
كتب نجم الهاشم في إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1651:
كان موعد وصول الموفد الملكي السعودي نزار العلولا إلى معراب محددًا عند الساعة الثامنة والنصف مساء الإثنين 26 شباط الماضي. ولكنه وصل عند الساعة الثامنة وعشر دقائق. في معراب تزدحم هذه الأيام المواعيد الدقيقة والمحددة خصوصًا ما يتعلق منها بالإنتخابات النيابية. كان لا يزال الدكتور سمير جعجع يتابع لقاءه مع منسقي وكوادر «القوات اللبنانية» في كسروان عندما تم إبلاغه بوصول الموفد السعودي قبل الوقت المحدد. أنهى اللقاء الكسرواني على عجل وانتقل للترحيب بالضيف الملكي.
بينما كان كثيرون يترقبون وصول العلولا ويسألون عن برنامج حركته وأبعادها وعما تريده المملكة العربية السعودية من ورائها، كانت معراب تعلم مسبقاً أنها ستكون محطة أساسية وتدرك أن زيارته لها لن تكون مجرد لقاء سياسي وينتهي بالتقاط الصور التذكارية ولذلك كان الإتفاق مسبقاً على أن يبقى الوفد لتناول طعام العشاء. ذلك العشاء لم يكن سريًا، وإن كان بعض ما دار فيه وقبله في اللقاء الرسمي ليس للتداول الإعلامي.
كان من الطبيعي أن تحضر ملفات كثيرة مطروحة إلى مائدة البحث والتحليل وتبادل الآراء. كان من الطبيعي أن يعتذر الدكتور جعجع عن عدم وجوده لحظة وصول الوفد، ولكن العلولا سارع إلى القول إنه وصل قبل الوقت المحدد لأنه يعتبر نفسه في بيته، كما عاد وقال للإعلاميين الذين كانوا ينتظرون التقاط الصور واقتناص الأحاديث. كان من الطبيعي أيضًا أن يبدأ الحديث في موضوع الإنتخابات النيابية طالما أن الدكتور جعجع أبلغ ضيفه أنه كان في لقاء انتخابي. فكل شيء صار انتخابات وهي معركة لا بد منها وأساسية في تاريخ لبنان.
في أطار البحث في هذا الموضوع شمل الحديث مسألة التحالفات الإنتخابية وعلاقة «القوات» مع الرئيس سعد الحريري و«تيار المستقبل» وقد أعلن الدكتور جعجع أن «القوات» ليست لديها مشكلة في هذا التحالف ولكن المسألة العالقة تتعلق بقرار الرئيس سعد الحريري.
في موضوع ما قيل وحكي عن أن «حزب الله» سيحصد أكثرية نيابية تخوّله السيطرة على قرار المجلس النيابي وسائر المؤسسات، كانت توضيحات حول أن هذا القانون يؤمن التمثيل الصحيح لكل المكوّنات ولا يسمح لأي طرف بأن تكون له الأكثرية وخصوصا «حزب الله» الذي تنبّه إلى هذا الموضوع وأعلن أمينه العام السيد حسن نصرالله ونائبه أنهم لا يطمحون إلى تكوين أكثرية الثلث النيابية التي يمكن من خلالها تعطيل جلسات انتخاب رئيس للجمهورية لا يوافقون عليه، وأن أولوية الحزب اليوم هي التمكّن من حصر التمثيل النيابي الشيعي به وبحركة «أمل».
من الطبيعي أيضًا أن يكون البحث تناول موضوع قوى 14 آذار وإمكانية إعادة صياغة آلية جديدة، ومن دون الخوض في خلفيات ما آل إليه وضعها كان هناك توافق على ترك المسألة رهن التطورات إذا لم يكن من الممكن أن تكون 14 آذار موحدة في هذه الإنتخابات، ذلك أن القرار في هذا الخصوص يتعلق في شكل أساسي بما سيفعله الرئيس سعد الحريري الذي تلقى الدعوة الرسمية لزيارة المملكة وقد لبّاها مباشرة بعد تلقيها وانتقل إلى المملكة يوم الأربعاء حيث استقبله الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد. وقد كان اللقاء مناسبة أيضًا للحديث عن موضوع ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل واعتبار أن ما ذهب إليه رئيس الجمهورية لجهة اللجوء إلى التحكيم الدولي هو المخرج المناسب لهذه المسألة.
كان وزير الإعلام مشاركاً في اللقاء مع الموفد الملكي السعودي في معراب. فهو المكلف بمتابعة ملف العلاقة مع الرئيس سعد الحريري و«تيار المستقبل». وقد كان لافتا لقاؤه الرئيس الحريري مساء الثلاثاء قبل توجه الأخير إلى المملكة العربية السعودية. لم يكن هذا الموعد مستجدًا ومرتبطاً باللقاء الذي حصل مع العلولا لأنه كان محددًا قبل زيارته، ولذلك فإن البحث تناول ما كان تم التوصل إليه سابقاً على أمل ان تتم متابعته بعد عودة الرئيس الحريري ليتم تحديد مسار التحالف الممكن بين «القوات» و»تيار المستقبل» في الإنتخابات النيابية. وكل هذه المسألة ستبقى معلقة على نتائج هذه الزيارة.
في 3 تشرين الثاني 2017 تلقى الرئيس سعد الحريري الدعوة إلى زيارة المملكة عبر اتصال هاتفي وكانت بعدها استقالته المفاجئة التي أثارت الكثير من التساؤلات حول أسبابها وأبعادها قبل أن يعود عنها على قاعدة العودة إلى الإلتزام بمبدأ النأي بالنفس عن صراعات المنطقة. هذه المرة كانت الدعوة رسمية جدًا وقد سارع الرئيس الحريري إلى تلبيتها باعتبار أنها ستكون كفيلة بتوضيح كل اللغط الذي دار حول علاقته بالمملكة سواء على المستوى الرسمي بوصفه رئيسًا للحكومة أو على المستوى الشخصي كونه ابن الرئيس رفيق الحريري وأبن المملكة أيضًا.
قبل زيارته المملكة في تشرين الثاني الماضي كان الدكتور سمير جعجع زارها أيضًا والتقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وهي لم تكن الزيارة الأولى له. وإذا كان الإستقبال المميّز للضيف السعودي الأخير في معراب سببًا في الحديث عن العلاقة المميّزة التي باتت تربط «القوات» بالمملكة، فإن لهذه العلاقة مداخل كثيرة سابقة. في خريف العام 2014 لبّى الدكتور جعجع دعوة وزير الخارجية السابق الأمير سعود الفيصل وكان لا يزال مرشح قوى 14 آذار لرئاسة الجمهورية، ثم زارها لتقديم التعزية بالملك الراحل عبدالله ولتهنئة الملك سلمان باعتلاء العرش. وفي 19 تموز 2015 كان أيضًا ضيفاً مميّزًا في قصر السلام في جدة عندما استقبله الملك سلمان وولي العهد وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان ومدير الإستخبارات العامة خالد بن علي حميدان قبل أن يكون لقاء خاص آخر مع الأمير محمد بحضور وزير الخارجية عادل الجبير وحميدان وقد شارك الوزير بيار بو عاصي في هذه اللقاءات. يومها حُكي أيضًا عن العلاقة المميّزة التي تربط «القوات؟ بالمملكة وعن الموقع المتقدم الذي بات يشغله الدكتور جعجع على مستوى هذه العلاقة. وعن أن بيت معراب بات في قلب المعادلة السعودية في لبنان على قاعدة اهتمام المملكة بالسيادة اللبنانية الكاملة وباستعادة لبنان دوره المحوري في المنطقة بعيدًا عن المحاور.
بعد هذا اللقاء حصلت تطورات كثيرة سأل فيها كثيرون عن مصير علاقة «القوات» بالمملكة وعن استراتيجية المملكة المتعلقة بلبنان. تم إلغاء قرار منح لبنان ثلاثة مليارات دولا لتسليح الجيش اللبناني عبر الدولة الفرنسية كان وعد بها الملك عبدالله. بعد ذلك رشح الرئيس سعد الحريري النائب سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية وقيل وقتها في نهاية العام 2015 أن المملكة مؤيدة لهذا الترشيح. وفي 18 كانون الثاني 2016 كان العماد عون في معراب يعلن مع الدكتور سمير جعجع عن التفاهم مع «القوات» وكان جعجع يعلن عن تأييد «القوات» ترشيح العماد عون وحُكي كثيرا عن أن هذا الخيار ترفضه المملكة وسيكون سببًا لتردي العلاقة مع «القوات». بعد ذلك بعشرة أشهر كان الرئيس سعد الحريري يؤيد هذا الترشيح بتسهيل من المملكة وكان الأمير خالد الفيصل أول موفد سعودي وعربي ودولي يزور القصر الجمهوري في بعبدا ليبارك للرئيس الجديد الذي لم يتأخر في تلبية دعوة المملكة لزيارتها بعدما تم تشكيل أول حكومات العهد برئاسة الرئيس سعد الحريري.
تلك كانت نتيجة التسوية الرئاسية التي لم يتم احترامها وحاول «حزب الله» أن يقفز فوقها واستمر في تهديداته ضد المملكة التي اتهمته بأنه يلعب دورًا في إطلاق الصواريخ الباليستية من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن على أهداف داخل المملكة، وبالتالي لم يكن من الممكن أن تسكت المملكة عن هذا التهديد الكبير. في ظل هذه الأزمة حصلت استقالة الرئيس سعد الحريري في 4 تشرين الثاني الماضي. وإذا كان قام بتلك الزيارة على عجل ومن دون استقبال رسمي، فإن العكس حصل هذه المرة في زيارته الرسمية والشخصية الأولى للمملكة منذ ذلك التاريخ حيث كان هناك حرص سعودي على التعاطي معه بطريقة رسمية من زيارة الموفد الملكي إلى توجيه الدعوة إلى الإستقبال. في كل هذا المسار وحدها علاقة «القوات» بالمملكة بقيت سالمة واستراتيجية وهي ليست بنت ساعتها أو ظرفية.
في 30 حزيران 1982 بعدما كان قائد «القوات اللبنانية» الشيخ بشير الجميل أعلن ترشحه لرئاسة الجمهورية لبّى دعوة رسمية لزيارة المملكة حيث بقي هناك حتى 2 تموز وكان المطلوب وقتها أن تسهّل هذه الزيارة فتح الطريق أمامه إلى قصر بعبدا وتذليل الإعتراض الإسلامي خصوصا السنّي الذي كان يمثله وقتها الرئيس صائب سلام. وكان المطلوب أيضًا التأسيس لعلاقة راسخة مع الرئيس الجديد للجمهورية الذي كان صار انتخابه تحصيلاً حاصلاً وقد لعب فيليب حبيب موفد الرئيس رونالد ريغن دورًا في ترتيب هذه العلاقة من أجل أن يحظى انتخاب بشير بغطاء عربي أيضًا. وإذا كان اغتياله أنهى تلك العلاقة فإن المملكة لم تغب عن الملف اللبناني. والعلاقة المميّزة مع «القوات» ظهرت جليا خلال استضافة النواب اللبنانيين في الطائف في أيلول وتشرين الأول 1989 للخروج من الحرب إلى حالة من السلم. وعندما كانت «القوات اللبنانية» تطالب بضمانات حول التزام النظام السوري بمهلة انسحاب جيشه إلى البقاع في أيلول 1992 لم يتوان وزير الخارجية السعودي وقتها الأمير سعود الفيصل عن زيارة دمشق ومقابلة الرئيس حافظ الأسد الذي وافق على الطائف كاملاً وعلى التسوية التي قضت بانتخاب النائب رينيه معوض رئيسًا للجمهورية معطيًا لنفسه الوقت اللازم للإنقلاب لاحقاً على هذا الإجماع الدولي والعربي حول الطائف باعتباره مدخلاً حقيقيًا نحو السلام الفعلي في لبنان واستعادة السيادة اللبنانية.
بعد 29 عامًا على الطائف لم تخرج المملكة العربية السعودية عن التزامها باستعادة القرار السيادي في لبنان، وهي لذلك تجد نفسها إلى جانب القوى السيادية التي تمثلت في 14 آذار، وطالما اعتبرت أيضًا أن اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 يتسهدفها بشكل مباشر. وطوال هذه المرحلة كانت «القوات اللبنانية» في قلب معركة استعادة السيادة كاملة وعودة الدولة إلى الدولة، ولذلك يستمر الإلتقاء مع المملكة ولذلك اعتبر الموفد الملكي نزار العلولا أنه في بيته في معراب.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]