الكنيسة الكاثوليكية وأورشليم: مدينة مقدسة للسلام وعاصمة للعالم كله (2)

 

 

دراسة أعدها للـ”المسيرة” السكرتير الأول في البعثة البابوية لدى الأمم المتحدة في نيويورك المونسنيور سيمون قصاص:

قبيل إعلان رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب اعتراف بلاده بأورشليم  كعاصمة لإسرائيل، أعرب البابا فرنسيس خلال الجلسة العامة لنهار الأربعاء ٦ كانون الأول ٢٠١٧ عن قلقه العميق حول ما يحصل في أورشليم موجها «نداء من القلب كي يأخذ الجميع على عاتقه الحفاظ على الوضع الخاص للمدينة المقدسة، وفقا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة». أضاف البابا قائلا: «أورشليم هي مدينة فريدة، مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين، فيها تُكرم الأماكن المقدسة لكل من هذه الديانات، ولديها رسالة مميزة للسلام. أصلي للرب كيما تتعزز وتترسخ هذه الهوية للأرض المقدسة في الشرق الأوسط وفي العالم أجمع، وكيما بالحكمة والتروي نتجنب إضافة عوامل تجاذب جديدة في بانوراما عالميّ أصلا متشنّج ومطبوع بصراعات كثيرة وقاسية».

كيف تطور موقف الكرسي الرسولي حول مدينة أورشليم خلال مرحلة المئة سنة الأخيرة؟ وهل تدعم هذا الموقف قضية إقفال كنيسة القيامة رفضًا للقرارات الإسرائيلية المتعلقة بتشريع الضرائب الجديد الذي يسمح بمصادرة أملاك الكنيسة؟

من 1962 الى 1992

إن انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني سنة 1962 شكل نقطة تحول في تاريخ الكنيسة. على ضوئه تعززت العلاقات المسكونيّة مع الأرثوذكس والبروتستانت، كما بدأت مرحلة جديدة من الحوار مع اليهود والمسلمين، فأثّر كل ذلك في الطريقة التي صاغت بها الكنيسة موقفها من أورشليم.

في نهاية الدورة الثانية من المجمع، أعلن البابا بولس السادس، خليفة يوحنا الثالث والعشرون، رغبته في زيارة الأراضي المقدّسة: فكانت رحلة الحج الأولى التي يقوم بها حبرٌ أعظم الى الخارج في العصر الحديث. وكانت الرحلة تهدف إلى العودة الى جذور الكنيسة. من دون الإشارة صراحة إلى اسم إسرائيل أو الأردن، شرح بولس السادس أنّ هذا الحجّ الذي يقوم به، بدافع التقوى، يهدف أيضا إلى «استمطار الرحمة الإلهيّة من أجل السلام «. إنّ اللقاء الأهمّ في أورشليم لم يتمّ مع السلطات السياسيّة، ولا مع اليهود والمسلمين، ولا مع الإسرائيليّين والعرب، بل مع بطاركة اليونان الأورثوذكس للقسطنطينيّة وأورشليم، أثيناغوراس وبندكتوس: رمزٌ لهذه الرغبة الدائمة لوحدة المسيحيّة.

بعد ثلاث سنوات، ومع اندلاع حرب ال 1967، جدّد بولس السادس هذه الرغبة: «وفي الواقع، من مصلحة جميع أبناء السلالة الروحيّة لإبراهيم، اليهود، المسلمون، المسيحيّون، أن تُعلن أورشليم مدينةً مفتوحةً، خالية من أي عمليّة عسكريّة، فتبقى محصنة من العمليّات الحربيّة، والتي أصابتها فعلا. « وأضاف أنّه يجب تحييد أورشليم عن «نظام الحرب» وأن «تبقى المدينة المقدّسة، ملجأ لكلّ المصابين والمحتاجين، رمز سلامٍ ورجاءٍ للجميع». إنّ الوضع الجديد الذي خُلق بعد الحرب اعتُبر كضربة جديدة لكلّ المحاولات التي أرادت إبقاء أورشليم خارج الصراع.

بعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل لأورشليم الشرقية، يلاحظ تغيير طفيف في الصياغة لموقف الكرسي الرسولي بالنسبة لأورشليم. فلا إصرار بعد على Corpus Separatum، أي على تدويل أورشليم من حيث الحدود الجغرافية: فالكرسي الرسولي بدأ في تعزيز وضع خاص Statuo quo للأماكن المقدسة وللجماعات الدينية مع ضمانات دولية، بهدف حمايتهم من الصراع القائم.

ففي 22 كانون الأول 1967 وفي خطاب أمام المجمع المقدس، وصف البابا بولس السادس رؤية الكرسي الرسولي لأهمية نظام دولي قادر على ضمان «حرية العبادة، الاحترام، والوصول إلى الأماكن المقدسة»، مع الأخذ بالاعتبار «الحالة التاريخية والدينية لأورشليم».

إن طلب نظام خاص للأماكن المقدسة مرتبط بقلق وجودي تعيشه الجماعات المسيحية في هذه المدينة. من هنا إصرار البابا على «حرية التمتع بالحقوق الدينية والمدنية، والتي هي ملك شرعي لكل الأشخاص، والمراكز وأنشطة كل الجماعات».

بعد المجمع الفاتيكاني الثاني طرأت أيضا بعض التغييرات الصغيرة على الخطاب الكاثوليكي حول أورشليم. فالكرسي الرسولي لم يعد مهتما فقط بالأماكن المقدسة المسيحية والجماعات المسيحية بل أيضاً بالمسائل المتعلقة بالعدالة والسلام والحوار مع اليهود والمسلمين.

في 31 آب 1969، وخلال التبشير الملائكي في ساحة القديس بطرس، أعرب بولس السادس عن «أسفه العميق» للهجوم على المسجد الأقصى في أورشليم. في خطابه أمام المجمع المقدس في 21 كانون الأول 1973، شدد البابا على «الواجب، الذي هو أكثر من حق، الذي يقع علينا، وهو العمل من أجل الحفاظ على الطبيعة الخاصة لهذه المدينة، الفريدة من نوعها في العالم، وعلى الحقوق والتطلعات المشروعة لأولئك الذين ينتمون إلى الديانات التوحيدية الثلاث، والذين لهم في الأرض المقدسة، المزارات الأحب والأغلى على قلوبهم».

إن خليفة بولس السادس، البابا يوحنا بولس الثاني، عزز هذه الرؤية بشأن العلاقات مع اليهود والمسلمين: فدعا إلى حوار أخوي، من شأنه أن ينعكس إيجابا على الموقف من أورشليم.

هذا وواصل الكرسي الرسولي الإصرار على وضع خاص لأورشليم، فجاء خطاب يوحنا بولس الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2 تشرين الأول سنة 1979: «آمل بوضع خاص لأورشليم، في ظل ضمانات دولية – كما أشار سلفي بولس السادس – يضمن احترام الطبيعة الخاصة لهذه المدينة، ذات التراث المقدس والذي يكرمه الملايين من المؤمنين من الديانات السماوية الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام».

في 3 كانون الأول من سنة 1979، وخلال جلسة مفتوحة لمجلس الأمن الدولي عن أورشليم، أعلن المراقب الدائم للكرسي الرسولي في الأمم المتحدة، السفير البابوي تشيلي: «في هذا الموضوع يسعى الكرسي الرسولي على البقاء على اتصال ليس فقط مع السلطات الدينية لمختلف الكنائس المسيحية، ولكن أيضاً مع القادة المسلمين واليهود». وأضاف أن «أي حل يمكن إيجاده لموضوع سيادة أورشليم (لا يستبعد فرضية تدويل المدينة)، يجب أن يؤكد على ضمانة وحماية المتطلبات، وفي الوقت عينه، على المجتمع الدولي أن يكون الضامن والضمانة لمصالح العديد من الشعوب المختلفة.

يصر الكرسي الرسولي على إيجاد حل يسمح تحقيق العدالة المرجوّة عبر الوسائل السلمية. بالنسبة إلى الكرسي الرسولي، إن «الوضع الخاص ذا الضمانات الدولية للقدس»، يجب أن يضمن:

– المساواة بين الجماعات الدينية، حرية العبادة، الوصول إلى الأماكن المقدسة، حماية الحقوق والحفاظ على التراث التاريخي والعمراني للمدينة،

– على الجماعات الدينية المختلفة التمتع بحقوق متساوية، مع ضمان تعزيز الحياة الروحية والثقافية والمدنية والاجتماعية.

على ضوء ذلك، ليس مستغربا موقف الكرسي الرسولي، بالاتفاق مع غالبية المجتمع الدولي، الرافض بقوة ضم أورشليم الشرقية في عام 1980 وإعلان المدينة «عاصمة موحّدة وأبدية لإسرائيل».

في عام 1984، وفي رسالته الرسولية عن إسرائيل، استذكر البابا يوحنا بولس الثاني الحجّ الذي قام به البابا بولس السادس، وعبّر عن رغبته في زيارة هذه الأماكن، مؤكدا أنه «في الواقع، إنّه لواجب إيجاد، بنيّة وبصيرة طيّبة، الطريقة العمليّة والصحيحة، التي من خلالها تتكوّن المصالح والتطلّعات المختلفة بطريقة متناغمة وثابتة وتكون محميّة بطريقة مناسبة وفعّالة من خلال وضع خاصّ بضمانات دوليّة، بطريقة لا يتميز طرف عن آخر». مشيرا إلى حق الإسرائيليين بالعيش بأمان، كما الفلسطينيون أن يكون لهم دولة، كتب البابا يوحنا بولس الثاني: «إنّي لمقتنع أن عدم التوصل إلى حلّ مناسب لمسألة أورشليم، كما أن تأجيل المشكلة، لن يؤدي إلا إلى تقويض التسوية السلمية والعادلة لأزمة الشرق الأوسط». إنّ هذه الرسالة، الحساسة بشكل خاص لليهود والفلسطينيين، أصرت على أهمية تحقيق سبب وجود أورشليم ألا وهو دعوتها الروحية والعالمية كمدينة للتلاقي بين جميع الشعوب والديانات السماوية.

من 1992 إلى اليوم

ومع بدء المفاوضات التي عقدها الكرسي الرسولي مع إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1992، على ضوء بداية المفاوضات بين الاسرائيليين والسلطات الفلسطينية، ظهر معطى جديد في خطاب الكرسي الرسولي بالنسبة لقضية أورشليم: فشجع على استئناف المفاوضات المباشرة بين الاسرائيليين والفلسطينيين، والتي هي وحدها الكفيلة بتقرير مصير حدود أورشليم في نهاية المطاف.

وقد أثار توقيع الاتفاق الأساسي بين الكرسي الرسولي ودولة إسرائيل في عام 1993، الكثير من الجدل حول التغييرات الممكنة في موقف الكرسي الرسولي بشأن أورشليم، بالرغم من أن الاتفاق لم يأتِ على ذكر أورشليم؛ من هنا أعاد الكرسي الرسولي التأكيد على عدم وجود أي تغيير في موقفه تجاه أورشليم. وفي مجموعة من المواقف حول أورشليم، نشرتها وزارة خارجية الفاتيكان في أيار من عام 1996، أكد الكرسي الرسولي حفاظه على الحياد، مع «حقه في ممارسة سلطته الأخلاقية والروحية». والواقع، لم يتدخل الكرسي الرسولي في مسألة الأراضي المتنازع عليها أو الحدود غير المرسّمة، التي هي رهن المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولكن للكرسي الرسولي كلمته في ما يخص البُعد الديني للمدينة المقدسة، الذي يتطلّب الحماية عبر ضمانات دولية.

يمكن تلخيص موقف الكرسي الرسولي على هذا النحو: «إن الجزء من المدينة الذي احتلته إسرائيل عام 1967، ولاحقا، ضمه فإعلانه عاصمة لإسرائيل، هو أرض محتلّة، وكلّ التدابير الإسرائيلية وفقا للقانون الدولي، تُعتَبَر بالتالي باطلة وغير موجودة». من هذا المنطلق إن اهتمام الكرسي الرسولي بأورشليم هو أبعد من المسائل الحدودية فهو يمس بالبعد الديني. فسياسة الكرسي الرسولي كانت قد أيدت أولا الكيان المنفصل لأورشليم وبالتالي قد دعا إلى إقامة «وضع خاص بضمانات دولية».

إنّ اعلان وزارة خارجية الفاتيكان، وإذ يعتمد بنطاق واسع على الرسالة البابوية ليوحنا بولس الثاني حول اورشليم، يشرح أنّ الكرسيّ الرسوليّ على قناعة بأنّ «بعض الادعاءات الأحادية، باسم هذه الديانة أو تلك، أو باسم الأسبقية التاريخية أو حتى التفوق العددي، ليست مقبولة». إنّ صون هوية اورشليم يعني أنه «من الواجب الحفاظ على الخصائص التاريخية والمادية للمدينة، وعلى تلك الدينية والثقافية».

وأوضح الإعلان أيضا أن هذا لا ينبغي أن يفهم على أنه ينطبق فقط على الأماكن المقدسة، بل أيضًا على الجماعات التي تعيش حول هذه المواقع. أما بخصوص محادثات السلام في أوسلو، فيذكّر الإعلان بنداء البابا للمجتمع الدولي الذي يطلب فيه «من الشركاء السياسييين المعنيين مباشرة بهذه القضية أن يقدّموا الوسائل القانونية والدبلوماسية التي تسهم في ضمان أورشليم، الموحدة والمقدّسة، هي حقا ملتقى للسلام».

في تشرين الثاني 1997 وقّع الاتفاق المشترك حول الشخصية القانونية بين دولة اسرائيل والكرسي الرسولي بهدف تيسير الاعتراف بالوجود المؤسساتي للكنيسة. وبما أنّ اورشليم لم يرد ذكرها في نص الاتفاق، إلا أن جدلا نشأ لأنّ قائمة المؤسسات المرفقة بالوثيقة تضمنت تلك الموجودة على الأرض المحتلة من اورشليم الشرقية بعد حرب 1967. وهذا ما أثّر بشكل مباشر على تعريف سيادة أورشليم. وفي هذا الشأن، شدّد الكرسي الرسولي على أنه، بموجب القانون الدولي، يجب التمييز بين الجزء من اورشليم الذي يخضع لدولة اسرائيل والجزء الآخر منها المحتلّ من اسرائيل خلال صراع 1967. في الاتفاق المبرم مع اسرائيل، ورغم قبوله بإدارة دولة اسرائيل للأراضي التي احتلتها، لم يعتبر الكرسي الرسولي يوما هذه الأراضي جزءًا من اسرائيل.

إنّ وزير خارجية الفاتيكان في حينها المطران جان لوي توران وخلال إلقائه محاضرة في اورشليم في تشرين الثاني من 1998 أعلن أنه: «لا شيء يمنع أن تكون أورشليم، في وحدتها وفرادتها، الرمز والعاصمة الوطنية لكل الشعوب التي يعتبرونها عاصمة لهم. ولكن، إذا كانت أورشليم تعتبر مدينة مقدسة لليهود والمسيحيين والمسلمين، فهي إذًا مقدسة لأناس كثر حول العالم ينظرون إليها كعاصمتهم الروحية» (حديث أعطي في 26 تشرين الأول 1998). يشدّد المطران توران على «أنّ الأسرة الدولية كلّها مسؤولة عن وحدة وقداسة هذه المدينة التي لا مثيل لها.»

إنّ توقيع الاتفاق الأساسي بين الكرسي الرسولي ومنظمة التحرير الفلسطينية في شباط سنة 2000 عاد ووجّه الانتباه إلى مدينة أورشليم. إنّ مقدّمة الاتفاق تحدثت باستفاضة عن هذه المدينة: «الحل العادل لمسألة اورشليم والذي يعتمد على القرارات الدولية هو أساسيّ لسلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، وإنّ الإجراءات الأحادية الجانب والأعمال التي تشوّه الطابع والوضع الخاص لمدينة اورشليم هي مرفوضة أخلاقيًا وقانونيًا. وأخيرا يتبنّى الاتفاق وضعًا خاصًا بأورشليم مع ضمانات دولية بحيث يحافظ على الملامح التالية:

أ) اعتراف الجميع بحرية الديانة والضمير،

ب) المساواة أمام القانون للديانات التوحيدية الثلاث ولمؤسساتها ومؤمنيها في المدينة،

ج) الهوية الخاصة والطابع المقدس للمدينة وأهميتها العالميّة، وإرثها الديني والثقافيّ،

د) حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة وممارسة الشعائر الدينية فيها،

ه) الحفاظ على نظام الوضع الخاص المعمول به في هذه الأماكن المقدسة».

وقد مهّدت العلاقات الديبلوماسية التي أقيمت بين الكرسي الرسولي وكل من دولة اسرائيل والسلطة الفلسطينية الطريق أمام ثلاث زيارات بابوية لأورشليم حيث استطاع الأحبار خلال هذه الزيارات من تسليط الضوء على هوية ودعوة أورشليم. ففي لقاء ديني مشترك عقد في اورشليم في 23 آذار سنة 2000، قال البابا يوحنا بولس الثاني: «إنّ اورشليم، كما يشير اسمها، تعني لنا جميعًا مدينة السلام. ربما لا يوجد مكان آخر في العالم بمقدوره أن ينقل لنا معنى التسامي والاختيار الإلهي الذي ندركه في حجارتها، وفي آثارها وفي شهادة الديانات الثلاث التي تعيش جنبا إلى جنب داخل أسوارها».

خلال زيارته إلى الأراضي المقدسة في 12 أيار ٢٠٠٩ سلط البابا بنديكتوس السادس عشر الضوء على هوية ودعوة المسيحيين المحليين. وخلال الذبيحة الإلهية التي احتفل بها على جبل الزيتون قال: «أورشليم في الحقيقة كانت دائما المدينة التي في ازقتها تسمع لغات مختلفة وحجارتها تحاكي شعوب مختلفة العرق واللغة وأسوارها رمز لعناية الله بالانسانية كلها كأسرة واحدة. ينبغي لهذه المدينة ـ بوصفها نموذجا مصغرا لعالمنا microcosm  ـ ان تعيش دعوتها الشاملة بأن تكون مكان تعلم الشمولية universalism   واحترام الآخر والحوار والتفاهم المتبادل، مكان حيث تنتصر النزاهة والصدق والبحث عن السلام على الأحكام المسبقة والجهل والخوف. لا يجب ان يكون بين أسوار هذه المدينة مكان للانعزال والتمييز والعنف واللاعدالة.»

إن البابا فرنسيس هو الحبر الرابع في عصرنا الحديث الذي يزور أورشليم. ففي 26 أيار ٢٠١٤ وخلال زيارته للرئيس الاسرائيلي قال البابا فرنسيس: «انا سعيد بلقائي بكم مجددا هنا في أورشليم، المدينة التي تحافظ على الأماكن المقدسة العزيزة للديانات الثلاث الكبرى. فالأماكن المقدسة ليست في الحقيقة متاحف أو أماكن اثرية يقصدها السواح، إنما هي أماكن تعيش فيها جماعات المؤمنين إيمانهم، وثقافتهم، وأعمالهم الخيرية. من هنا يجب حماية وصون الطابع المقدس لهذه الأماكن، وبالتالي حماية ليس فقط الإرث الماضي إنما ايضا الجماعات التي تقصدها اليوم وفي المستقبل».

وفي طريق عودته إلى روما في 26 أيار 2014، علق البابا على مختلف الاقتراحات لحل مسألة أورشليم، وأوضح أن حلَ الوضع الخاص لأورشليم يجب ان يكون عبر مفاوضات مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين: «الكنيسة الكاثوليكية … لديها موقفها من الناحية الدينية….  التدابير العملية للسلام يجب أن تكون نتيجة المفاوضات. ولكني اعتقد انه يجب الولوج إلى طريق المفاوضات بنزاهة وأخوة وثقة متبادلة. وحينئذ يمكن مناقشة كل شيء: كل الأراضي المتنازع عليها، العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فالأمر يحتاج الى شجاعة، وانا أصلي للرب كي يتحلى القائدان بالشجاعة للمضي قدما. وهذه هي الطريق الوحيدة للسلام».

