من محاولة اغتيال “القوات” إلى اغتيال رفيق الحريري

كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” العدد – 1649:

27 شباط 1994 – 14 شباط 2005

من محاولة اغتيال “القوات” إلى اغتيال رفيق الحريري

متهم واحد وهدف واحد

ما الرابط بين تفجير كنيسة سيدة النجاة في زوق مكايل في 27 شباط 1994 ومحاولة اغتيال «القوات اللبنانية» من خلالها وبين اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005؟

إنه النظام الأمني اللبناني السوري الذي يجمع بين القضيتين لناحية مسؤوليته عنهما. عندما وقفت «القوات اللبنانية» ضد الإنقلاب على اتفاق الطائف بعد العام 1990 تمت محاصرتها وصولاً إلى اغتيالها، وعندما اتجه الرئيس رفيق الحريري إلى العودة إلى تطبيق الطائف الحقيقي في العام 2004 تمت محاصرته وصولا إلى اغتياله. بين التفجيرين مسافة 11 عامًا كانت كافية لتعيد الإعتبار إلى نضال «القوات اللبنانية» الذي شكل روح 14 آذار ولا يزال.

في 14 شباط 2018 توزع الإهتمام بين مشهدين: مشهد احتفال «تيار المستقبل» والرئيس سعد الحريري بالذكرى الثالثة عشرة لإغتيال الرئيس رفيق الحريري وبين مقر المحكمة الدولية في لاهاي حيث قال المدعي العام في المحكمة الدولية نورمان فاريل: «استكملنا قضية الادعاء والكرة في ملعب الدفاع، قدّمنا 281 شاهدا وعرضنا 2470 دليلا وذلك استغرق وقتا لإثبات الأدلة التقنية». مضيفا: «لا نحاكم أحزابًا سياسية ولا دولاً ولا منظمات بل فقط أشخاصًا»، مشيرًا الى أن «جرائم اغتيال النائبين جبران تويني وبيار الجميّل وغيرها ليست من اختصاص المحكمة ولكننا على استعداد لمساعدة الحكومة اللبنانية في التحقيقات». وكاشفا في الوقت نفسه أن قرارًا إتهاميًا جديدًا سيصدر في قضية محاولة اغتيال الوزير مروان حماده في 21 شباط الحالي لأن التحقيقات أظهرت ترابطاً وثيقاً مع قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري وهناك معلومات توافرت حول هوية منفذي العملية.

في ظل هذا التطور على صعيد المحكمة الدولية هل كان يمكن تصوّر مصير ملف التحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري لو لم تكن هناك لجنة تحقيق دولية في البداية؟ ولو لم يصدر قرار تشكيل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان عن مجلس الأمن؟ إن الإجابة البسيطة على هذا التساؤل تكمن في الإتجاه الذي سلكه التحقيق في قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة الذي فبرك الأدلة وزوّرها وأخذها في اتجاه اتهام «القوات اللبنانية» ورئيسها سمير جعجع، تنفيذاً لقرار سوري كبير بحلها وباعتقاله وبالقضاء عليها كآخر تنظيم فاعل على الأرض كان لا يزال يقف في وجه عهد الوصاية ويقاوم عملية الإنقلاب المتواصلة على اتفاق الطائف، من أجل تكريس السيطرة السورية على لبنان وتكبير دور «حزب الله» من أجل مصادرة كامل القرار السيادي اللبناني وقتله ووضع حجر على قبره ومنع عودته إلى الحياة. تمامًا هذا ما كان مخططاً له أن يحصل بعد عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري: أن يتولى قضاء عهد الوصاية وأجهزته الأمنية التحقيق فيها، وأن يُتهم العدو الإسرائيلي أو أن يبقى الفاعل مجهولاً، وأن يتم ردم الحفرة كما كان بدأ العمل فعليًا وتزال آثار الجريمة وتطمس الأدلة، وبالتالي يتم التمديد لعهد الوصاية. وكما كان اتهام «القوات» في قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة وسيلة أيضًا لتخويف الآخرين واقتيادهم إلى بيت الطاعة، كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري ليكون أيضًا وسيلة لتخويف من كان بدأ السير في قضية معركة استعادة السيادة منذ العام 2000 ونداء المطارنة الموارنة الذي طالب بسحب الجيش السوري من لبنان وانطلاق لقاء قرنة شهوان ثم البريستول قبل أن يتحول الإغتيال إلى عاصفة مفاجئة هبّت على النظام الأمني اللبناني السوري وأدواته ويتحول هتافاً واحدًا يطالب بسحب الجيش السوري من لبنان.

الفارق كبير بين الزمنين. زمن تفجير الكنيسة وزمن اغتيال الرئيس رفيق الحريري. في العام 1994 كان هناك تسليم دولي بالإدارة السورية للملف اللبناني، وعلى رغم ذلك كانت «القوات اللبنانية» رافضة لذلك الأمر مع تقديراتها لخطورته وللثمن الذي يمكن أن تدفعه. في زمن 2005 كانت أنظار العالم متجهة إلى لبنان في ظل القرار 1559 الذي طالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان وسحب سلاح «حزب الله»، وبالتالي إنهاء عهد الوصاية السورية. ولذلك فإن «القوات» وعلى رغم قرار حلها واعتقال رئيسها وملاحقة شبابها وتهجير الكثيرين منهم كانت في قلب معركة السيادة في 14 آذار 2005.

قبل العام 1994 كان الدكتور سمير جعجع مهددًا. وصلته تهديدات مباشرة وواضحة وكان دائمًا، ولا يزال، هدفاً لعملية اغتيال. وعندما لم يتمكنوا من النيل منه مباشرة حصل ذلك عن طريق تفجير الكنيسة واتهام «القوات».

قبل العام 2005 كان رفيق الحريري مهددًا. تبلّغ التهديد شخصيًا من رئيس النظام السوري بشار الأسد إذا لم يقبل التمديد للرئيس إميل لحود. التهديد كان يطاوله مع النائب وليد جنبلاط. وكانت الرسالة الأولى في محاولة اغتيال الوزير مروان حماده في أول تشرين الأول 2004.

لم يكن اتصال الرئيس رفيق الحريري بالسيدة ستريدا جعجع في أواخر العام 2004 لمعايدتها بعيدي الميلاد ورأس السنة الإتصال الأول بينه وبين «القوات». كان يدرك أن هناك من يستمع إلى المكالمة التي تمنى فيها خروج الدكتور جعجع من الإعتقال ولكنه كان قد اتخذ قراره بأن معركة استعادة السيادة تستحق الإستمرار في التضحية. عندما زار الرئيس جعجع سعد الحريري الدكتور سمير جعجع في سجن وزارة الدفاع قبل الإنتخابات النيابية في ربيع العام 2005 حدّثه جعجع عن بعض العلاقة التي جمعته إلى والده الشهيد. كان لدى الرجلين تصور واضح لخطورة ما يفعله النظام السوري في لبنان ولكن كان هناك اختلاف في طريقة المواجهة.

صحيح أن الدكتور سمير جعجع غاب شخصيًا عن احتفال «تيار المستقبل» في 14 شباط 2018 في البيال ولكنه لم يغب عن المناسبة. عاد بالذاكرة إلى أول لقاء بينه وبين الرئيس رفيق الحريري في سويسرا في العام 1987. قال «إن الظروف شاءت أن أتعرّف شخصياً على الرئيس رفيق الحريري قبل المرحلة التي أصبح فيها معروفاً من قبل الناس، لذا لدي ذكريات شخصيّة معه بالمعنى الفعلي للكلمة في مرحلة ما قبل وخلال ومباشرة بعد إقرار اتفاق الطائف… أذكر أمراً بسيطاً عن العلاقة مع الرئيس الحريري إلا أن هذا الأمر على بساطته فقد فتح لي آفاقاً أوسع في حينه. إن أول لقاء لي معه كان في سويسرا عام 1987 وخلاله سألني الرئيس الحريري عن أهداف عملي السياسي؟ وأهداف قتالنا في «القوات اللبنانية»؟ فأجبته أننا نقاتل من أجل لبنان والأسباب الأخرى التي يعلمها الجميع ولن أعيدها الآن. كان الرئيس الحريري يصغي إليّ أثناء إجابتي التي طالت قرابة الـ13 دقيقة وعندما انتهيت قال لي: «لا إعتراض لي على أي من هذه الأهداف إلا أنه لدي سؤال واحد هل ستحقق كل هذه الأهداف بنفسك وحيداً؟» عندها أيقنت أننا في بلد بحاجة دائماً إلى تفاهمات من أجل تحقيق الأهداف التي نريدها»، موضحاً أنه «يمكن أن يكون لدينا أشرف الأهداف إلا أنها تبقى من دون معنى إن لم نحققها، وإن بقي الإنسان يعمل وحيداً فهو لن يصل إلى أي مكان».

واستطرد جعجع : «لقد اتفقت والرئيس الحريري، بعد هذا اللقاء، على التواصل الدائم في ما بيننا وأصبح لدينا خط مباشر غير مكشوف كنا نتواصل عبره بين الحين والآخر للتداول في الأمور كافة»، مؤكداً أنه كان في تداول مستمر مع الرئيس الحريري في مرحلة الطائف وصولاً إلى إقراره حيث عاد الرئيس الشهيد للإستقرار في بيروت وأصبح يزوره من وقت إلى آخر. وآخر اللقاءات كانت قبل اعتقاله بنحو شهرين.

لقاء سويسرا بقي سريًا تقريبًا واقتصر على الرجلين وعلى عدد قليل من المساعدين لأن ظروف تلك المرحلة لم تكن تسمح بعد بالكشف عنه، خصوصًا للناحية التي تتعلق بالرئيس رفيق الحريري الذي كان لا يزال يلعب دور وسيط في الأزمة اللبنانية بين النظام السوري والمملكة العربية السعودية.

لم يكن بإمكان عهد الوصاية قبول وجود سمير جعجع ورفيق الحريري معًا في قلب اللعبة السياسية في لبنان. لذلك اتهما بأنهما عملا معًا لإسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي في 6 أيار 1992 في ما سمي ثورة الدواليب، ولذلك اعتقد النظام السوري أنه إذا تخلص من «القوات اللبنانية» وسمير جعجع يمكن أن يضبط إيقاعات الجميع ومن بينهم رفيق الحريري. ولكن ما حصل منذ العام 2000 بدّل التوقعات. لا سمير جعجع استسلم لمشيئة القدر على رغم الأحكام القضائية المؤبدة ولا رفيق الحريري سلم بأن ذاك القدر مؤبد. ولكن القدر شاء أن يخرج سمير جعجع من الإعتقال بعد اغتيال رفيق الحريري.

في 14 شباط 2018 قال الدكتور جعجع: «بعد 13 عاماً على اغتيال الرئيس الحريري لا يزال ميزان القوى الفعلي على المستوى الشعبي كما كان منذ اللحظة الأولى خلافاً لما يظنه البعض، فيما الفرق الوحيد هو أن هناك بعض الساسة الذين تعبوا من المواجهة إلا أن الثوابت باقية كما هي».

في 14 آذار 2018 ستكون الكلمة لـ»القوات». المواجهة مستمرة. الثوابت باقية. الدعوة مفتوحة لمن لم يتعب ولن يتعب. ودائمًا وفعلاً حيث لا يجرؤ الآخرون…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل