لماذا حرص الأمين العام لـ “حزب الله” قبل اسبوعين على القول إن حزبه لا يسعى الى السيطرة على البرلمان المقبل. الأرجح لأن معلومات تجمّعت لديه عن “قلق” لدى عواصم عديدة، ولأنه يعلم جيداً أن هذا المسعى مؤكّد لكن يحسن نفيه والتبرّؤ منه، جرياً على عادته في اخفاء الحقائق. وحين قال وقتها أنه “لا يوجد حزب سياسي في لبنان مهما عظم شأنه يستطيع الحصول على غالبية في المجلس”، لم يُعرف الى مَن يتوجّه حقاً، أإلى جمهوره أم الى “حلفائه” أم الى المعنيين في الخارج، فحتى جمهوره لن يصدّقه لأنه معبّأ بالكلام على أن القانون الجديد للانتخاب حقق لـ “الحزب” ما يريده لتكون له سيطرة على المجلس، فلا يضطر للتوتير بنشر “القمصان السوداء” على الطرق بل يكتفي ببضعة اتصالات هاتفية لنيل التصويت على أي قرار أو “تشريع” يعتزمه.
وعندما أقر وزير الخارجية الاميركي في عمّان بأن “حزب الله” جزء من العملية السياسية في لبنان، ثم قال في بيروت إن واشنطن لا تزال تعتبر هذا الحزب “منظمة ارهابية”، كان يشير عملياً الى المعضلة التي تعانيها هذه العملية السياسية. فعلى رغم وجود فرصة معقولة حالياً لعودة الدولة وتحريك المؤسسات وإنهاض الاقتصاد وتعزيز الجيش، إلاّ أن الأمر الواقع الذي فرضه “الحزب”، بسلاحه غير الشرعي وتورّطاته في الخارج وارتباطه اللصيق بالمشروع الايراني، نقيض لإعادة الاستقرار. أما “الدولة” التي يُراد لها أن تعود فلم تحسم قراراتها بعد، فهي ترغب في جمع نقائض الإعمار والخراب معاً: الاستقرار وسلاح “حزب الله”، أن تكون على وفاق مع القوى الخارجية لنيل المساعدات وأن تبقى في “محور الممانعة”… ولماذا؟ لأن رئيس الجمهورية يدين بمنصبه لـ “الحزب” وبالتالي فهو ملزم الدفاع حتى عن جرائمه، وفي المقابل يستغلّ “الحزب” وجود حليفه في المنصب كما لو أنه ضوء أخضر لاستمراره في تنفيذ أجندة الوليّ الفقيه. والنتيجة أن ما يُلزم الفرقاء اللبنانيين في تبادلهم للخدمات أو في مهادناتهم وتكاذباتهم لا يُلزم الأطراف الخارجية.
الاستحقاقان المقبلان في مؤتمرَي باريس وروما سيكونان حيويين للاقتصاد وللدفاع والأمن، وسيعبّران عن تقدير ايجابي أو سلبي للموقف في لبنان. فلا شك أن الدول المعنية تريد مساعدة لبنان لكن خشيتها من الوضع “المفخّخ” داخلياً واقليمياً قد تنعكس حذراً على استعداداتها المالية. حدث ذلك في مؤتمر الكويت للإعمار في العراق، ويحدث في المؤتمرات الاستطلاعية لإعادة الإعمار في سوريا، ولا بدّ أن التساؤلات نفسها ستُطرح بالنسبة الى لبنان فعلى رغم وجود نواة استقرار تشجّع على مساعدته إلا أنها محفوفة بمخاطر ايرانية، وليس في سلوك “حزب الله” و”زيارات” قيس الخزعلي وأمثاله ما ينفي ذلك. ربما يحاول لبنان – الدولة طمأنة الدول المانحة، أما “حزب الله” فأثبت دائماً أنه غير معني بالمصلحة اللبنانية.