تيلرسون في لبنان الخميس… هل من مكان لـ“تدوير الزوايا”؟

هل كان اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط الـ2005 “عمليةً استباقية” لانقلابٍ في لبنان والمنطقة ما زالت تتوالى زَلازِله؟… إنه سؤالٌ تستعيده اليوم بيروت، ومعها العواصمُ “المنْكوبة” في الإقليم، على وقع إحياء الذكرى الـ13 لما وُصف بـ“جريمة العصر” التي تَنْظر فيها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في لاهاي.

وحده المسرح السياسي لاغتيال الحريري يَجعل من الجريمة “عمليةً استباقية” لما حلّ بلبنان والمنطقة عبر أوجه شبه بين ما جرى في 14 شباط 2005 وما يجري منذ 13 عاماً مفتوحة على ما هو أدهى في صراعٍ بدأ بانفجار طن ونصف من البارود على تخوم بحر بيروت، وكأنه “بروفة” لما حلّ بعواصم كثيرة في المنطقة.

قبل نحو شهرين ونصف الشهر من لنتخاباتٍ نيابية كان مزمعاً إجراؤها في أيار 2005 في لبنان، كما هو الحال اليوم، دوى لنفجارٌ هائل اصطاد رفيق الحريري بعد خروجه من جلسة برلمانية تناقش قانون الانتخاب. شُطب الرجل القويّ من المعادلة بعدما بنى تحالفاً وطنياً يتيح له استرداد القرار اللبناني من سورية ومحورها.

كان رائجاً في ذلك الزمن، وبعد الاجتياح الأميركي للعراق في الـ2003 المنطق الغربي الداعي إلى “حكم الأكثريات” في المنطقة بعدما حَكمتْ الأقليات بالحديد والنار على غرار صدّام والأسد، فكانت “العملية الاستباقية” بإزاحة الزعامة التي تشكّل مشروعاً يتجاوز لبنان، فقُتل الحريري بقرار إقليمي كبير لمواصلة استباحة لبنان وسورية وما تَيسّر من دول أخرى.

وفي 14 شباط 2018 تدحرجتْ بعيداً كرة النار التي كانت حوّلت رفيق الحريري أشلاء، وصار معها السؤال يتردّد فوق كل أصقاع الجغرافيا المشتعلة… مَن يُمْسِك بالإمرة في لبنان الهش؟ مَن يحكم سورية المشلَّعة؟ مَن يدير العراق المتهالك؟ لمَن الغلبة في اليمن غير السعيد أبداً؟ و… و…

بدت “الحريرية” بعد رفيق الحريري في صعود وهبوط قبل أن تقرّر الانكفاء الى خطوط دفاعية عبر تسويةٍ جاءت بزعيم “التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون، حليف “حزب الله” إلى رئاسة الجمهورية، حين رأتْ أن الواقعية تُمْلي التكيّف مع المتغيرات في المنطقة، وها هي تتجه الآن إلى الانتخابات وليست في أحسن حال.

ويطلّ اليوم رئيس الحكومة سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده، في مهرجانٍ يقام في “البيال”، بخطاب يعكس الرغبة في التعايش مع التحولات في لبنان والمنطقة، ولسان حاله سيكون الاستقرار والاعتدال والتسوية والاقتصاد وما شابه من عناوين.

فالحريري – الابن يدرك أن لبنان في قلب العاصفة الاقليمية، وخصوصاً في ضوء المواجهة الاسرائيلية – الايرانية “الحية” في سورية و”الهجوم” بالاسمنت والخرائط الذي ترفع من وتيرته تل أبيب ضدّ لبنان وعيْنها على صواريخ “حزب الله” وترسانته في لبنان وسورية.

وفي هذا المناخ المحتدم، تَسْتَقبل بيروت غداً وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الذي يزورها من ضمن جولته في المنطقة، وسط رصْدٍ دقيقٍ لما ستنتهي إليه هذه المحطّة البارزة التي مهّدتْ لجدول أعمالها محادثات أحد مساعديه البارزين ديفيد ساترفيلد.

وإذا كانت تل أبيب، حسب مصادر سياسية في بيروت، وضعتْ “على الطاولة” في الأيام الأخيرة عنوان “مصانع أسلحة حزب الله في لبنان” وحصول الأخير على أسلحة “كاسِرة للتوازن” كأحد المَخاوف الأبرز التي “لن تسلّم بها” والتي ستحضر في محادثات تيلرسون بعدما أثارها ساترفيلد قبل أيام، فإن هذا الملف بات له بُعد أكثر خطورة وجدية في ضوء “إزالة الغبار” بشكل كامل عن جوهر الصراع الاسرائيلي – الإيراني في سوريا من خلال “المواجهة الجوية” يوم السبت الماضي والتي ظهّرتْ تصميم الدولة العبرية على إخراج الإيرانيين من سورية منْعاً لإقامتهم “جبهة واحدة” على حدودها تمتدّ من جنوب سورية الى جنوب لبنان، مقابل إصرار طهران على تحقيق تغيير استراتيجي في التوازنات امتداداً لما اعتُبر “مكسباً تاريخياً” وفّر وصولها إلى البحر المتوسط من خلال “هلال النفوذ” من طهران الى بيروت عبر بغداد ودمشق.

وعلى وقع هذا الصخب الذي يُخْفي في أحد حلقاته ملامح عودة “الاستقطاب البارد” بين واشنطن وموسكو اللتين كانتا في خلفية الوقائع الملتهبة يوم السبت، تصبح لمحادثات وزير الخارجية الأميركي في بيروت أهمية أكبر ولا سيما ان تل أبيب عاودت “تحمية” خط النزاع مع لبنان ميدانياً من خلال زعْمها ملكية البلوك رقم 9 في المياه الإقليمية اللبنانية وتهديداتها لائتلاف الشركات للامتناع عن العمل فيه، وفي الوقت نفسه تَصلُّبها تجاه عملية بناء الجدار الفاصل على الحدود الجنوبية للبنان وسط رفْض بيروت أن يمس هذا الجدار النقاط الـ13 المتحفّظ عنها من “الخط الأزرق” ومنطقة رأس ‏الناقورة، لأن ذلك سيترك تداعيات على الحدود البحرية التي هي محور نزاع.

ومن المتوقّع أن يستكمل تيلرسون في بيروت ما بدأه ساترفيلد الذي أرسى قواعد وساطة حيال النزاع الحدودي البري والبحري أبدى لبنان انفتاحاً بإزائها تحت سقف عدم المساس بسيادته أو التنازل عن حقوقه، على أن يثير وزير الخارجية الأميركي أيضاً موضوع العقوبات التي “لا رجوع عنها” على “حزب الله”، مع التشديد على استقرار لبنان الذي يرتكز على انسحاب الحزب من أدواره الخارجية ووقف مسار تطوير قدراته العسكرية ونقل السلاح من سورية إلى لبنان وتطبيق القراريْن 1559 و1701 وفي الوقت نفسه تأكيد دعم الجيش اللبناني كـ“قوة توازن” بإزاء “حزب الله” ونفوذه في لبنان وتالياً تأثير إيران في هذا البلد.

وإذا كان دعْم الجيش اللبناني يشكّل محور خلاف بين اسرائيل وأميركا، فإن هذا ما يفسّر حماسة واشنطن لمؤتمر “روما 2” لدعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية الذي حُدد موعده منتصف مارس المقبل والذي سيسبق مؤتمر “سيدر 1” في باريس في نيسان ومؤتمر بروكسيل.

المصدر:
الراي

خبر عاجل