#adsense

لماذا حتمية وضرورة الانتخابات النيابية؟

حجم الخط

بعدما دخل لبنان مرحلة الاعداد الجدي للانتخابات النيابية في ايار المقبل وبدا البحث المعمق في التحالفات الانتخابية وتشكيل اللوائح، وفي ظل النقص الثقافي الكبير في التوعية على مفهوم واهمية الانتخاب لدى المواطن نظرًا لطغيان الاصطفافات السياسية على الضمير الجماعي للبنانيين اكثر منه انفتاحهم على الحقائق الاساسية التي تثبت اهمية وحقيقة دور كل مواطن في الادلاء بصوته وتقرير مصيره هو وعائلته وكذلك مصير بلاده ومستقبله ومؤسساته، نرى انه لا بد من التوقف عند التوجهات التالية:

اولا: كما يقول الفيلسوف وعالم الاجتماع السياسي توماس هوبز الدولة ليست سوى “تنازل الافراد عن حقهم الطبيعي لمصلحة شخص يجسد السلطة المجتمعية والتشريعية ويضمن حرية وملكية كل فرد فيه ويكون له وحده الحق الحصري بالقوة…” ما يعني ان تولية السلطة المتحكمة بالافراد من قبلهم هو في عين الممارسة الطبيعية لحق كل انسان في ان يولي من يتولى شؤونه لاخر مختار منه.

فالانتخاب اذًا تولية الزامية من المواطن  لمن يدير مصالحه، لا ترف ولا خيار استنسابي.

ثانيا: الانتخابات تساوي بين مختلف الطبقات الاجتماعية والثقافية في اعادة انتاج السلطة وتكرس حرية الجميع في صناعة الدول. يقول عالم الاجتماع سبينوزا: “هدف الدولة الحرية بحيث ان لكل فرد خياره في التنازل عن جزء من سيادته الذاتية لسلطان يلتزم فيما بعد بالخضوع ع لقرارته لادارة شؤونه…” فالدولة الديمقراطية هي الاكثر انسجامًا مع الحرية الطبيعية للانسان.

ثالثا: الانتخابات تكرس المواطنة الحقيقية في بعديها الاجتماعي والسياسي. فالمواطنة رابطة عقلية تفترض قبول جميع الذين ينتمون الى نفس الوطن في منظومة روابط تقوم على الحقوق والموجبات والمساواة بين الافراد، ولذا فان من ابرز ما تضمنه الانتخابات مساواة الافراد في حقهم الطبيعي بادارة شؤونهم وزوال الفروقات الناجمة عن الانتماءات الاولية او عن الامتيازات الواقعية التي يتمتعون بها وفي طليعتها اعادة التوازن الوطني في تساوي اللبنانيين فيما بينهم بعيدا عن استقواء فريق على فرقاء اخرين بفعل القوة المادية كما هي حال السلاح غير الشرعي المتمثل بسلاح “حزب الله” وسياساته الاستقوائية على اللبنانيين نتيجة الشعور بفائض القوة والقدرة على التحكم بمفاصل الدولة ومؤسساتها امام مباشرة واما بالواسطة.

والمواطنة هي مشاركة المواطن – كل مواطن – في مجهود تأمين مصالح المجموعة اي السلطة الممثلة للمجموعة والمنتخبة من المجموعة وعنها يقول جان جاك روسو في نظرية العقد الاجتماعي: “ان المواطنة هي شكل من اشكال الشراكة التي تحمي وتدافع بالقوة العامة او القوة المشتركة –  شخص واموال كل فرد شريك فيها – وحيث كل شريك متحدا مع الاخرين لا يطيعون سواها مع بقاء كل واحد منهم حرا…” فتلك المواطنة تفترض تخطي الولاءات الاولية لادراك الولاء للوطن الذي يجد تجسيده في السلطة الجامعة الضامنة والمجسدة لتلك المواطنة.

رابعا: الانتخابات تأتينا بالحداثة المنشودة، فالحداثة تعني في علم الاجتماع السياسي اضفاء نظرة عقلية الى العالم والمحيط، فالمجتع الحديث هو الذي اختار العقلنة المستمرة في مجالي تنظيم المؤسسات الاقتصادية وادارة جهاز السلطة السياسي من خلال الدولة ذات الادارة .

وقد انطلقت مفاهيم الحداثة من اوروبا اعتبارا من القرن السادس عشر والغاية منها – كما نصبو اليه في لبنان – احداث تحولات في انظمتنا السياسية والادارية والاقتاصدية والتربوية.

اهم ما تمتاز به الحداثة: الاعتراف بالفرد كقيمة قائمة بذاتها تبعا لاسهام كل فرد في مجتمعه ما يفسح المجال امام اصحاب الكفاءات على حساب نظام الامتيازات والتبعيات من غير استحقاق.

لذا لا بد من ان ياتي التحديث من الداخل – وبداية الطريق تكون بانتخاب طبقة سياسية حاكمة مؤمنة بالتحديث والتجديد والتي قد نجد البعض منها في المنظومات الحزبية الحالية المؤمنة بالتحديث والتطوير وبناء الدولة القوية القادرة والتي تشكل قوى تغيير من الداخل، علما ان التحديث بالمنظار الاجتماعي السياسي – ليس عملية الية سريعة بل يتطلب فترات زمنية تمتد على اجيال وتستغرق عشرات السنين طبقا للنماذج الغربية الا ان البداية في لبنان لا بد وان تكون مع تغير العقلية الانتخابية لدى الناخبين ليختارواووفقا لقنواتهم  الحزبية او المجتمعية المختلفة كيفية احداث هذه النقلة النوعية .

فالنخب الثقافية في لبنان مدعوة في هذا الاطار الى المساهمة في نشر قيم ومفاهيم وافكار الحداثة في المجتمع والخروج من التقوقع الفكري اما في الاعتبارات الطائفية واما في قيود التقليد والاقطاع واما في غياهب القنوت والاستسلام .

فالتحديث كعملية اجتماعية يحتاج الى تجديد في البنية الاجتماعية للبنان مستندا الى قوى اجتماعية وحزبية وفئات مستنيرة تتبناه ( كوادر شبابية واعدة مثلا) وتكون طبقة مجتمعية واعية لدورها التاريخي .

فالدولة هي الراعية الاخيرة والاساسية للتحديث ولذلك ينبغي ان تكون الانتخابات محطة اساسية لبدايته .

 

فالانتخابات اذا ليست خيارا ولا نزوة – بل خيار مواطنة في صناعة دولة وسلطة وتولية سلطان يحكم للصالح العام – من المواطن ومن خلال المواطن وباسمه ولحسابه ويحميه في ماله ونفسه وارضه في ظل منظومة قوانين منتخبة – كما يقول عالم الاجتماع السياسي جون لوك .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل