قديسون من لبنان أو من أصل لبناني (1)

كتب المحامي موريس حمصي في “المسيرة” – العدد 1650:

ترجم الكتاب المقدس الى أكثر من الف لغة ولهجة وورد فيه اسم لبنان 70 مرة وذكر الارز 75 مرة ومدينة صور 59 مرة وغيرها من المدن والقرى اللبنانية 35 مرة وقد تشرفت وتقدست أرضه بالمسيح حيث تمت أعجوبته الأولى في عرس قانا الجليل (الجنوب اليوم) وتجلى على إحدى قمم جبل حرمون (جبل الشيخ اليوم) واعتبر لبنان بحق أرضًا مقدسة وأرض القديسين والشهداء والنساك والرهبان ويعيش اليوم فيه بسلام ثماني عشرة طائفة من أديان ومذاهب مختلفة من بينها الطائفة المارونية التي تسمت باسم الناسك القديس مارون وتنتسب الى مؤسسها وبطريركها الأول يوحنا مارون أحد رهبان دير مار مارون والتي يعود إليها الفضل في إنشاء الكيان اللبناني ودولة لبنان الكبير وإرساء هذه الصيغة الفريدة في الشرق.

وفيما يلي نبذة وفهرس زمني عن بعض القديسين اللبنانيين.

القديس لاونتيوس الطرابلسي ورفيقاه (18 حزيران)

ولد لاونتيوس في بلاد اليونان في القرن الاول. عاش في مدينة طرابلس لبنان جنديا مزدانا بالفضائل المسيحية. أمر الوالي الروماني بالقبض عليه، ثم استدعاه وتهدّده ليكفر بإيمانه، لكن على غير طائل. فضربوه بشدّة ثم علّقوه وجرّدوا جسده بأظفار من حديد وهو صابر يشكر الله. وشدّوا أطرافه بين أربعة أوتاد، وجعلوا يضربونه حتى فاضت روحه الطاهرة. دُفن في طرابلس. وكانت شهادته نحو سنة 70م. وشُيّدت في ما بعد في ميناء طرابلس كنيسة إكرامًا له.

القديسة بربارة البعلبكية  (4 كانون الأول)

عاشت في أواسط القرن الثالث في مدينة هليوبوليس. المعروفة اليوم باسم بعلبك، في لبنان، في زمان الإمبراطور مكسيميانوس (285 – 310). وكان أبوها ديوسيقورس غنيًا وثنيًا متعصبًا. فأحسن تربيتها وزوّدها بالعلوم والآداب. وبما أنها كانت رائعة الجمال وضعها في برج حصين، وأقام من حولها الأصنام لتظل متعبّدة للآلهة. أمرت خدّامها، وبينهم مسيحيون، بتحطيم ما حولها من الأصنام. إقتادها والدها الى أمام الوالي الروماني مرقيانوس مكبّلة بالسلاسل. فاستشاط الوالي غيظا من ثباتها في الإيمان بالمسيح، وأمر بجلدها، فتمزّق جسدها وتفجّرت دماؤها، وهي صابرة صامتة، رافضة أن تتنكّر لإيمانها.

أمر الحاكم بجلدها ثانية. ثم أمر والدها بأن يقطع رأسها، فتمّت شهادتها في بداية القرن الرابع. إن تكريم القديسة بربارة شعبي جدا. وانتشر شرقا وغربا.

القديسة الشهيدة أكويلينا الجُبيلية (13 حزيران)

هي ابنة أحد أعيان جبيل. ولدت أكويلينا في مدينة جبيل سنة 281م إضّطرم قلبها بمحبة الطفل الإلهي، وهي ابنة اثنتي عشرة سنة، فأخذت تسعى في نشر عبادته بين مواطنيها فآمن منهم عدد وافر. وكان ذلك في زمان الإمبراطور ديوكلتيانوس (285 – 305). الذي كان يضطهد المسيحيين. إستحضرها وسألها عن إيمانها، فأجابت أنها مسيحية. وهي تؤمن بالمسيح مخلّصا. فحنق الحاكم وأخذ يتهددها ليحملها على الكفر بالمسيح فلم تأبه له. فأمر الجند فصفعوها على وجهها، ثم جلدوها بالسياط جلدا قاسيا حتى سالت دماؤها. فسألوها وهي في بحر من الدم، أن تكفر بالمسيح، فتحيا. فلم تُجب بغير دمائها المسفوكة من أجل المسيح. فأمر بطرحها في السجن. وفي صباح اليوم التالي أمر بقطع رأسها. دخل إليها السيّاف فوجدها قد ماتت. وهكذا نالت إكليل الشهادة سنة 293. وقد أجرى الله على قبرها معجزات كثيرة. ثم نقلت ذخائرها المقدسة الى القسطنطينية، حيث أحيطت بإكرام جزيل. وعلى اسمها شُيّد معبد في مدينة جبيل اللبنانية.

القديس تلالاوس اللبناني (20 أيار)

ولد تلالاوس في عائلة مسيحية في جبل لبنان. تعلّم الطب وأخذ يتعاطاه بدون مقابل، فكان له وسيلة لشفاء النفس والجسد معا. لم يُفرّق بين مسيحي ووثني. دعا الناس الى الإيمان بالمسيح، ثم راح يجوب المدن والقرى، يذيع بُشرى الملكوت، وهو ما دون العشرين من عمره، في زمن الإمبراطور مرقس أوريليوس نوميريانوس (282 – 284). أوقفه العسكر سنة 284، وساقوه الى أمام تيودورس الوالي. سأله الوالي إذا كان مسيحيا، فأجاب بكل جرأة، ولم يُنكر. سلّمه الى الجلد. فصمد تحت وقع السياط. إتّقد في قلبه حبّه للمسيح فرفعه فوق آلام الجسد. عانى الأظافر الحديدية وألسنة اللهب فلم تؤثر فيه. تناثر جسده وتكسّرت عظامه وهو صابر لا يتذمّر، وكأنه لا يشعر بألم. فلما شاهد إثنان من الجلادين صبره هذا آمنا، وجاهرا بإيمانهما. للحال أمر الوالي بقطع رأسيهما فتكللا بالشهادة. تهلل تلالاوس فرحا وعزاء، وشكر الله على نعمته هذه وكرّر اعترافه جهرا بالمسيح الإله. فأمر الوالي بقطع رأسه، فأنضم الى الشهداء القديسين سنة 284.

القديسة كريستينا (24 تموز)

ولدت كريستينا في مدينة صور في أواخر القرن الثالث في عائلة وثنية. كان أبوها أوربانوس حاكم المدينة شديد التعصّب لوثنيته، يضطهد المسيحيين ويُنكّل بهم. فلما رأت ابنته ما يتحملّه المسيحيون من العذابات المُرّة، وهم ثابتون في إيمانهم، تأثرت جدا ومسّتها النعمة الإلهية، فنبذت عبادة الاصنام، وآمنت بالمسيح وشُغفت بمحبته وتعاليمه، واعتمدت، خُفية عن أبيها، وكان لها من العمر إحدى عشرة سنة. وكان أبوها يخشى عليها من مخالطة الناس، فجعلها في حصن، ووفّر لها أسباب الراحة، ووضع لديها أصناما من فضة وذهب، لكي تتعبّد لها. أمّا هي فحطّمت تلك التماثيل حبا للمسيح. فغضب أبوها ووبّخها، فأجابت بكل سذاجة: “إن الأصنام ليست بآلهة ولا فائدة منها”. فتهدّدها بالعذاب والموت إن لم ترجع عن إيمانها وتكفر بالمسيح، فقالت بكل شجاعة: “أنت قادر، يا أبي، أن تعذبني وتُعدمني الحياة، لكنك لا تستطيع أن تفصلني عن إيماني بيسوع المسيح وعن محبتي له”. حينئذ أمر بتعذيبها فضربوها بالسياط. ومزّقوا جسدها بمخالب من حديد، حتى سالت دماؤها. وألقاها في السجن. علّقوها على خشبة ورموها بالسهام، فنالت إكليل الشهادة سنة 300 للمسيح.

القديسان تيرانيون الصوري، وزنوبيوس الصيداني وآخرون (20 شباط)

في سنة 304، أصدر الامبراطور (285 – 305) مرسوما يقضي بتأييد الوثنية، فكان الدافع المباشر الى اضطهاد المسيحيين، في أيامه. وفي زمن ولاية فنتوريوس على صور، سقط عدد كبير من الشهداء، أورد أوسابيوس القيصري خبرهم في تاريخه. وكتب: “ظلّت الوحوش الضاربة وقتا طويلا لا تجسر على ملامسة أجساد أعزّاء الله هؤلاء أو الدنّو منها. كان الأبطال المباركون واقفين وحدهم عُراة يُلوّحون بأيديهم لها ليحملوها على الاقتراب منهم، لكنها كلّما هجمت عليهم كانت تتراجع وكأنّ قوة إلهية تصدُّها”.

أخيرا تم قتلهم بالسيف. وبدلًا من دفنهم في الأرض، طُرحوا في أعماق البحر. أما تيرانيوس أسقف كنيسة صور، وزنّوبيوس كاهن كنيسة صيدا، فأرسلا في القيود الى إنطاكيا، حيث مجّدا كلمة الله بصبرهما حتى الموت. أُلقي الأسقف في أعماق البحر، ومات زنّوبيوس بتعذيب شديد لقيه على جنبيه، وكان ذلك سنة 310.

القديسة تيودوسيا اللبنانية (29 أيار)

ولدت تيودوسيا في مدينة صور. تربّت على خوف الله وتقواه. ومنذ حداثتها كانت تلازم الصلوات والتأملات، معرضة عن ملذات العالم وأباطيله. وفي أثناء الاضطهاد الذي أثاره ديوكلتيانوس (285-305) ومكسيميانوس (285-310) على المسيحيين، ذهبت تيودوسيا، وهي إبنة ثماني عشرة سنة، الى قيصرية فلسطين، لتشارك في الاحتفال بعيد الفصح في 2 نيسان سنة 307. هناك كان أوربانوس الوالي قد قبض على كثيرين من المعترفين بالمسيح. فنظرت تيودوسيا بعين دامعة الى أولئك المضطهدين المسجونين، الذين كانوا يشهدون لملكوت المسيح. واندفعت بكل شجاعة، وتقدّمت إليهم تُحييهم بالسلام وتُشجعهم، وتطلب منهم أن يصلّوا من أجلها. ويذكروها أمام الرب. فعرف الوالي أنها مسيحية، فأحضرها غاضبا وأخذ يتهدّدها بالتعذيب إن لم تُضحّ للآوثان. أمر أوريانوس بأن يُعلّق في عنقها حجر ضخم وتُغرق في لجة البحر. فتكللت بغار الشهادة سنة 307. تكرّمها الكنيسة في الشرق والغرب.

القديس أوتل (القرن الثالث)

ولد القديس أوتل في منتصف القرن الثالث في بلدة المجدل على نهر الخابور في بلاد ليقيا التي صار اسمها دولة العراق اليوم. منذ صغره اهتدى واعتمد وكرّس بتوليته لله وعندما قرر والداه الوثنيان تزويجه بهدف إنكار ايمانه بالمسيح هرب الى بيزنطية حيث باعته مجموعة من المرتزقة الى بحارة بصفة غلام أسير. كاد المركب أثناء رحلته مع البحارة ان يغرق إلا ان صلوات القديس أوتل أنقذت جميع من في المركب. انتقل الى أنطاكيا ثم تنسك في أحد أديار القسطنطينية لمدة عشرين عاما. بعد وفاة والدته عاد الى وطنه ودخل سلك رهبنة القديس ملكا القلزمي الذي شهد له باجتراح العجائب حيث اعتمد آلاف الوثنيين على يديه. رقد القديس أوتل عام 327 بعد ان اعتزل في أيامه الأخيرة داخل صومعة في إحدى الغابات.

وله كنيسة شيدت على اسمه في بلدة كفرصغاب وهي كنيسة قديمة العهد تأسست عام 1470 واعيد ترميمها عام 1776. وفي عام 1996 تم وضع تمثال له فيها حيث تم توسيع الطريق وباحة الكنيسة عام 2010.

يقع عيد القديس أوتل الرسمي في 3 حزيران أما رعية كفرصغاب تحتفل بعيده في 27 آب وهو التاريخ الذي صنع فيه القديس أعجوبة شفاء أبناء القرية من مرض الطاعون.

وللقديس كنيسة ثانية في إيطاليا وهو يعتبر شفيع المهاجرين والمسافرين وكل من يستقل طائرة أو باخرة أو قطارا أو سيارة. والآيات التي حصلت مع أبناء كفرصغاب لا يزال يتناقل الأهالي سيرتها، ومن بينها كارثة غرق “التيتانيك” في نيسان عام 1912 حيث كانت يوجد على متن تلك السفينة 36 شخصا من بلدة كفرصغاب وبسبب مرض أحدهم قرروا ملازمته والنزول من الباخرة. وقد نجوا جميعا.

القديس دروتاوس أسقف صور (6 حزيران)

كان أسقفا على صور في عهد ديوكلتيانوس (285-305)، الإمبراطور البيزنطي، وليشينيوس (308 – 224) الإمبراطور الروماني. ومن أجل إيمانه تحمّل عذابات متنوّعة ونُفي عن كرسيّه الى مدينة أوديسوبوليس في تراقيا (فارنا الرومانية). كان متضلعا في اللغتين اليونانية واللاتينية، ذكيّ الفؤاد. وقد ترك تآليف نفيسة، ومصنفات بديعة، تدلّ على كثرة علومه وسعى مداركه. وحضر المجمع النيقاوي سنة 325. استشهد أيام يوليانوس الجاحد (360 – 363) عام 362، وله من العمر 107 سنين.

القديس بمفيلوس

كاهن شهيد ولد في بيروت عام 250 من أسرة عريقة ونبيلة واستشهد بقطع رأسه سنة 309 مع رفاقه ومات شهيد الإيمان بالرب يسوع المسيح.

القديس أغسطينس (354 – 430) القرن الخامس

من أصل فينيقي وتحديدا ينحدر من الجماعة الفينيقية التي أبحرت من مدينة صور فأسست قرطاجة واستوطنت فيها. كان وثنيا في بدء حياته وبفضل والدته القديسة مونيكا وإلهام الروح القدس آمن بالمسيح ويعدّ اليوم أحد ملافنة الكنيسة.

القديس مارون أبو الكنيسة المارونية (9 شباط)

ولد القديس مارون في منطقة حمص في سوريا، وقد كتب سيرة حياته تيودوريتس أسقف قورش (393 – 664)، داعيًا إياه مارون الناسك. ويدعوه تيودوريتس “مارون الإلهي”، ويقول: “لقد زيّن مارون طغمة القديسين المتوشحين بالله، ومارس ضروب التقشف والإماتات تحت جو السماء، من دون سقف سوى خيمة صغيرة لم يكن يستظلها إلا نادرا”. ويُضيف قائلا: “إن البار مارون الناسك كان كاهنا من بلاد سوريا الثانية، وكان في سيرته راهبا ساكنا في قمة جبل قورش من أعمال انطاكية. كان يواصل الجهاد في خدمة الله ليلا ونهارا، فمنحه الله موهبة الشفاء. ولهذا كان يأتيه الكثيرون من كل مكان ليستشفوا من أمراضهم، يُخرج الأرواح الشريرة ويشفي من كل مرض بصلاته، ليس أمراض الجسد فقط، بل أمراض النفس أيضا”. شهد تيودوريتس الأسقف المؤرخ على أن مارون “قد غرس لله البستان المزدهر في أنحاء المنطقة قاطبة”، فتدفّق إليه عدد كبير من الشُبّان بهدف الترهّب، فأنشأ لهم مناسك وصوامع على الطريقة الإنفرادية، بحسب عادة تلك الأيام، ثم أنشأ أديارا وسَنّ لهم قانونا، وقام يُرشدهم الى طريق الكمال… الى القديس مارون تنتسب كنيستنا المارونية، التي تعتبره أبًا لها، وتتميّز ما بين الكنائس المحلية بأنها الوحيدة التي تحمل إسم مؤسسها، وبشفاعته بقيت واحدة موحّدة.

(يتبع)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل