10 دولارات و144 بيضة!

إستخدمت إحدى شركات الأمن الخاصة في فنزويلا، مغريات جديدة لسدّ شغور 200 وظيفة جديدة. إذ قدّمت علاوة تحفيزية مقدارها 144 بيضة شهرياً، إلى جانب الراتب الذي لا يتجاوز 10 دولارات (2 مليون بوليفار).

قد لا يعني العرض الكثير، للكثير من غير متتبعي أخبار فنزويلا، الدولة العضو في “أوبك”، والتي تجاوز التضخم فيها حاجز الـ2600% مطلع هذه السنة، علماً أن البنك المركزي أحجم منذ العام 2015 عن إعلان معدل التضخم لإستمراره بالإرتفاع تدريجاً، حتى إمتصّ القدرة الشرائية للمواطنين مع بلوغ الحدّ الأدنى للأجور سقف الدولار الواحد شهرياً نتيجة إنهيار البوليفار بنسبة 35% في الشهر الأخير من 2017، بما دفع الرئيس نيكولاس مادورو إلى التفكير بـ”إستحداث” عملة رقمية ستُسمى “بيترو”، يرغب في أن يهزم بها “الحصار الاقتصادي” الذي فرضته العقوبات الأميركية على حكومة كراكاس.

فنزويلا الغنية بالذهب الأسود كونها تملك أحد أكبر إحتياطات النفط الخام المؤكد في العالم، ترزح تحت أعباء إقتصادية هائلة نقلتها من “دولة غنية” إلى “فقيرة” خسرت ثلث الناتج المحلي الإجمالي في سنوات قليلة. إذ بحلول سبعينات القرن الماضي، شهدت فنزويلا نهضة إقتصادية مع فورة نفطية دفعت نمو الناتج المحلي الإجمالي ليتخطى معدل 250% بين 1958 و1977، بينما لا يتجاوز حالياً سقف الـ1.3%. فتراجع إنتاج النفط خلال الـ13 عاماً الماضية بعد تعسّرها الإئتماني، فاقم حجم المديونية إلى أكثر من 150 مليار دولار، وخصوصاً بعد تخلف الحكومة وشركتها النفطية PDVSA في نهاية 2017، عن سداد 200 مليون دولار من الفوائد المستحقة على سنداتها. كذلك، تدين فنزويلا بنحو 141 مليار دولار للمستثمرين، بينهم الصين وروسيا وشركات خدمات النفط وغيرها.

أزمة الثقة التي تسبّبت بها سياسات الحكم الإشتراكية وتفشي الفساد والحصار الإقتصادي، تُرجمت إنكماشاً خطيراً في الأحوال المعيشية، ولا سيما في الإرتفاعات الهائلة في أسعار السلع الغذائية ونقص الغذاء والرعاية الطبية، مما جعل الفنزويليين يعتادون الصفوف الطويلة أمام ما بقي مفتوحا من متاجر قادرة على توفير سلع بأسعار خيالية.

وضع فنزويلا لا ينطبق على لبنان رغم ما يعانيه من تراكم أزماتي مزمن. فالليرة لا تزال تحافظ على إستقرار، وإن أثار تحفظات لإنعكاسه على الإقتصاد، فهو يبقى الأقل كلفة، بدليل إستقرار القدرة الشرائية للبنانيين بفعل ضبط التضخم عند حدود الـ4%، وهذا همّ لا يغفله حاكم مصرف لبنان في كل عرض له لأحوال الإقتصاد. وما رزمات الـ7 مليارات دولار المتواصلة منذ 7 أعوام، سوى أفضل ما يمكن تقديمه من دعم للقطاع الخاص وللإقتصاد، إلى حين تفرج أحوال السياسة والأمن المجاور عن فرص تعيد الإنتعاش الطبيعي والمستدام.

ورغم أن مصارف لبنان ترزح تحت عبء العقوبات الأميركية، فهي لم تفقد بوصلتها نحو الإحتفاظ بمقدار مقبول من الثقة بأدائها، خلافا لمصارف فنزويلا التي تعرضت سنداتها لمقاطعة المصارف المراسلة التي تخشى “عدم الإمتثال” للعقوبات الأميركية المفروضة على مسؤولين حاليين وسابقين وكيانات أخرى، وبينهم الرئيس مادورو، بتهم فساد وسوء إستغلال السلطة. وإذ تخشى المصارف اللبنانية أعباء جديدة ستضيفها العقوبات المتجددة على قنوات تمويل “حزب الله”، إلا أن حسن الإمتثال يبقى الهدف والغاية لتخفيف تلك الضغوط.

صحيح أن الحصار الإقتصادي أنهك فنزويلا ودفعها نحو الإنهيار، إلا أن الحصار الطبيعي الذي تسبّبت به أزمة سوريا لم يفعل ما فعلته السياسة المحلية بأحوال البلاد، بدليل تراجع النمو من 8 و9% بين 2008 و2010 إلى 1.5% حاليا. وصحيح أن الإنهيار الشامل ليس واردا بحكم الإرادة الدولية التي تجهد لإبقاء لبنان “مأوى” للنازحين السوريين لئلا يتغلغلوا داخل أوروبا تحديدا، لكن سياسات أهل السلطة نتيجة “التجاذبات” الحاضرة في كل العهود والناجمة عن سياسة تقاسم ثروات البلاد الطبيعية وغير الطبيعية، كانت كفيلة بترسيخ معالم الركود القاتل لكل الأنشطة والفاعليات المرتبطة بالإقتصاد.

الإصلاحات الإقتصادية والمالية بقيت لعقود وعلى مرّ كل مؤتمرات باريس، حبرا على ورق مسؤولين يعتاشون من فساد إستحكم بالإدارة العامة وبات منظومة يصعب تفكيكها أو خرقها إلا من منتفعين محسوبين على خانة “الحاشية”. وهذا لن يساعد لبنان في طلب الـ16 مليار دولار تمويلا لمشاريع البنية التحتية في “مؤتمر باريس 4″، طالما بقيت الأزمات تعصف بإقتصادات العالم لتنتج بطالة وهجرة وشحّا ماليا وفقرا مدقعا. وستبقى القيود التي ستُفرض على لبنان، حجر عثرة في وجه الهبات والقروض المدعومة، لأنها تنصّ على مراقبة مسارب المال ومواقع إنفاقه، تفاديا لإهداره ولحرمان مستحقيه منه.

لبنان مقبل للمرة الأولى ربما، على إستحقاق تجديد برلمانه بلا مال سياسي يعيث في إرادة الناخب ويدفعه للميل نحو “مَن يدفع أكثر”. لبنان موعود بنفط وغاز لا يزالان خرائط ترسمها هيئة قطاع البترول مشاريع قوانين للتنفيذ، وتبقى عالقة في حلق إسرائيل الساعية لجعلهما حلما بعيد المنال، لإقتناعها بأن التفاوض الحدودي على ترسيمات غير مجد وسيهضم الحقوق ويحوّلها “مكتسبة” لها.

اللبنانيون حانقون على لبنان، رغم أنهم يحاولون أن يتصالحوا معه. وإذ يأملون في نجاح محاولاتهم، يخشون من الإنتخابات النيابية وربما عليها. فهي فرصة يخشى ألا تكون الأخيرة لتغيير الواقع وإصلاح ما عصيت عنه عهودٌ ونوايا.

المصدر:
AEN

خبر عاجل