.jpg)
.jpg)
كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1649:
نادت إم الياس للست نجلا «شو الأكل اليوم إم عبدو؟» لم تجب، أطرقت للحظات في تفكيرها وأصدرت أوامرها «تبولة عدس وبطاطا مقلية ودردر متبّل وقولي للنسوان الساعة 12 هون ع السطيحة»، وهكذا انصرفت نساء الحي الصديقات، كل واحدة الى تحضير ما طُلب منها. هو زمن الصوم، زمن اللقاء، زمن الاستنفار الروحي العالي الجودة في ضيعة تنام غالبا في أحلام أبناء المدينة، ومدينة لا تعيش تلك التفاصيل الحلوة لكنها كل مساء تذهب بفرح عظيم الى رتبة درب الصليب، وتنغمس في طقوس الصوم حتى السكرة الكبرى يوم الجمعة العظيمة. هو زمن الصوم تحضّروا لتلك التفاصيل…
ولو الدنيا عواصف، ثمة ربيع في ذاك الزمن، غريب هذا الشعور! تلك النداهة الداخلية التي تنده الناس الى ذاك الشجن الغامر بالرضى، الى ذاك الحزن السعيد، زمن الصوم. يسبقه أسبوع حافل بالولائم، يبدأ مع بداية الأسبوع ويتجلّى ليلة خميس السكارى وينتهي مساء أحد المرفع. الاثنين يوم آخر، كأن لون الطبيعة يتغيّر، أو لعله الإحساس يسبغ ألوان الهدوء، لون الحزن هادئ غالبا، الاستسلام اللذيذ لتلك المشاعر يجعل الهدوء سمة، كأن الضيعة الغارقة في همسها تنتظر اللحظة، اثنين الرماد ينحفر الصليب علامة الكرامة فوق جباه الحب، هي إشارة يسوع حين ميّزنا بالإنسانية، تتلاقى الجباه ليس بمجد الرماد، لا مجد للرماد أساسا فنحن إنسان من قيامة يسوع أتينا والى يسوع نعود، هذه مجدنا وذاك التراب البائد هو من يغمر الجسد التافه في معاناته.
الثانية عشرة ظهرا يطنطن جرس الكنيسة، حتى المدينة تبدو وكأنها ضيعة، نغمة واحدة تطنطن في أرجاء الانتظار، يقف يسوع الى قلبه مترقبّا زمن صومه، زمن الناس الملهوفة على الحب رغم كل شيء، السعيدة في شجنها رغم كل شيء، يطنطن الجرس معلنا ان الصوم انتهى لليوم، فنهرع الى مآكلنا القاطعة للزفر، ليس تضحية باللحوم ولا هو ذاك المفهوم السطحي للصوم، إنما حبا ببذل بعض من ذات غارقة غالبا في كل ملذاتها الجسدية، «وبلاه صحن هالكبّة النيّة دخلك، جايي الحدّ ومناكل قدّ ما بدنا لحمة، في أطيب من السليقة بنصّ الجمعة؟» تقول إم عبدو ما غيرها، وتهرع الى طنجرتها تحرّك مجدّرتها، فالعدس عريس موسم الصوم بامتياز، والسبانخ مسامير الرِكَب، والبرغل سند المعدة!
يأتي المساء، الدغوش بلغة ضيعتي، تغلّ بقايا الشمس بعبّ الغيم فتنصبغ السماء بأرجوانها القاني، وإذ بجرس الكنيسة يخترق أحاديث الغيوم، فنترك تفاصيلنا الصغيرة ونتلفلف بشال المساء ونذهب الى رتبة درب الصليب كمن يذهب الى موعد غرام، الى لقاء مباشر حي مع المصلوب، الضيعة كما المدينة، كأنها في لقاء العيلة الى وليمة الرب، كريم هذا الإله الشاب، كريم جدا، بيته مفتوح دائما للناس، سخي الحب والدمع والبسمات والتضحية، فمن يقارب في الدنيا حبا مماثلا؟ «قامت مريم بنت داوود ازاء العود» تراتيل الآلام، يا ويلي شو حلوين، «واحبيبي أي حال أنت فيه»، وكأن العذراء مريم أمامنا هناك هناك عند درج المذبح، أمام صليب يسوع ترنّم، تدمع، تهدهد ابنها المصلوب بأيدي الجنود، ألا ترونها؟! كلنا نفعل، كلنا يراها ويتماهى معها في الحزن المشوب بفرح القيامة الآتي لا محالة، لكنه الآن زمن الحزن الغامر للقلب بذاك الإيمان العميق العميق، المتفجّر فينا إنسانية غامرة هي ما يجب أن نكون عليه دائما، هو الحزن الوحيد الذي لا نريد أن نخرج منه لأننا به نلتقي بيسوع، نحاوره من قلب الى عين وشغاف، يجالسنا كأطفال من دون سنين مسجلة على دفاتر الزمن، هو لا يسأل كم عمرك، لا يفضح تحديدا سر النساء الأبدي، هو يسأل أين قلبك إتبعه ولا تخف…
ليست القصة في ما نأكله وما لا نأكله في زمن الصوم، أساسا كل ما ينتج عن أيدي ستات الضيعة تحديدا هو أطايب بأطايب ولو كانت مجرد سليقة، الأكثر هو «تذوّق» زمن يعيش فينا لأربعين يوما لكنه يحيينا على مدى أيام وشهور وسنين، زمن يجعلنا نسأل بخوف مشوب بفرح الجواب المعروف مسبقا، معقول الحياة من دون يسوع؟ أو سؤال آخر لعله أكثر قسوة لكنها القسوة المفعمة بإيمان القيامة، معقول الحياة كانت رح تكون حياة حقيقية بلا ما ينصلب يسوع ويموت ويقوم باليوم التالت، شو كنا عملنا؟ أي إنسانية كنا لنعيش، أي فرح كنا لنحيا، أي حزن كان ليحيي فينا هذا القدر من إنسانيتنا؟!
صار المساء، علت وتيرة البرد، تلفلف يسوع بالضباب، هو يبرد أيضا عندما نصوم عن الحب، زمن الصوم يطنطن فينا لا تنسوا ان ابن الله مات معذبا عنا فوق الصليب، لا لا لا لا تبكِ ربي، وأهرع لألتقط نثرة من ماء دمعة وأمسح بها وجه المصلوب، وأغلّ كما الشمس في زمن الصوم، في عبّ الحب…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
