#adsense

الشيعة وانتخابات 2018… التكليف غير الشرعي

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في “المسيرة” – العدد 1650:

يعمل الثنائي الشيعي «حركة أمل» و«حزب الله» على قاعدة أن «الطائف أعطانا 27 نائبًا ونريد 27 نائبًا»، ولذلك أقفلا باب الإجتهاد وأطلقا ما تم الإصطلاح على تسميته أنه تكليف شرعي بحيث يتم تخوين أو تكفير كل من يتجرأ ويصوِّت لمرشحين شيعة أو غير شيعة من خارج هذه الثنائية. فالمطلوب أن يكون النواب الشيعة من حصتهما وحدهما من دون الإعتراف بأي تمثيل آخر للطائفة داخل مجلس النواب وكأنهما يطبقان مفعول القانون الأرثوذكسي من خلال القانون الجديد على رغم أن ذلك القانون قال بأن تنتخب كل طائفة نوابها لا أن يختار «حزب الله» وحركة «أمل» أو غيرهما من الأحزاب نواب طوائفهم.

 

صحيح أن البطريرك مار نصرالله بطرس صفير كان أعلن أن الطائف أعطانا 64 نائبًا ونريد 64 نائبًا ولكنه كان يطالب بتحقيق التوازن الطائفي في المجلس النيابي على قاعدة تأمين التمثيل الحقيقي والواقعي بعدما صودرت المقاعد المسيحية في معظمها على عهد الوصاية السورية، وكان المطلوب بعد خروج الجيش السوري من لبنان في نيسان 2005 أن يستعيد المسيحيون تمثيلهم الحقيقي. ولكن هذا الأمر لم يكن يعاني منه الثنائي الشيعي منذ أول انتخابات بعد الطائف في العام 1992.

بين السيد موسى الصدر والسيد حسن نصرالله تغيّرت الطائفة الشيعية كثيرًا في لبنان. من أحمد الأسعد وصبري حماده وعادل عسيران وكاظم الخليل ومحمود عمار وعلي بزي ويوسف الزين ومحمد صفي الدين وجعفر شرف الدين وكامل الأسعد ورفيق شاهين وحسين الحسيني تبدلت الوجوه واستقرت على أسماء جديدة تدور في فلك الحزب والحركة. بعد السيد حسن نصرالله والرئيس نبيه بري تظهر الأسماء في دائرة مقفلة تبقى هي في الصورة ولا تدوم الأسماء: من محمد رعد إلى حسن فضل الله ونواف الموسوي وعلي عمار إلى حسين الحاج حسن وغازي زعيتر وعلي المقداد وغيرهم. إنه تعبير عن زمن شيعي جديد لا يشبه أبدًا زمناً كان فيه الشيعة تحت سقف الدولة اللبنانية متوزعين قيادات وأفراد وزعامات على تيارات كثيرة. حتى الإمام موسى الصدر عندما أسس حركة «أمل» سمّاها أفواج المقاومة اللبنانية وليس أفواج المقاومة الإسلامية ولم يكن غريبًا أن يكون من بين المشاركين في التأسيس مسيحيون.

منذ العام 1992 توزع «حزب الله» وحركة «أمل» حصص التمثيل النيابي بموجب قوانين الإنتخابات والتقسيمات الإدارية للدوائر وللمرشحين وفق ما كانت تفرضه سلطات عهد الوصاية السورية. قبل ذلك التاريخ لم يكن «حزب الله» قد قرر أن ينخرط في العمل السياسي من ضمن المؤسسات الرسمية ولكنه بعد مراجعات فقهية تم اتخاذ القرار بذلك. بعد العام 2005 تبدلت المعطيات. تحديات ما بعد مرحلة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان فرضت على الحزب والحركة التحالف وتقاسم المقاعد النيابية المتاحة لهما بعد الإنقسام العامودي بين قوى 14 آذار وقوى 8 آذار. وهذا الأمر لم يقتصر على الإنتخابات النيابية بل تخطاه إلى الإنتخابات البلدية أيضًا على قاعدة «الخطر» الذي يواجهه الشيعة في لبنان.

لذلك بعد إقرار قانون الإنتخابات الجديد كان هناك توجه رئيسي نحو استعادة المقاعد الشيعية التي بقيت بموجب القوانين السابقة خارج دائرة سيطرتهما وهي مقاعد النواب غازي يوسف في بيروت وعقاب صقر في زحلة وعاصم قانصوه في بعلبك الهرمل وأمين وهبة في البقاع الغربي وعبد اللطيف الزين في النبطية وصولا إلى مقعد عباس هاشم في جبيل. ومن هذه الخلفية سميا 27 مرشحًا لـ27 مقعدًا.

هذه الإنتخابات هي الأولى التي يخوضها «حزب الله» والحركة معًا بعد انخراط الحزب في الحرب السورية وفي صراعات المنطقة. ولذلك فإن شعار المعركة هو دائمًا «الخطر» الذي يتهدد الشيعة حتى لا يعلو أي صوت آخر فوق صوتها وحتى تعطي مشروعية كاملة لاحتكار التمثيل النيابي على رغم أن «أمل» لم تتدخل عسكريًا في هذه الحرب. وإذا كان «حزب الله» أخذ دائمًا على تيار المستقبل وقوى 14 آذار أنهم خاضوا الإنتخابات السابقة في العام 2005 على خلفية المطالبة بالمحكمة الدولية وبالثأر لدم رفيق الحريري، وانتخابات العام 2009 على خلفية المطالبة أيضًا بالعدالة وبدم من سقطوا في عملية 7 أيار 2008 التي خاضها «حزب الله» في بيروت والجبل، فكيف يجوز له أن يخوض انتخابات 2018 على قاعدة الثأر للدم الذي دفعه ولا يزال في سوريا؟

لقد أعلن الأمين العام لـ»حزب الله» أن هذه الإنتخابات في ظل هذا القانون لا يمكن أن تلغي أحدًا وأنه لا يمكن أن تكون فيها معارك كسر عظم أو إلغاء. كما أن نائبه الشيخ نعيم قاسم المكلف بمتابعة ملف الإنتخابات أعلن أيضًا أن الحزب لا يبحث عن أكثرية الثلث النيابية وذلك قبل أن يعلن الحزب والحركة لائحتيهما. ولكن هل يمكن أن ينجحا في الإحتفاظ بهذه المقاعد ويمنعا اختراقها؟ وهل يمكن أن يوسعا دائرة تأثيرهما إلى الطوائف الأخرى من المسيحيين والسنّة والدروز؟ أم أن عليهم الإكتفاء بحصتهما الشيعية فقط؟ ولماذا بالتالي قد يقبلان لغيرهم بما لا يرتضيانه لأنفسم؟

هناك آلاف المقاتلين من «حزب الله» في سوريا، أو «المجاهدين» كما يسميهم، وهؤلاء في معظمهم ممن يحق لهم التصويت والإقتراع فهل سيجد نفسه مضطرا لسحبهم من هناك يوم 6 أيار من أجل أن يقترعوا تحت ضغط الحاجة لكل صوت؟ صحيح أن الحزب والحركة مرتاحين للمعركة ولكنهما قلقين من بعض النتائج حيث أن أي خرق في أي مقعد قد يعني انتكاسة سياسية لهما، بالإضافة إلى ذلك فإنهما يواجهان تحديات عديدة:

أولاً هناك معركة الصوت التفضيلي وهي مناسبة لتأكيد نسبة عدد الأصوات التي سيحصل عليها مرشحو الحركة والحزب لقياس الشعبية، وبالتالي فإن «حزب الله» يخشى أن يسبق أي مرشح من «أمل» أيًا من مرشحيه. وهذا الأمر ليس له حسابات في هذه المعركة فقط بل في معارك الإنتخابات المقبلة على قاعدة أنه لعله لن يكون فيها تحالف بين الطرفين.

ثانيا إن معركة الصوت التفضيلي تضعهما في مواجهة احتمالات الخرق، لذلك فإن الحزب من خلال إدارته لمعركته الخاصة داخل الثنائية سيحرص على أن يكون أي خرق على حساب الحركة. وهذا الأمر يفرض حسابات دقيقة لعملية توزيع الأصوات بين المرشحين.

ثالثا إن السباق داخل الثنائية قد يؤثر على إمكانية التأثير داخل الطوائف الأخرى من خلال حجم كتلة عدد الأصوات الفائضة التي يمكن تجييرها لمرشحين آخرين يمكن أن يتم ضمهم سواء إلى كتلة التنمية والتحرير أو إلى كتلة الوفاء للمقاومة. وهذه ربما تكون معركة أخرى بينهما.

فإذا كان الرئيس نبيه بري يراهن على أن تضم كتلته النواب الذين سيدعمهم كالنائب ميشال موسى عن الروم الكاثوليك في الزهراني وقاسم هاشم عن المقعد السنّي في حاصبيا مرجعيون وأنور الخليل عن المقعد الدرزي هناك أيضا، فإن «حزب الله» لديه مشكلة ربما في ضم حتى اللواء جميل السيد الذي رشحه في بعلبك الهرمل خصوصا أنه يشعر بأنه سيخوض معركة قاسية لمنع فوز مرشح «القوات اللبنانية» في هذه الدائرة الدكتور أنطوان حبشي، وهذا الأمر يأتي لديه قبل الإحتفاظ بالمقعدين السنيّين وحتى لو فاز بهما أو بأحدهما تيار المستقبل مثلاً، ذلك أنه يعتبر أن معركته الأساسية هي في منع «القوات اللبنانية» من زيادة حجم كتلتها النيابية وقد كان السيد حسن نصرالله واضحًا عندما جزم بأن لا تحالف مطلقاً مع «القوات» مع أن «القوات» يمكن أن ترد عليه بالطريقة التي رد فيها على تيار المستقبل وعلى قاعدة من قال إن «القوات تبحث» عن تحالف مع «حزب الله» فيما هي تعلن دائمًا أنها تخوض معركتها النيابية والسياسية على قاعدة تسليم سلاح الحزب إلى الدولة اللبنانية وأن سلاحه غير شرعي منذ العام 1991 تاريخ سحب السلاح من الميليشيات اللبنانية بعد الحرب وعلى قاعدة تطبيق القرارات الدولية وخصوصا القرارين 1559 و1701 بالإضافة إلى الأحكام التي يمكن أن تصدر عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

أبعد من مجرد التحالف مع حركة «أمل» في هذه الإنتخابات الذي يبدو أنه تحالف الضرورات الحربية والعسكرية، فإن «حزب الله» يفكر في مرحلة ما بعد هذه الإنتخابات. وإذا كان هناك من يعتبر من ضمن دائرة الحزب بأنه أعطى الرئيس بري و»أمل» أكثر مما يستحقانه فعليا، فإنه يتجاوز هذه المسألة إلى مرحلة ما بعد انتخابات العام 2022 التي يبدو أنها ستكون سابقة لاستحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس ميشال عون، وربما يفكر الحزب أيضًا بمرحلة ما بعد الرئيس بري. فهل يمكنه أن يعيش دائما على أحكام التكليف الشرعي وتحريم الإنتخاب لغير مرشحيه أم أنه سيكون أمام مواجهة واقع جديد قد تبدأ معالمه بالظهور في 7 أيار 2018؟

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل