مؤتمر “طفولتن أمانة”: لجعل سن الزواج 18 عامًا.. كيروز: البلوغ فكري وليس جسدياً فقط

 

كتبت كريستين الصليبي في مجلة “المسيرة” – العدد 1649:

لن تكون فاطمة ق. (11 عاماً) وميمونة أ. (12 عاماً) وندى ب. (14 عاماً) ورولا ي. (10 أعوام) آخر ضحايا ظاهرة تزويج القاصرات؛ إذ بعدهن ستظهر أسماء جديدة لقاصرات تم تزويجهنّ من دون موافقتهن أو إدراكهن لما يحصل معهن. والقصص المختبئة أكثر بكثير من التي تخرج صدفة إلى العلن ما يصعّب على المعنيين القيام بإحصاءات رسمية.

تُعتبر القاصرات اللبنانيات اللواتي يعشن الأمومة مبكراً ضحايا مجتمع يتغنّى بإنفتاحه وتحرّره وإعطائه المرأة حقوقها، لكنّه في الواقع بلد تهيمن عليه الطوائف وتتحكّم بقوانين الأحوال الشخصية لمواطنيه. بلد فيه مجلس نيابي لم يُقدم بعد على إصدار القوانين التي تؤمن حماية الفتاة من العنف والإغتصاب وبإذن شرعي وديني. بلد تتفاقم فيه ملفات الفساد من سرقة ونهب ونفايات وصولاً إلى الإستخفاف بدور المرأة وأهميتها.

إلا أن حزب «القوات اللبنانية» يرفض رفضاً قاطعاً هذا الواقع المرير ويحاول تغييره، ولذلك قدم عبر النائب إيلي كيروز إقتراح قانون لرفع سن الزواج. وعلى الرغم من تأخر المجلس النيابي في تناول القانون وطرحه في جلساته إلا أنّ الحزب سيبقى مصرًّا عليه، ولذلك كان مؤتمر «طفولتن أمانة».

لا يوجد في لبنان قانون موحّد للأحوال الشخصية يلحظ سنّ زواج معيّن لا بل إن كل طائفة  لديها قانونها الخاصّ. أما أكثر ما يُفاجئنا في القانون اللبناني فهو أنّه لا يعتبر من هي دون ال18 عاماً أهلاً للمشاركة في الإنتخابات النيابية أو الإستحصال على إجازة لقيادة سيارة او حتى توقيع عقد بسيط. لكنه في المقابل يسمح بإجراء عقد زواج يُلزمها مدى العمر، فيجبرها أن تعيش الأمومة في مرحلة الطفولة. كيف لشخص لا يزال طفلاً أن يتزوّج ويؤسس عائلة؟ كيف يمكن لطفلة أن تربّي طفلاً؟

من هذا المنطلق نظّم جهاز تفعيل دور المرأة في حزب «القوات اللبنانية» مؤتمراً بعنوان «طفولتن أمانة» برعاية رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع ممثلاً بالنائب إيلي كيروز الذي كان قد تقدم في آذار 2016 باقتراح قانون الى المجلس النيابي يطالب بتعديل سن الزواج في لبنان الى 18، ما أثار سجالاً نيابياً، وقد ردّ عليه لاحقاً الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بالدعوة الى ترويج ثقافة الزواج المبكر، معتبراً ان من يواجه هذا الأمر «يخرب مجتمعنا ويخدم إبليس والشياطين».

عن القانون يشرح كيروز: «بداية أعدّ التجمع النسائي الديمقراطي اللبناني مشروعاً لحماية الأطفال من التزويج المبكر والذي شارك في إعداده كل من القاضي جون قزي والدكتورة ماري غنطوس والدكتور عمر نشّابة والأستاذة ندى خليفة. لقد أردتُ أن أحوّل المشروع الى اقتراح قانون ودخلت في نقاش مع التجمع ليأتي الإقتراح انعكاساً لموقفي وقناعتي الشخصية. وإني أجد أنّ فلسفة الإقتراح وأسبابه الموجبة تتفوّق على الإقتراح بحدّ ذاته بآلياته وإجراءاته».

وفي سؤاله حول التناقض الذي يشهده الدستور اللبناني، إذ من جهة أقرّ الإعتراف بشرعة حقوق الإنسان وتطبيق موادها ومن جهة أخرى يسمح بتزويج الفتيات دون ال18 عاماً، يأسف كيروز إلى أنّ «الموضوع هنا يتمحور حول تفسير كلمة «بلوغ» لدى الفتاة، إذ ترى بعض الطوائف أنّ البلوغ هو جسدي فقط وبالتالي يحصل عند التاسعة من العمر ما يسمح للطائفة بتزويجها. فيما البلوغ لا يجب أن يكون فقط بلوغاً جسدياً إنما أيضاً فكرياً وهذا يحصل عندما تبلغ الفتاة 18 عاماً فتصبح ناضجة وراشدة». ويلفت إلى أنّ «الطفل هو إنسان لم يتجاوز الـ18 من عمره من هنا أشدّد في الفانون المُقترح الذي قدّمته إلى المجلس النيابي أن يكون سنّ الزواج 18 عاماً تماشياً مع سنّ الزواج عالمياً».

أما بالنسبة للوزير جان أوغاسبيان فـ»سنّ الزواج لا يجب أن يكون 18 عاماً إنما 21، ليس لأنّ الفتاة لا تمتلك الرشد والقوّة الجسدية والنضج إنما لسبب إضافي واحد: ضرورة تحصيلها شهادة جامعية».

في زواج القاصرات نخسر إنسانة منتجة وفعّالة لو تركناها تتعلّم لكانت ستلعب دوراً مهمّاً في بناء وطنها ومجتمعها ولكانت ستصل إلى مراتب عالية ومراكز يسيطر على أكثريتها الرجال.

وسأل أوغاسبيان «هل تحديد سنّ الزواج يتعارض مع صلاحيات الطوائف في لبنان؟» للأسف أنّ المادة التاسعة من الدستور اللبناني تؤكّد هذا الموضوع وهي تنصّ على أنّ «حريّة الإعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الجلل لللّه تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية … وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية». وطالب «الأحزاب والجمعيات الاهلية والمجتمع المدني وكل من يعنيه هذا الموضوع بالمزيد من الندوات والمؤتمرات التي تطالب برفع سنّ الزواج بهدف تشكيل ضغط على المجلس النيابي لإقرار قانون يحمي القاصرات من الزواج».

أثبتت التجربة سابقاً أنّ التحركات المدنية والتظاهرات والإحتجاجات في الشارع يمكن أن تغيّر واقع الحال والمفاهيم السائدة، وهذا ما حصل في إقرار قانون حماية المرأة من العنف الأسري فأصبح لدينا قانون على رغم أنّه يحتوي على بعض الإشكالات الصغيرة.

القاضي جون قزّي رأى أنّه «من الضروري وضع الإستثناءات إذ إن هناك الكثير من الدعاوى التي يصر فيها الأهل على تزويج الفتاة القاصر بسبب علاقة جنسية أقامتها قبل الزواج. في هذا الوضع ماذا يمكنني أن أقول للأهل؟».

ولفتت المسؤولة الإعلامية للتجمع النسائي الديمقراطي اللبناني حياة مرشاد: «بعد أن تحفّظت العديد من الجمعيات النسائية على «إقتراح قانون تنظيم زواج الأطفال» الذي وضعته الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية بالتعاون مع النائب غسان مخيبر ارتأينا تقديم اقتراح قانون بديل آخر بالأخصّ أننا في التجمّع نعمل كثيراً على موضوع الزواج المبكر. كنا قد أنتجنا دراسة علمية مفصّلة عن آثار الزواج المبكر فصدرت عنها عدّة توصيات أهمّها كانت تحديد سنّ الزواج وأن يتماشى مع ما هو متعارف عليه عالمياً أي 18 عاماً».

وتضيف مرشاد: «في تشرين الأول عام 2017 أطلق التجمّع النسائي الديمقراطي اللبناني حملة بعنوان «مش قبل ال18» بعد أن امتنع المجلس النيابي عن مناقشة إقتراح قانون النائب كيروز. وبعد إطلاق الحملة بأسبوع واحد أحال رئيس مجلس النواب نبيه بري القانون إلى لجنة الإدارة والعدل حيث تتمّ مناقشة القانونين لإيجاد صيغة موحّدة لهما لتُحال في ما بعد إلى الهيئة العامّة لمجلس النوّاب».

تتعرّض الفتيات اللواتي يتزوجن مبكراً إلى الإغتصاب الزوجي والعنف الأسري والعديد من المشاكل الصحية بسبب الحمل المبكر والجماع؛ هذا إضافة إلى تركهن المدرسة وعدم حصولهن على شهادة جامعية. من هذا المنطلق حدد عدد من الدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا السن الأدنى للزواج بـ 18 سنة أو أكثر؛ وهذه الدول هي: الأردن، الإمارات العربية المتحدة، تونس، الجزائر، العراق، عمان، ليبيا، مصر والمغرب. فهل يحذو لبنان حذوهم؟

تؤكّد رئيسة جمعية «لبنانيون» نادين ضاهر على «ضرورة تفعيل دور المرأة في الحياة السياسية بهدف تغيير القوانين المُجحفة بحقّها والتي تمنعها من الوصول إلى أبسط حقوقها، ووضع قوانين تحميها من العنف والظلم». وتضيف: «التظاهرات والندوات والحملات الإعلامية مهمّة جدّاً للضغط على صنّاع القرار لأن الجرائم في حقّ النساء مستمرة وللوصول إلى هدفنا نحتاج إلى كتلة نيابية كبيرة تستطيع الضغط لمناقشة هذه المواضيع وإقرار قوانين تحمي المرأة. في كل مرّة يزداد عدد النوّاب المؤيدين لمطالبنا سنصل بسرعة أكبر إلى مطالبنا».

وتمنت ضاهر على «النوّاب المؤمنين بمطالبنا عدم القبول بتدويرات سيقدّمها النواب الآخرون، إذ بالطبع سيحاولون تغيير بعض المواد والتلاعب بها ليصلوا إلى مطالبهم بالأخصّ أن المراجع الدينية ستتدخّل حتماً».

يعتبر الاختصاصي في الأمراض النسائية والتوليد الأستاذ في كلية الصحة في الجامعة الأميركية ورئيس الجمعية اللبنانية للتوليد والأمراض النسائية الدكتور فيصل القاق «حتى القانون لا يستطيع حماية الفتاة من الزواج المبكر، إذ في العراق، وعلى رغم تحديد سنّ الزواج بال18، يتم تزويج الفتاة في سن ال13 عاماً ويتم تسجيله في عمر ال18». ويضيف: «مضاعفات الزواج المبكر تصل الى حد وفاة الأم خلال الولادة وأحيانا الجنين، إضافة إلى تعرّض الأم لارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، وتسمم الحمل، مما قد يؤدّي إلى اختلال في جميع أعضاء الجسم، منها الكلى والكبد والدم، ونقص بالصفائح الدموية، واختلال في الجهاز العصبي».

وأضاف: «هناك احتمال أن يحدث حمل عنقودي ما يحتاج إلى متابعة مستمرة للفتاة ومراقبة الحمل دائمًا كي لا تحدث مضاعفات. وقد تضطرّ الأم القاصر إلى الخضوع لعملية ولادة قيصرية إذ إن حوضها ورحمها غير مؤهلين لولادة طبيعية. هذا عدا عن الأمراض الجنسية والمضاعفات التي ستؤثّر على حياتها الجنسية لاحقاً».

لا إحصاءات نهائية لعدد الفتيات المتزوجات في سنّ مبكرة في لبنان، وقد ارتفعت هذه الحالات بعد نزوح العائلات السورية. أما السبب الاوّل والأهم فهو «الفقر» المدقع الذي يعاني منه مجتمعنا، وتتمثل الأسباب الأخرى في حماية الفتاة من الإغتصاب وحماية شرف الأسرة ورفع نسبة الولادات في مجتمع او طائفة معيّنة.

من الواضح أنّ القانون الذي تقدّم به كيروز سيواجه تحديات كبيرة، ولا يتوقّع المعنيون إقراره بين ليلة وضحاها، خصوصًا أنّ الكثير من النوّاب (نوّاب حزب الله والجماعة الإسلامية) يرفضون البحث به أو تناوله في الجلسات النيابية، وهم بالتالي يعتبرون أن الطوائف هي من تتحدّث بإسمهم متناسين دورهم كمشرّعين.

بدورها اعتبرت الدكتورة في علم النفس جانين علوان أنّه «يجب معالجة أسباب الزواج المبكر من خلال رفع إلزامية التعليم ومجانيته إلى مرحلة متقدمة بحيث تحمى القاصر من إمكانية تزويجها في سن مبكرة، إضافة إلى تنظيم حملات توعية لمخاطر تزويج القاصرات المبكر».

 

 

شهادة قاصر

 

 

«ما كان بدّي إتجوز كان بدّي إتعلم وعيش مع أهلي»، تقول إحدى القاصرات التي تزوّجت في عمر ال14 عاماً في شهادة حياة عُرضت خلال المؤتمر. وتروي: «كنت أعيش في منزل أهلي حياة طبيعية جدّاً، لكن أوضاعنا المادية كانت صعبة جداً. كنت أذهب إلى إحدى المدارس إلى أن تقدّم لي أحد أقرباء والدتي وطلب يدي. كنت حينها في ال14 من عمري، رفضت الموضوع لكن بما أن والدتي قبلت بتزويجي خضعت في النهاية لرغبتها».

لم تكن هذه الفتاة تعلم ما الذي ينتظرها، وفي سنّ ال15 عاماً أصبحت أماً للمرة الأولى، «عندما كان يستيقظ إبني ليلاً ويبدأ بالبكاء كنت أبكي معه لأنني لم أكن أدري ما الذي يجب أن أقوم به لأسكته، لم أكن أعرف كيفية التعامل معه».

وتضيف: «بعد إنجابي ثلاثة أولاد أصبح وضعنا المادي أسوأ من وضع أهلي، لم يعد هناك سلام في منزلنا وبدأت الخلافات الزوجية تتفاقم. لم أعد قادرة على الاستمرار في هذه الحياة. وعندما أخبرت أهلي بقرار الطلاق قالوا لي بأنّه عليّ التخلّي عن أولادي إذ لا يحقّ لي تربيتهم بعيداً من والدهم. فرفضت وتحمّلت ولا زال إلى الآن وضعنا السيئ».

تتابع: «أنا أعلم أن زوجي يخونني لكنني لا أستطيع القيام بشيء، حاولت كثيراً إيجاد عمل لي يكسبني بعض المال لكنني لم أستطع فأنا لم أُنهِ تعليمي المدرسي وبالتالي لا أحمل أي شهادة».

في الختام تنصح هذه الفتاة، ومن خلال تجربتها الخاصّة، جميع الفتيات أن لا يتزوجن باكراً وأن يتعلمن ويختبرن الحبّ والحياة، وبأن يكون قرار الزواج بأيديهن وليس وفق ما يختاره الأهل.

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل