
خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد – 1649:
تيلرسون في بيروت: حزب الله زاد من سفك الدماء
واشنطن ترفض بقاء الحزب خارج سلطة الدولة
واشنطن ـ خاص
شكلت المحادثات التي أجراها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في بيروت دلالة جديدة على توجهات السياسة الخارجية للإدارة الأميركية الحالية، على عكس الإدارة السابقة، وحتى قبلها في التعامل مع الملفات الخارجية ليس من واقع العلاقات الثنائية التي تجمع الولايات المتحدة ودول العالم بل من منطلق التأكيد على مصالح الأمن القومي الأميركي بما يضمن في النهاية تعزيز الأمن والسلم الدوليين.
وإذا كان الانطباع الذي ساد منذ قبل وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بأنه سينتهج سياسة أميركية أقل انخراطاً في الشأن الدولي، فإن التطورات والأحداث على الساحتين العالمية والإقليمية هي التي تفرض نفسها على مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهي إذا ارتأت في ظل الإدارة الحالية مشاركة أكبر من اللاعبين الدوليين والإقليميين في معالجة الأزمات والتحديات إلا أن الجميع لا يستطيع أن يقفز فوق الدور المحوري والرائد للولايات المتحدة، لأنها الدولة الوحيدة في العالم التي لديها هذا التأثير المالي والعسكري، من حيث انتشار الآلاف من قواتها في أنحاء عدة بدءاً من آسيا، وأفريقيا، مروراً بأوروبا، ووصولاً إلى منطقة الشرق الأوسط، وهي تبعاً لهذا الأمر تجد نفسها في قلب الأحداث تؤثر فيها وتلعب من خلالها دوراً حاسماً متقدماً على أي دولة أخرى في العالم.
هي المرة الأولى التي يزور فيها وزير خارجية أميركي بيروت منذ أربع سنوات، فآخر زيارة لوزير خارجية أميركي إلى بيروت كانت في الرابع من حزيران عام 2014 يوم كانت البلاد بلا رئيس للجمهورية، فاقتصرت لقاءات الوزير جون كيري على رئيس الوزراء تمام سلام ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، حيث شدّد على أهمية معالجة الأزمة السياسية التي تركت البلاد دون رئيس. يومها أكدّت واشنطن أن لبنان يحتاج الى رئاسة «تعمل بكامل طاقتها» لمواجهة التحديات الهائلة التي يُواجهها، وهي تريد ان ترى رئيسا جديدا في منصبه في اقرب وقت ممكن. أما اليوم وفي ظل اكتمال عقد الرئاسات في لبنان، بانتخاب رئيس للجمهورية فما هي الملفات التي حملها معه الوزير تيلرسون، والتي أظهرت بالفعل نهجاً أميركياً مختلفاً في السياسة الخارجية أكثر وضوحاً وجرأة؟
الوزير الأميركي جدّد هذه المرة تأكيد دعم الولايات المتحدة للبنان الذي يواجه مجموعة كاملة من التحديات تتمثل في الدفاع عن حدوده من الإرهابيين، والتصدي للتدفق غير العادي للنازحين السوريين، لجهة وجود ما يزيد عن مليون نازح منذ بدء الحرب السورية. وجدّد كذلك التزام واشنطن بدعم بالمؤسسات الوطنية اللبنانية، وخصوصاً القوات المسلحة اللبنانية وقوات الأمن الداخلي في لبنان، حيث تحارب هذه القوات تنظيم «داعش» وتنظيم «القاعدة» وتعمل بكل قواها من أجل الحفاظ على استقرار لبنان.
أولاً: «حزب الله» والدور المُدمّر
كان لافتاً أن الخارجية الأميركية استبقت وصول الوزير تيلرسون إلى بيروت بالإعلان عبر مسؤول رسمي رفيع أن وزير الخارجية سيثير مع المسؤولين اللبنانيين وفي مقدمهم رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس النيابي والحكومة مسألة «حزب الله»، والدور المدمر الذي يلعبه هذا الحزب في لبنان وفي جميع أنحاء المنطقة، وفي هذا السياق فإن وزير الخارجية الأميركي كان صريحاً أمام المسؤولين اللبنانيين لا بل أظهر تقدّماً على موقف الدولة اللبنانية الملتبس في موضوع المقاومة وتغاضيها عن قضية تطاول مبدأ سيادة الدول وحصرية السلاح الشرعي، بأن أبلغ صراحة من يعنيهم الأمر أنه من غير المقبول أن تظل ميليشيات مثل «حزب الله» تعمل خارج سلطة الدولة اللبنانية.
وبحسب مصادر أميركية رسمية يندرج الموقف الأميركي من «حزب الله» في سياق الثوابت الأميركية للحفاظ على استقرار لبنان، لأنه بات واضحاً أن واشنطن تريد أن يتجنب لبنان الصراع الإقليمي بأقصى ما يمكن وعدم تأثره بالحروب الجارية في المنطقة، لدرجة أن الوزير تيلرسون أكد أن بلاده ستواصل القيام بدور لتعزيز حكومة مستقلة في لبنان، والاستمرار في تعزيز قوات الأمن اللبنانية المستقلة.
وفي ما يؤشر إلى إقرار أميركي بسياسة النأي بالنفس المتبعة ولو بحدها الأدنى تشير الولايات المتحدة إلى أن لبنان يمر بما يمكن أن يكون فترة انتقالية طويلة، ولكنها تعتقد بتحقيق بعض الخطوات الإيجابية على صعيد تطبيق هذا المبدأ، ولكنها تشدد على ضرورة الوصول لتطبيقه بشكل كامل وهي أنه يتوجب على لبنان أن ينجح في الضغط على «حزب الله» لتأمين انسحاب عناصره من سوريا واليمن وأماكن أخرى.
وقد أكدّ الوزير الأميركي أن مشكلة بلاده مع «حزب الله» الذي تصنفه منذ فترة طويلة بأنه منظمة إرهابية، وهي بالتأكيد ليست مع الشعب اللبناني، أو مع الحكومة اللبنانية، لذلك فهو أبلغ المسؤولين اللبنانيين بأن الولايات المتحدة ستكون دقيقة جدا في الإجراءات والعقوبات التي تتخذها لناحية عدم اضرارها بالشعب اللبناني، ولكن في مقابل هذا الموقف التطميني، فإن واشنطن أبلغت المسؤولين اللبنانيين لأول مرة وبصراحة مطلقة بضرورة أن تظهر الدولة والحكومة اللبنانية تجاوباً في هذا الخصوص، من أجل أن تتعامل بشكل واضح جدا وحازم مع الأنشطة التي يضطلع بها «حزب الله» اللبناني والتي لا يمكن قبولها ليس فقط بالنسبة للبنان بل لبقية أنحاء العالم. وهذا الموقف كان أبلغه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس الحكومة سعد الحريري عندما استقبله في البيت الأبيض في 25 تموز 2017 وعبّر عنه في كلامه بعد اللقاء.
وقد أكد تيلرسون على هذا الموقف في ختام زيارته عندما قال من السراي الحكومي إن «أميركا ليست في موقف أن تضمن أي شيء لدولة سيادية ولكن يمكن أن نلعب دوراً لحل مشكلة الخط الأزرق، والمباحثات بناءة ومتفائلون انها ستؤدي الى تسوية نهائية»، مضيفا إن «وجود «حزب الله» زاد من سفك الدماء وسبب عدم الإستقرار في المنطقة، وعلى اللبنانيين أن يقلقوا من تصرفات «حزب الله» الذي عليه التوقف عن أنشطته في الخارج ونبني على كل الجهود ليكون للشعب اللبناني مستقبلاً باهراً. ومن المستحيل أن نتحدث عن الأمن والإستقرار في لبنان من دون التطرق الى «حزب الله» الذي نعتبره ميليشيات ولا يمكن فصل سلطته السياسية عن أذرعته العسكرية».
ثانياً: تجنيب لبنان أي حرب
أما لجهة التصعيد الأخير على الحدود السورية ـ الإسرائيلية عبر الأجواء والأرض اللبنانية، تنظر الولايات المتحدة إلى هذا التطور من منظور التحذير من الدور الذي تقوم به إيران و»حزب الله» في سوريا ولبنان وعلى الحدود، وهي تبدي قلقها لجهة العواقب المتأتية من الدور السلبي لإيران ليس فقط بالنسبة للصراع في سوريا بل انعكاس ذلك على لبنان نفسه.
وقد عبّر الوزير تيلرسون عن موقف واشنطن في هذا الصدد صراحة بأن الولايات المتحدة لا تريد أن يدفع الشعب اللبناني ثمن أي مغامرات جديدة، وهو دفع في كثير من الأحيان في الماضي ثمن مغامرات الإيرانيين و»حزب الله»، ويؤكد الوزير الأميركي أن هناك طريقة لتجنب ذلك من خلال والسير بالحلول السياسية لمشكلة سوريا، ولكن ليس من خلال الانتشار العدواني المستمر للأسلحة، والتكنولوجيا، والمرافق من داخل سوريا ومن خلالها إلى لبنان. لأن هذا سيؤدي إلى نتائج مختلفة جدا.
ثالثاً: دعم الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية
تكرّر واشنطن دائماً تأييدها ودعمها بقوة الجيش اللبناني والقوات المسلحة اللبنانية لأسباب واضحة وهي أن الجيش والقوى المسلحة هي كيانات ذي مصداقية. ويعترف مسؤول أميركي رسمي أن الولايات المتحدة بذلت الكثير من الوقت والجهد، كما فعل آخرون، ولكنه يؤكد أن واشنطن كانت في الصدارة في بناء قدرات الجيش اللبناني. ويشير إلى أن الجيش اللبناني تحرّك بقوة أكبر بكثير في الجنوب مما كان عليه الحال من قبل. ولديهم برنامج لفوج نموذجي يتم إنشاؤه، ويعمل مع قوات «اليونيفيل» بشكل أوثق من أي وقت مضى وهذه كلها مؤشرات إيجابية جدا.
وفي ما يخص مؤتمر روما الثاني، وهو مؤتمر دعم القوات المسلحة اللبنانية، فإن الولايات المتحدة تنظر إلى هذا المؤتمر بأنه محطة مهمة لإرسال إشارة سياسية وهي أن الأمر لا يتعلق فقط بدعم الجيش اللبناني، ولكن ايضاً كل المؤسسات الأمنية الشرعية في لبنان، والتأكيد أنها تتمتع بدعم دولي واسع.
رابعاً: في الانتخابات النيابية المقبلة
يمكن القول إن اهتمام الولايات المتحدة بكل انتخابات تحصل في أي بلد ينطلق من تأييد ودعم المسار الديمقراطي لجميع الشعوب في التعبير عن إرادتها وإيصال من تريده لكي يمثلها في البرلمان المنتخب، ومن هذا المنطلق تحرص واشنطن بحسب المصادر الرسمية على عدم التدخل في الشأن الداخلي اللبناني، إلا بمقدار الحرص على أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة وعادلة وتضمن بالفعل تجديد الحياة السياسية في لبنان.
توضيح أميركي
أبدت مصادر متابعة في واشنطن إستغرابها الشديد من تكرار تصرف بعض المسؤولين السياسيين وحتى الأمنيين اللبنانيين لجهة تعمّد تأخر اللقاء بالمسؤولين الأميركيين على المستويات كافة وأن هذا الأمر لم يحصل فقط في قصر بعبدا، ورأت أن التبرير الذي أوردته المصادر الرسمية في بيروت حول بدء الاجتماع بين الوزير ريكس تيلرسون والرئيس اللبناني غير واضح بتاتاً لجهة القول إن الوزير وصل قبل موعده المحدد؟!
وعن اللغط الذي تعمده البعض حول تصريحات وزير الخارجية الأميركي من الأردن في شأن الموقف من حزب الله قال وكيل وزارة الخارجية للشؤون العامة والشؤون الدبلوماسية ستيف غولدشتاين في تصريح رسمي: «اننا نعتقد ان الشعب اللبناني والحكومة اللبنانية سيكونان افضل حالا من دون تأثير حزب الله الارهاب ونفوذه الخبيث، وسنواصل جهودنا لتعزيز المؤسسات التي تدعم سيادة لبنان واستقراره».
أما ما ورد في قول الوزير تيلرسون حرفياً، فتشير الترجمة الحرفية لكلامه أنه لم يقل بأن الولايات تعترف بأن حزب الله جزء من العملية السياسية، بل هو قال هذا الكلام في معرض موقفه عن مدى تأثير إيران بحزب الله وأن هذا أمر غير مفيد للبنان، ثم أضاف بقوله إن الولايات المتحدة تدرك حقيقة أنه جزء من العملية السياسية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]