تحضيرا للاجتماع. كان رفيق الحريري يعمل بكل الاتجاهات وليل نهار لاستنهاض لبنان وإطلاق حيوية جديدة في صيغته الفريدة في العيش المشترك، والتي تمثل رسالته لأبنائه وللمجتمعات المتنوعة في محيطنا العربي وفي العالم. وهو بينما كان يعمل من أجل أن يمسح الخراب عن بيروت وعن مناطق عديدة أخرى من لبنان كان في الوقت عينه، يدفع باتجاه إنجاح الحل السياسي من أجل ضمان استمرار تدفق الحيوية والحياة والاندفاعة في مشروعه النهضوي للبنان”.
وأردف: “لقد اضطلع رفيق الحريري وقبل أن يتم تكليفه برئاسة الحكومة في عهد الرئيس الياس الهراوي بدور حارس الجمهورية واضعا امكانياته المادية وصلاته السياسية والدعم الكبير المفتوح من المملكة العربية السعودية والأصدقاء الأوروبيين في خدمة لبنان وعودة لبنان الى الحياة الطبيعية. ولقد عمل الرئيس الحريري بعد ذلك على إغناء الصيغة اللبنانية القائمة على الميثاق الوطني، والتي أصبحت تستند إلى وثيقة الوفاق الوطني اللبناني، وكجزء لا يتجزأ من الدستور اللبناني الذي انبثق من هذه الوثيقة. لقد أصبح ذلك كله من أهم النتائج لواقع العيش المشترك بين اللبنانيين، والذي يشكل رسالة لبنان لمواطنيه ولمحيطه وللعالم. ومن أجل ذلك حرص الرئيس الحريري على تعميق الممارسة الديموقراطية وترسيخها من أجل تحقيق ديمومة النهوض الوطني والإنساني والاقتصادي والاجتماعي الذي حلم به وضحى من أجله اللبنانيون شيبهم وشبابهم على مدى عقود طويلة ماضية”.
وتابع: “لقد تغيرت الظروف، ويقول البعض إن الأولويات تغيرت. لكن تعالوا نستعرض أولويات رفيق الحريري، في ضوء متغيرات الثلاثة عشرة عاما الماضية:
الأمر الأول: كان همه تعزيز التمسك باتفاق الطائف والتأكيد على احترام الدستور. فاتفاق الطائف هو الذي أنهى الحرب الأهلية، وفتح المجال لإقامة نظام المشاركة، وصار أساسا لبناء وطني جديد.
فاتفاق الطائف هو الذي صالح المسيحيين مع عروبتهم كما صالح المسلمين مع لبنانيتهم. وبالتالي فقد أصبح اللبنانيون مواطنين ينتمون إلى طوائف مكونة لا تمييز بينها ولا درجات لها في المواطنة. فالدستور هو الذي يجمع اللبنانيين والقانون يجب أن يطبق على جميعهم من دون استثناء. واتفاق الطائف هو الذي أسس لبناء الدولة المدنية التي يتساوى فيها المواطنون بالحقوق والواجبات، وذلك من خلال تجاوز الطائفية وبناء نظام المجلسين: مجلس تشريعي يؤمن الحقوق للمواطنين الافراد، وآخر يؤمن الضمانات للطوائف والجماعات. وهو الاتفاق الذي ألغى أي امتيازات لأي جماعة على حساب أي جماعة أخرى. فلا حقيبة وزارية ولا موقعا دون ذلك مكرسا لطائفة أو لحزب معين كما انه ليس هناك من حقيبة وزارية أو موقع ما دون ذلك محظور على أي طائفة لبنانية مهما صغرت، وتاريخ لبنان السياسي شاهد على ذلك. كذلك فإنه لا اختصاص لتيار أو لفريق من اللبنانيين فهذا مهتم بالإعمار وينحصر دوره هناك، وآخر مهتم بالسيادة والاستقلال ولا أحد غيره لديه القدرة على مساءلته فيما يقوم أو لا يقوم به. المهم هو استمرار احترام مواقع الجميع شرط أن يحترموا مواقع الآخرين.
إن اتفاق الطائف هو الذي يوفر ويتوافر له وبفضل مرونته وأصالته واستشرافه استقرارا دستوريا وقانونيا للبنان، بحيث يمكن ودونما انفعال أو تسرع دراسة إمكانيات التطوير والتحسين مع استكمال تطبيق ما ينص عليه هذا الاتفاق، وذلك أيضا مع استعادة الدولة لدورها ولحضورها ولسلطتها الحصرية على كامل التراب اللبناني استنادا إلى القوى الشرعية المتمثلة بالجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية.
والأمر الثاني: العمل على استعادة التميز والتفوق اللبناني في التربية والتعليم وإنجاز البنى التحتية والمرافق الصحية، وبناء التكنولوجيات الجديدة لاستقبال الجديد العالمي والإنساني ولتتعزز القدرة التنافسية للإنسان والاقتصاد اللبناني. وهو الأمر الذي كان يفترض أن تتعزز مسيرته ويستمر تقدمه وتلاؤمه مع مقتضيات المراحل المستجدة.
والأمر الثالث: تعزيز معدلات النمو الاقتصادي وتوسيع إطار التنمية المناطقية والمشاركة مع القطاع الخاص بما يسهم أيضا في تكبير حجم الاقتصاد بالتشارك بين القطاعين الخاص والعام، والانفتاح على الاقتصادين العربي والدولي بما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المستدام.
والأمر الرابع: ومن ضمن خدمة البناء الوطني والبناء السياسي والإداري للدولة، التأكيد على اعتماد واحترام معايير الكفاءة والجدارة والاستحقاق في تولي الوظائف العامة، بحيث تتعزز حيوية وإنجاز الإدارة والمؤسسات العامة، وتتعزز عناصر ومناخات النهوض الاقتصادي والاجتماعي، ويتحسن عمل المؤسسات العامة والخاصة، بحيث يشعر الشباب اللبنانيون المتميزون أنهم موضع رعاية وتقدير، وليسوا عالة على المواقع السياسية. كما تتعزز فرص العمل من أمام جميع اللبنانيين ولاسيما من أمام الشباب في شتى المناطق اللبنانية وتتحسن مستويات وأدوار القطاع الخاص في تحقيق النمو وتوفير فرص العمل الجديدة.
والأمر الخامس: إقامة أفضل العلاقات مع دول العالم العربي، وفي الطليعة المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، وجمهورية مصر العربية، ومع جميع دول العالم القريب والبعيد ومع عواصم القرار في أوروبا وأميركا وآسيا وذلك على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون اللبنانية أو التدخل في شؤون الآخرين”.
وسأل: هل أي من هذه الأمور لم يعد أولوية اليوم؟ كلها ما تزال أولوية. ولو تأملنا المشكلات الحاصلة لوجدنا أنها في معظمها ناجمة عن الإخلال بهذه الأولوية أو تلك أو بها جميعا.
نستذكره اليوم في الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاده رحمه الله، على أمل أن نسترشد بتجربته الهامة ورؤيته الكبيرة وحيويته التي لا تعوض. أليس هو القائل: “ما حدا أكبر من بلده”. هذا صحيح ولكن ماذا يستطيع الرجل الكبير أن يفعل في وجه من يحاولون دائما أن يعيقوا نهوض هذا الوطن، الكبير بطموحات أبنائه، لكي يصبح على قياسهم”.
وشدد على انه “من الطبيعي عدم الاستسلام لأولئك وأن يستمر السعي مع الأمل أن يتعزز التمسك بالإنجازات التي عمل الرئيس الشهيد من أجلها وأهمها الحفاظ على الطائف والدستور والدولة المدنية الحرة المستقلة السيدة على كامل أرضها وإداراتها ومؤسساتها، دولة المواطنة القادرة على احتضان كل اللبنانيين وخدمتهم، والعمل بكفاءة من أجل النهوض والتلاؤم مع مقتضيات المستقبل.
إننا على ثقة أن دولة الرئيس سعد الحريري يتابع مسيرة والده الشهيد ويسير على خطاه محافظا على إرثه الكبير ومتمسكا بجميع الثوابت والمبادئ والاولويات، معززا ذلك بإرادته وعزيمته وتوفيق من الله عز وجل، من أجل أن يتأمن للبنان واللبنانيين طريق المستقبل الواعد والزاهر تحقيقا لما كان يحلم به شهيدنا الكبير وعمل عليه طوال حياته”.
وختم السنيورة: “رفيق الحريري رجل الدولة والعصر والمستقبل. فهناك جيل كامل وواسع من اللبنانيين والعرب والدوليين ما زالوا يعتزون بأنهم كانوا يعرفونه أو كانوا على علاقة به أو عملوا معه أو عايشوه. وهناك أجيال قادمة من اللبنانيين سوف تقتدي بخصاله وبمسيرته، وهي التي سوف تستولد من محبته الخالصة للبنان ومن أحلامه الكبيرة من أجل لبنان زادا لا ينضب من أجل تحقيق أحلامها في الانتماء لوطن يريدون ان يكونوا فيه ومعه وأن تكون لهذا الوطن مكانته تحت الشمس وقدره الكبير بين الأمم.
وعلى أمل أن نرى العدالة وقد تحققت بكشف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان للمجرمين الذين اغتالوا ذلك الإنسان العظيم ورفاقه الشهداء، نسأله تعالى أن يسبغ على رفيق الحريري ورفاقه الشهداء الابطال فيضا من رحماته وأن يسكنهم فسيح جناته”.