وقد أبرم الكرسي الرسولي اتفاقا شاملا مع السلطة الفلسطينية في ٢٦ تموز ٢٠١٥، حيث طلب «حلا عادلا لقضية أورشليم، مبنيًا على القرارات الدولية»، مؤكدا ان الإجراءات الاحادية الجانب التي تشوه الطابع الخاص لأورشليم هي مرفوضة أخلاقيا وقانونا.

بعد ٢٥ عاما من المفاوضات، سيتم في المستقبل القريب التوقيع على اتفاق نهائي مع دولة إسرائيل. ومما يؤسف له أن المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لم تؤد بعد إلى سلام دائم، وأورشليم لا تزال ساحة للصراع.

من هذا المنطلق ينظر الكرسي الرسولي باهتمام بالغ إلى ضرورة الحفاظ على أورشليم كمدينة مقدسة، حيث تتلاقى الديانات الثلاث وحيث ولد المسيح وانطلقت المسيحية: هذا البعد المقدس للمدينة كثيرا ما يكون مهمشا في الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولا شك أن الكرسي الرسولي يواصل العمل بلا كلل من أجل تعزيز رؤيته لأورشليم كمدينة سلام ومكان يمكن فيه لليهود والمسلمين والمسيحيين أن يعيشوا معا وأن يكونوا شهودا لله يكرمون اسمه القدوس.

إن عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية تكمن في صلب أزمة الشرق الأوسط، حيث يشكل النزاع في هذه المنطقة من العالم أحد أطول النزاعات المدرجة في جدول أعمال مجلس الأمن.

في 18 كانون الثاني 2018 أكد البابا فرنسيس لشيخ الأزهر أن الكرسي الرسولي من جانبه لن يتوقف عن الدعوة إلى الإسراع في استئناف الحوار بين الإسرائيليين والفلسطينيين من أجل التوصل إلى حل تفاوضي يهدف إلى التعايش السلمي بين دولتين ضمن حدود متفق عليها فيما بينهما ومعترف بها دوليا، مع الاحترام التام للطابع الخاص لأورشليم، الذي يتجاوز معناه أي اعتبار للقضايا الإقليمية. لا يمكن أن يكون هناك شك في أن المدينة المقدسة هي مكان خاص للغاية، ليس فقط في قلوب سكان أورشليم، ولكن أيضا للمصلين من الديانات الثالث في كل مكان.

ولهذا السبب، أشارت بعثة الكرسي الرسولي لدى الأمم المتحدة، في الجلسة العامة السابعة والثلاثين للدورة العاشرة الاستثنائية الطارئة للجمعية العامة والتي انعقدت في 21 كانون الأول 2017، إلى التزام جميع الدول باحترام الوضع الخاص للمدينة المقدسة، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وأكدت مجددا أنه لا يمكن الحفاظ على طابعها الفريد إلا على أساس نظام دولي يرعاه المجتمع الدولي، ويشكل ضمانا للحوار والمصالحة من أجل إحلال السلام في المنطقة.

كلمة شكر خاصة

أستغل هذه المناسبة لأشكر هذا المنبر الحر – المسيرة – والعاملين فيه والقيمين عليه وفي مقدمتهم الدكتور سمير جعجع الذي، عشية عيد ميلاد المخلص وضمن إطار أمسية تراتيل ميلادية في معراب، قدمتها مجموعة من الأطفال، قال عن أورشليم: هذه هي أورشليم التي نؤمن بها ونصبو إليها، أورشليم التي ترنم للسلام والمحبة والتلاقي والحوار. بارككم الرب يسوع أوفياء دائما للقضية التي من أجلها وجدت القوات اللبنانية.

 

 

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل