غوطة دمشق والثور الإيراني

خرج قرار مجلس الأمن 2401  المتعلّق بوقف الأعمال العسكرية في سوريا ورفع الحصار المفروض من قِبَل قوات النظام على غوطة دمشق الشرقية، هزيلاً الى أبعد الحدود. أدبيات القرار التي خلت من  كلّ مفردات الإلزام ومن أيّة تدابير إجرائية، قاربت بيانات  التمني التي تصدر عادة عن الجمعية العمومية أو عن القرارات الرئاسية، وأفسحت في المجال لاستمرار العمليات ضد الفصائل المتطرفة والجماعات المرتبطة بها، وهذا بحدّ ذاته دعوة مفتوحة لاستخدام  القرار المذكور في أكثر من اتّجاه.

روسيا التي صدر القرار وفقاً لإرادتها، والتي استمرت طائراتها في قصف الغوطة الشرقية  ولوّح وزير خارجيتها سيرغي لافروف بتكرار سيناريو حلب في الغوطة، لم تستطع الميليشيات وقوات النظام المنضويّة تحت إمرتها  تحقيق أي تقدّم ميداني قابل للإستثمار،  فكان لا بدّ من التخفيف من مفاعيل القرار بعد أقل من يومين على صدوره. إنهالت التسهيلات الروسية، بدءاً من دعوة وزير الدفاع سيرغي شويغو لفتح ممرات إنسانية، وصولاً الى عرض الرئيس فلاديمير بوتين تثبيت هدنة يومية لمدة خمس ساعات والسماح بخروج المدنيين من الغوطة. وزارة الدفاع الأميركية أعلنت أنّها لن تلعب أي دور في مراقبة إنتهاكات الهدنة. وقال المتحدث بإسمها «روب مينينغ» إنّها ستدعم مساعي الخارجية الأميركية الراميّة إلى بذل جهود برعاية الأمم المتّحدة لحلّ النزاع في سوريا. وفي سياق إظهار المزيد من اللامبالاة طالبت واشنطن موسكو باستخدام «نفوذها» لكي يوقف النظام السوري «فورا» هجومه على الغوطة الشرقية المحاصرة.

بدا القرار الأممي وكأنّه  تحوّل مأزقاً لروسيا بدل أن يشكّل عامل قوة لها. لم  يعنِ الإستمرار بقصف الغوطة أي شيء بالنسبة للولايات المتّحدة ولا لأي طرف إقليمي،  حتى التهديد بدخول الميليشيات إليها أضحى دون أفق ولا يمكن استخدامه كورقة قوة لاستدراج العملية السياسية. تعاطى الجميع مع الغوطة من قبيل إنساني وليس من قبيل سياسي وكأنّها أُخرجت من قائمة الإهتمامات الأميركية أو الإقليمية.!!!!

تركيا التي تلقفت القرارعلى الطريقة الروسية، وأعلنت أنّها غير معنيّة به وأنّ عملياتها العسكرية مستثناة من مفاعيله لم تحقق أي تغيير على الأرض، بل انصرفت بدورها إلى استدراج العروض الأوروبية لقبض ثمن الإلتزام بالقرار، ولكن دون جدوى. لم ينجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إقناع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بجدوى استمرار قواته في العمليات، تحت عنوان طرد الإرهابيين وإفساح المجال لعودة ملايين اللاجئين ، بالرغم من  الأهمية التي توليها أوروبا وفرنسا بشكل خاص لهذا الموضوع .إلى جانب ذلك، تطرّق الرئيس التركي مع نظيره الفرنسي الى الأزمة مع قبرص وترسيم  المنطقة الإقتصادية الخالصة وكأنّه يستدرج فرنسا الى الإستثمار في نفط  وغاز البحر المتوسط، على طريقة بيع جلد الدب قبل صيده. الرئيس الفرنسي لم يتلقف العروض التركية السخيّة بل أكّد على ضرورة الإلتزام بتطبيق القرار 2401 بما في ذلك العمليات التركية في منطقة عفرين. الجدير بالذكر،أنّ استدراج العروض التركية كان موضوع زيارة الرئيس التركي الى باريس في شهر كانون الثاني / يناير المنصرم، عندما طُرح  مجدداً موضوع إنضمام تركيا الى الإتّحاد الأوروبي، وقد أجاب الرئيس الفرنسي حينها أنّ التطورات الأخيرة لا تتيح التقدّم في محادثات الإنضمام غامزاً من قناة إعتقال الصحافيين في تركيا وداعياً الى إحترام دولة القانون.

المستهجن أنّ عمليتيّ التسويق التركية والروسية جاءتا دون نتيجة، وكأنّ من تُطلب منهم أثمان الإلتزام بالقرار لا يأبهون للتهديدات أو هم سئموا منطق المساومات الروسية  التي لا تنتهي والباطنية الإيرانية التي حيكت على أساسها سجادة النفوذ الإيراني قي المشرق العربي. سحب تقاطع المصالح الأميركية عبر الأكراد الجغرافيا من تحت أقدام الأتراك ولم يعدّ الوجود التركي في الشمال السوري قادراً على إحداث أي فارق نوعي سوى ملء الفراغ بما لا يتعارض مع المصالح الأميركية. الوجود الإيراني بدوره لم يعدّ هاجساً أميركياً بعد إقتطاع مناطق النفوذ الأميركي في الجنوب السوري، بالرغم من الدعوات الإيرانية للحشد الشعبي في العراق للقتال في سوريا ودعوة العراقيين لقتال الوحدات الأميركية في شرق الفرات.

يبدو إستثمار  القرار 2401 من قِبّل  التحالف الثلاثي الروسي الإيراني التركي  دون أُفق، في ضوء العودة العسكرية الأميركية الفعليّة الى كلّ من العراق وسوريا، التي اعتبرها كلّ من وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جيمس ماتيس في أكثر من مناسبة إنّها عودة طويلة الأمدّ ، وفي ضوء الضراوة التي تدافع بها  الولايات المتّحدة عن مكاسبها الميدانية وعن مناطق نفوذها، والتي كان آخرها إفشال هجوم دير الزور الذي أودى بحياة أكثر من مئتيّ روسي إعتبرتهم القيادة الروسية من المتطوّعين من خارج الوحدات النظاميّة.

ضاقت  الجغرافيا السورية على حلفاء الأمس بعد الإنتشار الأميركي، غوطة دمشق وبغض النظر عن مصيرها لا تعدو كونها مساحة لتقاسم النفوذ بين النظام وايران وربما عنواناً لنزاعٍ بينهما . تدرك روسيا أنّه لم يعد أمامها سوى الإستمرار في التهام شركائها في ظل عدم القدرة على استيفاء أثمان تطبيق القرار 2401 من الولايات المتّحدة ، ويدرك شركاء روسيا أنّهم يذوبون تباعاً على قاعدة لقد أُكِلت يوم أُكِل الثور الابيض . أُكل النظام في المرة الأولى عندما تخلى عن عروبته لصالح طهران، وأكل ثانيةً عندما استدعى موسكو دون قيد أو شرط لإنقاذه.   أُكِلت تركيا عندما لم تدرك تبعات التضحية بحلب لاسترضاء روسيا وربما لتعزيز شروطها لدى الولايات المتّحدة، فهل تدرك طهران أنّ الثور الإيراني أُكِل يوم أُكِل الثور السوري والثور التركي؟…

 

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات

المصدر:
اللواء

خبر عاجل