#adsense

الكنيسة الكاثوليكية وأورشليم: مدينة مقدسة للسلام وعاصمة للعالم كله”1″

حجم الخط

كتب السكرتير الأول في البعثة البابوية لدى الأمم المتحدة في نيويورك المونسنيور سيمون قصاص في دراسة أعدها لـ”المسيرة” -العدد 1651:

قبيل إعلان رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب اعتراف بلاده بأورشليم  كعاصمة لإسرائيل، أعرب البابا فرنسيس خلال الجلسة العامة لنهار الأربعاء ٦ كانون الأول ٢٠١٧ عن قلقه العميق حول ما يحصل في أورشليم موجها «نداء من القلب كي يأخذ الجميع على عاتقه الحفاظ على الوضع الخاص للمدينة المقدسة، وفقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة». أضاف البابا قائلا: «أورشليم هي مدينة فريدة، مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين، فيها تُكرم الأماكن المقدسة لكل من هذه الديانات، ولديها رسالة مميزة للسلام. أصلي للرب كيما تتعزز وتترسخ هذه الهوية للأرض المقدسة في الشرق الأوسط وفي العالم أجمع، وكيما بالحكمة والتروي نتجنب إضافة عوامل تجاذب جديدة في بانوراما عالميّ أصلا متشنّج ومطبوع بصراعات كثيرة وقاسية».

كيف تطور موقف الكرسي الرسولي حول مدينة أورشليم خلال مرحلة المئة سنة الأخيرة؟ وهل تدعم هذا الموقف قضية إقفال كنيسة القيامة رفضًا للقرارات الإسرائيلية المتعلقة بتشريع الضرائب الجديد الذي يسمح بمصادرة أملاك الكنيسة؟

موقف الكرسي الرسولي حول أورشليم

بالنسبة للمسيحيين، أورشليم هي أكثر من مجرد بقعة جغرافية أو واقع اجتماعي – سياسي في هذا الشرق. انها مساحة مقدسة، حيث ولد المسيح مخلص العالم.

انطلاقا من هذه الحقيقة الإيمانية، تنظر الكنيسة الكاثوليكية الى أورشليم بكثير من الاهتمام والمتابعة. في سنة ١٩٨٤ خص البابا يوحنا بولس الثاني أورشليم برسالته الرسولية ، التي عبر فيها عن عمق العلاقة مع هذه المدينة: «ينظر اليها المسيحيون بعاطفة وغيرة دينية، إذ فيها دوت كلمة المسيح، وفيها تمت احداث الخلاص العظيمة، أي آلام وموت وقيامة الرب. في أورشليم نشأت الجماعة المسيحية الاولى، التي استمرت حتى في خضم الاضطهاد محافظة على حضور كنسي مستمر…»

قضية أورشليم هي أيضا قضية سياسية فبالرغم من ان الكرسي الرسولي لا ينظر الى ذاته ككيان سياسي واضعا نفسه خارج «التحديات الزمنية» مُحافظًا على الحياد، فانه يحتفظ من جهة اخرى «بالتأكيد على سلطته المعنوية والروحية». علاوة على ذلك، تدعو الكنيسة المؤمنين الكاثوليك عبر ممارستهم العمل السياسي، حتى «بمعونة المسيح، صانع السلام، يُساهمون هم أيضا مع الأخرين في ترسيخ سلام مبني على العدالة والمحبة…»

في العقد الماضي، أعرب البابوات مرارا عن قلقهم حول أورشليم سيما من جهة حماية الأماكن المقدسة المسيحية فيها وحرية الولوج اليها كما سلامة الجماعة المسيحية فيها. وهذا ما دفع الكنيسة للعمل الدؤوب من أجل تحقيق العدالة والسلام وتعزيز الحوار ما بين الأديان.

من هذا المنطلق، يتطلع الكرسي الرسولي الى مبادرة حل مبنية على الحوار بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تشارك فيها كل الأطراف المعنية بما فيها المجتمع الدولي. يمكن الاستنتاج أن عمل الكرسي الرسولي حول أورشليم في القرن الماضي تركز حول هدفين: 1. جعل المدينة «كيان منفصل « بحد ذاته؛ ٢. وضع خاص للمدينة مع ضمانات دولية.

من 1917 الى 1962

قبل بضعة أسابيع من احتلال الإنكليز لأورشليم (10 كانون الأول 1917)، نشرت الحكومة البريطانية إعلان بلفور في تشرين الثاني 1917، الذي تعهد «بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين». إنّ البابا بنديكتوس الخامس عشر، بعد ان رحّب بعودة اورشليم والاماكن المقدسة إلى أيدي المسيحيين، عبّر عن قلقه بأنّ وصول عدد كبير من اليهود إلى أورشليم قد يؤدي إلى تفاقم أوضاع الجماعات المسيحية وأكثر من ذلك إلى إقصائها.

في حديثه الأول أمام الكرادلة، أكّد البابا بيوس الحادي عشر تبنّيه مخاوف وقلق سابقه، البابا بنديكتوس الخامس عشر، بما يختص بحقوق المؤمنين الكاثوليك في اورشليم التي يمكن ان تتعرض للخطر والمضايقات نتيجة الظروف المتغيرة لليهود، للمسلمين ولغير الكاثوليك.

إنّ عدم دعوة عصبة الأمم  الكرسي الرسولي للمشاركة في تعريف الانتداب البريطاني على فلسطين لم يمنع الكرسي الرسولي من التعبير عن موقفه بهذا الخصوص بشكل واضح ومباشر، إذ ناشد الحكومة الفرنسية أن تعير انتباه صناع القرار إلى هذا الموقف. في رسالته إلى الأمين العام لعصبة الأمم، أعلن أمين سرّ دولة الفاتيكان، الكاردينال كسباري، أن الكرسي الرسولي ليس لديه اعتراضات على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، إلا إن لديه تحفظات كبيرة بشأن التغيير الضمني الذي أدخله على وضع اليهود. تلحظ المادة 4 من الإعلان إشراك «وكالة يهودية مناسبة» في «إقامة البيت الوطني اليهودي» وفي تطوير البلد. وفي حين أكد الكاردينال كسباري انّ «الكرسي الرسولي لا يعارض ان يتمتع اليهود بحقوق مدنية في فلسطين متساوية مع حقوق دول أو طوائف أخرى» لكنّه من غير المقبول ان يمنح اليهود مكانة مميزة عن غيرهم.

في السنوات الثلاثين التي أعقبت الحرب العالمية الاولى، واصلت الكنيسة الاصرار على حماية الاماكن المقدسة والجماعات المسيحية. إنّ الطريقة الاكثر فعالية لحماية اورشليم، وفقا للكرسي الرسولي، هو ضمان الوضع الدولي للمدينة. خلال تلك السنوات، أصبحت فكرة إنشاء «كيان منفصل» أساس رؤية الكنيسة لأورشليم، كمدينة آمنة للمسيحيين، مشرعة للجميع وبمعزل عن نزاعات المنطقة. لم تقف الكنيسة عند هذا الحد في التعبير عن هذه الرؤية، بل بدأت أيضا الضغط باتجاه العمل من أجل تحقيق هذه الرؤية، وبشكل خاص لدى عصبة الأمم ومن ثم الأمم المتحدة .

إن الكنيسة وبالرغم من رغبتها عدم اتخاذ موقف بشأن الصهيونية أو القومية الفلسطينية، لكنها أصرت على أن الانتداب البريطاني لا يمكن استخدامه كوسيلة لتغيير طابع المدينة المقدسة. وكانت خطة التقسيم للأمم المتحدة سنة 1947 قد اقترحت أيضا كيانا منفصلا لأورشليم ولبيت لحم، تحت إدارة الأمم المتحدة.

وفي الجزء الثالث من القرار 181 (1947)، أعلنت الأمم المتحدة: «سيتم إنشاء مدينة أورشليم ضمن إطار كيان منفصل بموجب نظام خاص دولي، وتتولى إدارتها الأمم المتحدة. وسيتم تعيين مجلس الوصاية للاضطلاع بمسؤوليات السلطة المعتمدة بالنيابة عن الأمم المتحدة  «.واقترح القرار إعادة درس هذه الإعلان بعد فترة عشر سنوات. فالقرار 181 هو نهائي بحسب القانون الدولي ويبقى أساسا لمناقشة وضع القدس.

في ظل تزايد العنف في فلسطين، خصص البابا بيوس الثاني عشر شهر أيار / مايو 1948 للصلاة من أجل فلسطين، كي «ينتصر الوئام والسلام». خلال وبعد حرب 1948، عبّر بيوس الثاني عشر عن ألمه العميق لما آلت إليه الأمور في فلسطين والمعاناة الإنسانيّة التي نتجت عنها، كما أعرب عن غضبه لتدنيس الكنائس والمؤسّسات الكاثوليكيّة. فدعا جميع الأطراف إلى ضرورة تحييد أورشليم عن الصراعات بين دولة إسرائيل الحديثة الولادة والبلدان العربيّة المجاورة.

في 24 تشرين الأول 1948، خصصت الرسالة العامة In Multiplicibus Curis بكاملها لقضية الحرب في الأراضي المقدّسة. في ختام هذه الرسالة شدّد البابا بيوس الثاني عشر على «قناعته بضرورة إعطاء أورشليم وما حولها، حيث توجد كثير من المعالم المهمّة والذكريات المقدسة التي لها علاقة بحياة وموت وقيامة المخلّص، طابع دولي والذي، في الظروف الراهنة، هو الحلّ الأفضل لحماية الأماكن المقدّسة».

بعد بضعة أشهر من انتهاء الحرب الأولى العربيّة-الإسرائيليّة، كتب البابا بيوس الثاني عشر في 15 نيسان 1959 رسالة Redemptoris Nostri والتي أعلن فيها أنه أصبح من «الضروري أن يكون لأورشليم وما حولها – حيث توجد كثير من المعالم التكريميّة التي لها علاقة بحياة وموت وقيامة المخلّص – نظامٍ دولي، الذي في الظروف الراهنة، يبقى الأنسب لحماية هذه الأماكن المقدّسة». وقد حضّ الكاثوليك في كلّ أنحاء العالم «على العمل بكل الوسائل القانونيّة حتى يقنعوا حكامهم وكلّ الذين لديهم تأثير في صنع القرار بما يخصّ هذه القضية، كي يعطوا الأراضي المقدّسة وما حولها وضعا قانونيا مناسبا، والذي في ظل الظروف الراهنة، لا يمكن ضمانه إلا من خلال تفاهم مشترك بين الدول التي تحب السلام وتحترم حقوق الآخرين».

لم يقم الكرسي الرسولي علاقات دبلوماسيّة مع إسرائيل أو الأردن بعد هدنة كانون الثاني 1949. لكنّ البعثة البابوية في أورشليم (أنشئت كممثل للكرسي الرسولي في أورشليم وفلسطين في 11 شباط 1948) كما السلطات والجماعات الكنيسة المحلية أبقت الكرسي الرسولي في أجواء ما يحصل على أرض الواقع، فأعرب البابا بيوس الثاني عشر عن استيائه جراء الوضع السيئ للاجئين الذين شردوا نتيجة الحرب، كما عن تدنيس الأماكن المقدسة المختلفة.

وقد أدرجت فكرة الكيان المنفصل لأورشليم في القرار 303 الصادر عن جمعيّة الأمم المتحدة في كانون الأوّل 1949، فيما جاء الرفض من إسرائيل والأردن، لأنّ كلتا الدولتين ضمتا أجزاء من أورشليم المقسمة في منطقة تواجدهما وتحت السلطة الكاملة لكل منهما. لم يعترف المجتمع الدولي ابدا بقانونية هذا الضم، والدليل هو الاستمرار في المدينة بتواجد قنصليّات لدول مختلفة، مثل فرنسا، إسبانيا، إيطاليا، بلجيكا، اليونان، تركيا، المملكة المتّحدة والولايات المتّحدة الأميركيّة.

كلمة شكر خاصة

أستغل هذه المناسبة لأشكر هذا المنبر الحر – المسيرة – والعاملين فيه والقيمين عليه وفي مقدمتهم الدكتور سمير جعجع الذي، عشية عيد ميلاد المخلص وضمن إطار أمسية تراتيل ميلادية في معراب، قدمتها مجموعة من الأطفال، قال عن أورشليم: هذه هي أورشليم التي نؤمن بها ونصبو إليها، أورشليم التي ترنم للسلام والمحبة والتلاقي والحوار. بارككم الرب يسوع أوفياء دائما للقضية التي من أجلها وجدت القوات اللبنانية.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل