#dfp #adsense

النفط في قعر البحر: آبار وأسرار

حجم الخط

 

كتب سيمون سمعان في مجلة المسيرة العدد – 1650:

النفط في قعر البحر: آبار وأسرار

الحفر في البلوك 9 على رغم «البلوك» الإسرائيلي

وقّع لبنان أول اتفاقيتي استكشاف وإنتاج للنفط والغاز، في احتفال بافيون رويال في «البيال»، في حضور ممثلين عن شركات نفط عالمية. التوقيع الذي أطلق مسيرة النفط والغاز في لبنان، مع ما يعني ذلك من مردود إقتصادي من جهة وآليات عمل مرافقة غير تقليدية من جهة ثانية، تزامن مع بروز أزمة بين لبنان وإسرائيل حول البلوك رقم 9 في الجنوب الذي تدّعي إسرائيل حقها في استثماره. وقد أعلنت شركة توتال الفرنسية إحدى الشركات الثلاث التي رست عليها المناقصة، أن حفر أول بئر سيكون في البلوك رقم 4 خلال العام المقبل. أما البلوك الرقم 9 فقالت إنها وشركاءها على دراية كاملة بالنزاع الحدودي بين لبنان واسرائيل. وهذا الموضوع كان في صلب المحادثات الأميركية في بيروت… وربما من هنا يجب أن يبدأ البحث.

ثمّة من وصف نهار 9 شباط الحالي بأنه نهار غير عادي في تاريخ لبنان، بل في مستقبل لبنان، لأنه أدخله نادي الدول النفطية بعد توقيع إتفاقيتي الإستكشاف والحفر في المياه الإقليمية اللبنانية مع كونسورتيوم شركات يضم كلا من توتال الفرنسية وإيني الإيطالية ونوفاتك الروسية. لا شك في أن الخطوة وضعت المسألة النفطية برمّتها على السكة استعدادا للإنطلاق نحو الإستخراج والتصدير وتعويم الخزينة الرازحة تحت أكثر من 80 مليار دولار ديناً يستنزف الإقتصاد والدخل الوطني. لكن، دون ذلك جهد كبير وتصميم صادق وعقبات كثيرة أبرزها على الأقل اثنتان: النزاع المتصاعد مع إسرائيل حول السيادة على منطقة الرقعة التاسعة عند الحدود البحرية المشتركة في الجنوب، والشفافية في التعاطي مع مسألة بهذه الدقة والأهمية، خصوصا أن العديد من التجارب السابقة لا يبعث الرسائل المطمئنة في هذا الخصوص. ولا يترك مجالا للركون على الرغم من كل التطمينات المكررة من قبل المسؤولين.

إستكشاف ومكاشفة

كشفت وزارة الطاقة، أن «ائتلاف الشركات» قدّم عرضين حازمين في كل من الرقعة رقم 4 في الوسط والرقعة رقم 9 على الحدود الجنوبية. والتزم حفر عدد من الآبار الاستكشافية، مما يؤمّن التوصّل الى اكتشاف تجاري في كل من الرقعتين بشكل سريع. وقد ثبت أن ما قامت به وزارة الطاقة والمياه وهيئة إدارة قطاع البترول من مسوحات زلزالية في المياه البحرية وتحاليل لهذه المسوحات كانت إيجابية، إذ مكّنت الشركات من تقديم عرضين تقنيين حددت بموجبهما أماكن الحفر الإستكشافي الذي سينطلق خلال العام 2019، وبتقصير فترة الإستكشاف الآيلة الى تحقيق اكتشاف تجاري بفضل البيانات التي أمّنتها هذه المسوحات وتحليلاتها.

وأكد مسؤولون في وزارة الطاقة أن الوزارة ستتابع ما بدأته منذ إقرار قانون الموارد البترولية في المياه البحرية، حيث كان جرى العمل على اعتماد سلسلة من المبادئ تمحورت على عدد من النقاط أبرزها:

• العمل على تحقيق الأمن الطاقوي وهو من المكونات الأساسية للسياسة البترولية العامة، وتأمين البنية التحتية المحلية اللازمة لتلبية الطلب المحلي من البترول المنتج.

• ترشيد الانشطة البترولية واستدامتها، وذلك بالإشراف على تنفيذ أنشطة الاستكشاف توصلا الى الإنتاج بأساليب رشيدة تضمن سلامة المكامن والمحافظة على البيئة واستخراج أكبر كمية ممكنة من البترول.

• السعي إلى جذب الاستثمارات الطويلة الأمد في قطاع البترول في لبنان.

• إنشاء الصندوق السيادي الذي يضمن الإفادة المستقبلية للأجيال القادمة.

• إرساء أسس الحوكمة السليمة والالتزام بالشفافية على امتداد مسار الأنشطة البترولية.

هذا نظريا في المبدأ، لكن ماذا عن الإلتزام العملي لهذه المبادئ ما يؤمّن الغاية المنشودة من كل هذا المسار النفطي المنتظر منذ الخمسينات؟ هناك العديد من الخبراء ممن يشككون بالقيمة العالية للنتائج المرتقبة عند دخول لبنان مرحلة التصدير. وتقوم هذه الشكوك على عاملين: العقبات التي سيواجهها لبنان خلال مسيرة الحفر والتصدير وجني العوائد، وهي في نظرهم ليست قليلة وليست سهلة التذليل، سواء أكانت فنّية أو سياسية، في حين لا يبدو لبنان في كامل جهوزيته لمواجهتها. وثانيا، توفّر الشفافية المرجوّة التي يخشى الجميع عدم توفّرها إستنادا إلى التجارب والممارسات العديدة السابقة وفي شتّى المجالات.

مصادر في وزارة الطاقة والمياه قالت «إن النجاح في تحقيق إرساء سياسة بترولية شاملة سوف يؤدي الى إيجابيات كبيرة منها توفير مصدر أقل كلفة وأقل تلويثا لقطاعي الكهرباء والصناعة في لبنان، وبالتالي المساهمة بدعم الإنتاج المحلي. من ناحية أخرى ستؤدّي العائدات وكذلك الاستثمارات المباشرة في هذا القطاع في السوق المحلي، إلى تحريك عجلة الإقتصاد الوطني. وخلق فرص للمستثمرين والمتخرجين اللبنانيين في العديد من المجالات».

الأهم من ذلك ضمان هذه الثروة عبر صندوق سيادي وإدارة كفوءة وشفّافة، وهو ما يؤكد المسؤولون في الوزارة أنه حاصل حتما ولا مبرر للشكوك حوله. لافتين إلى أن الثروة البترولية الموعودة ستتحوّل إلى ثروة مالية تحفظ في صندوق سيادي. وأن هناك خططا لاستثمارها لخير الأجيال القادمة ولمستقبل أفضل للبنان. وهو لا شك في أنه سيكون أكثر إشراقا.

العبرة في التنفيذ

إذا كانت مسألة النزاع حول البلوك رقم 9 متروكة جزئيا للتفاوض الذي يقوم به الأميركيون، فإن مسألة الشفافية في إدارة القطاع تقع كليًّا على عاتق المسؤولين اللبنانيين. وهم مسؤولون حكما تجاه الأجيال الآتية وثروات البلد. وفي هذا الإطار يتفق كلٌ من وزارة الطاقة والمياه وهيئة إدارة قطاع البترول على القول، «إن دورة التراخيص الأولى تميّزت بإجراءات شفّافة، وإن هناك جهات غير حكومية أجنبية ومحلية قامت بدرس هذه الإجراءات واعتبرت أنها تتمتع بالشفافية المطلوبة، كما سلّطت الضوء على اعتماد إجراءات مستقبلية من شأنها أن توسّع دائرة الشفافية التي رسمناها، ضمن إطار الحوكمة المعتمد من قبلنا».

ولطالما جرى التأكيد على الالتزام بقواعد الشفافية باعتباره من الأهداف الأولى التي تعمل البلدان المتقدمة والبلدان النامية على تحقيقها. لكن ماذا عن الهيئات المتابعة من خارج الإطار الرسمي؟

مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا لوري هايتيان، قالت لـ«المسيرة» إن مسألة الشفافية حتى الآن ليس فيها ما يدعو إلى الشك. فطلب التأهيل المسبق للشركات المتقدّمة جاء في هذا السياق لضمان قدر أكبر من الشفافية. لا شك أن المسألة الأهم هي أن اللبنانيين على حق في التشكيك. ولطالما قلنا للحكومة أن ليس في مقدورها تجاهل الريبة عند المواطنين ووضع شكوكهم في دائرة الشبهات بل العكس الدولة هي في خانة الشبهات لأنها لم تقدم في الماضي نماذج توحي بالثقة. ومن حق المواطن أن يتابع ويستكشف ويتحقق. باعتبار أن الحكومات تبقى في خانة الشبهات وعليها التأكيد للمواطنين أن من يتولون شؤونهم ومستقبل أبنائهم شفافون وصادقون.

وتابعت «أن ما تم توضيحه سابقا من قبل الوزارة كان جيدا كبداية وأظهر أن الأمور مكشوفة للجميع وتأخذ منحى سليما. أما التأخر في التلزيم وإقدام الشركات ثم إحجامها والذي وضعه البعض في خانة الشكوك، فسببه انخفاض أسعار النفط في الفترة السابقة إلى مستويات لم تعد معها الشركات ترغب في الدخول في مشاريع جديدة، خصوصا إذا كانت غير مأمونة النتائج لناحية القيمة التجارية والأرباح المتوخاة منها، إضافة إلى الشلل الذي أصاب المؤسسات في مرحلة النزاعات أو الفراغ الرئاسي. ولذلك وجدنا أنه بعد تحسّن أسعار النفط وعودة المؤسسات إلى العمل، عادت الرغبة لدى الشركات للإستثمار وانطلقت العملية».

وأضافت هايتيان «أن الحكومة اللبنانية أبدت رغبتها في الدخول إلى «مبادرة الشفافية للصناعات الإستخراجية» وهي جمعية غير ربحية مسجلة في النروج وتعرّف عن نفسها بأن أهدافها تنحصر بـ»العمل على إقامة معيار دولي للشفافية حول إدارة عائدات الموارد الطبيعية»، إذ تحث المبادرة، الحكومات كي تُفصح عن المبالغ التي تتلقاها من الشركات الاستخراجية العاملة في بلدها، وتحث الشركات أيضاً كي تفصح عن المبالغ التي تدفعها للحكومات. وفي حال دخلت الحكومة هذه المبادرة يكون الأمر مكشوفا وسهل المراقبة».

بالتوازي هناك ما يُعرف بـ»نموذج العقود». وكنا نتمنّى لو أقدم المسؤولون على نشر العقود مع الشركات، في احتفال البيال لأظهر الأمر شفافية أكبر. ولكن بما أن هذا لم يحصل، فيمكن للمواطنين استخدام قانون حق الوصول إلى المعلومة لإجبار الحكومة على نشر العقود وكل المعلومات موضع الشك للتأكد من صحتها. ويمكن القول إنه حتى الآن كان هناك شفافية في التعاطي مع المسألة. لكن المرحلة الأهم هي تلك الآتية، أي بعد استخراج النفط والغاز وبدء جني العائدات. وعلى هذا الصعيد يجري الآن تحضير قوانين لتنظيم القطاع أبرزها قانون مديرية الأصول وقانون الشركة الوطنية وقانون الصندوق السيادي. هذه المؤسسات الثلاث هي التي ستكون مسؤولة عن التصرف بالأموال ولذلك فإن محك الشفافية في التعاطي يبرز في هذه المرحلة وليس في مرحلة التعاقد والتحضير والتلزيم والحفر.

فإذا لم يكن قانون الصندوق السيادي صارما وواضحا لناحية كيفية إدارة وإنفاق الأموال والمحاسبة في حال المخالفة أو إرتكابات الفساد، وإذا لم يتم وضع ضوابط متشددة في القانون لناحية المحسوبيات والتوظيف السياسي بحيث لا يتم اعتماد معيار الكفاءة، فـ»يا ضيعان التعب، وكل يللي عملناه بيكون راح خسارة»!

فهل ستعتمد الحكومة ذلك؟

مصادر وزارية أشارت إلى أن لبنان اعتمد نظام التأهيل المسبق للشركات في دورات التراخيص، وذلك من أجل استبعاد الشركات غير الجدّية أو التي لا يمكنها تحمّل المخاطر التقنية والمالية في المياه البحرية العميقة. كما اعتمد مبدأي النشر والإفصاح على امتداد المنظومة القانونية المتعلقة بالأنشطة البترولية.

أما عما إذا كانت مسألة النزاع الحدودي البحري مع إسرائيل ستعيق عملية التنقيب فقد كشفت مصادر خبيرة لـ»المسيرة» أن التنقيب سيبدأ قريبا في البلوك رقم 9 بغض النظر عما تكون قد وصلت إليه المفاوضات عبر الأميركيين. وأوضحت أن النزاع هو على جزء من المنطقة الإقتصادية الجنوبية وليس كلها، وفي هذه الحال يمكن بدء العمل في الجزء المحسومة ملكيته للدولة اللبنانية ريثما تكون تمت تسوية الأمور. وأشارت المصادر عينها إلى أن شركة إيني الإيطالية أعلنت ذلك مؤخرا وقالت إنها ستبدأ التنقيب في الجزء المتاح من البلوك 9. وإلى أن وزارة الطاقة أكدت بدورها أن الرقعة المذكورة تقع ضمن المياه البحرية اللبنانية وأنها خاضعة بشكل تام وناجز لسيادة الدولة اللبنانية، وأن أنشطة الاستكشاف فيها ستتم بصورة كاملة كما ستتم في الرقعة رقم 4.

وفي معلومات من مصادر ديبلوماسية أن هناك مصلحة دولية في تسهيل مشاريع النفط، وهي ستكون كفيلة بتسوية النزاع مع إسرائيل وكذلك حماية المنشآت وعملية التنقيب والاستخراج. وأشارت الى مؤتمر روما 2 لدعم الجيش الذي سيركز على تجهيز القوات البحرية اللبنانية بحيث تكون قادرة على حماية المنصات.

على الرغم من كل ذلك ثمّة خشية عند اللبنانيين من أن تشكل الذريعة الإسرائيلية بالسيادة على المنطقة المتنازع عليها، سببا لنسف المشروع. وهناك ريبة في حال استمراره من أن تذهب أمواله إلى جيوب المتنفّعين ويبقى الدَين عالياً والأمل معدوماً. من هنا قول مرجعية سياسية كبيرة إن المبادرة الأفعل اليوم ليست عند المسؤولين ولا عند هيئات الرقابة، بل هي في يد المواطنين، فليُحسِنوا في السادس من أيار المقبل اختيار من سيوكلونهم إدارة هذه الثروة مستقبلا وطبعا غيرها من ثروات…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل