#adsense

شهداء سيدة النجاة: ما متنا ناطرين العدالة!

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1651:

لا نطلب شيئا أكثر من العدالة أهذا كثير؟!

دخلت كنيسة سيدة النجاة في الذوق، رأيته جالسا الى العذراء يناجيها. لا ليس المناجي أحدا من أهالي الشهداء كما اعتقدت، هؤلاء ما عادوا يطلبون هذا الطلب، هؤلاء سكنهم يأس من أهل الأرض، هؤلاء صاروا مخدرين بالألم تماما كما أهالي المعتقلين في جحيم النظام في سوريا، صارت طلباتهم رجاء للرب كي يجعلهم ينسون، يفقدون الذاكرة، يموتون، نعم يموتون، علَّهم يلتقون هناك في المقلب الآخر بمن غابوا عنهم، وهم يعرفون أنهم أموات، ولو ما زالوا أحياء في أقبية السفاح، هم أموات في العذاب.

أهالي الشهداء التجأوا الى الصلاة والصلاة فقط. نظرت الى وجه الشهيد، كانت وجوه العشرة مجتمعة في ملامح وجهه المشع، من عينيه يخرج ضوء من ضوء المسيح «أنا هون استشهدت تحت إجرين العدرا قدّام جسد الرب وانمزج دمنا بالقربان، كرمال هيك وجوهنا مشعة»، يقول ويتجه الى العذراء حيث حفرت أسامي الشهداء.

صاروا في مفكرة الدولة أسامي لشهداء دوّنوا في السجل وطواهم النسيان، وصاروا في وجدان الناس قضية، قضية كبيرة جوهرية مقتطعة من القلب، من القلب تماما ومكانها النزيف، نزيف حاد لم يجف حتى اللحظة ومنذ أربعة وعشرين عاما.

أربعة وعشرون عاما يا كفّار وهم يصرخون «العدالة» ولا من يستجيب، بل على العكس، يطمسون الحقائق ويجعلون من المجرم مواطنا «صالحا».

لا يبالي الشهيد بحقد الناس ولا حتى بحقد المجرم المسكين، يعتبره مسكينا هزيلا تافها في لا إنسانيته، هائما على وجه الدنيا ولا حب ولا قلب ولا إنسان يسكنه.

همّ الشهيد العدالة لأجل أهل الأرض قبل الذين صاروا في السماء، «نحنا هون في قمة السعادة، شفت أهلي عم يتعذبوا ويذرفوا دموعهم دم لحظة الانفجار، بس أنا قمت عن الأرض، أخدني يسوع من إيدي وقلّي إنت معي بالملكوت، حاولت هدّي دموع أمي وإمسح الألم عن قلب بيي وإحكي مع ولادي وخبّرن إني بعدني هون بس ما قدرت لأن كانت اللحظة أقوى مني».

واتجه الشهيد صوب القربان، فتح باب الرب الصغير الواسع واندثر في الضياء، «وينو»؟ سألت امرأة انهارت فوق دموعها وهي تصلي «عن مين عم تسألي؟ الكنيسة اليوم فاضية تعي بكرا جايين أهل الشهدا يقدسوا على نيّتن»!!

كنت أحاور طيفا يسكن حنايا الكنيسة، لم يخرجوا منها بعد، يجلسون الى المقاعد، يحضّرون الذبيحة الإلهية، يروون الزهور أمام العذراء، يمسحون دموع المصلوب حين تنهال ألما من نكران البشر، والمصلوب هناك، في كنيسة سيدة النجاة ما زال مذ تلك اللحظة وهو ينزف، بغزارة يفعل، ولن يتوقف قبل أن تتحقق العدالة لأبنائه.

«طيب يا ربي إنت الأقوى شو ناطر ما بتحقق أنت العدالة؟» ينظر باستهجان ويستوعب سؤالا تافها من إبنة الأرض «أنا لا أنتقم يا طفلتي، أنا أمنح البشر الفرصة للتوبة وحين لا يفعلون أبقى في الانتظار الى ان يحين الوقت، أُمهل ولا أُهمل». ومتى، متى يا ربي يحين الوقت؟ يدخل في صمته المهيب وأرحل أنا الى غضبي…

أربعة وعشرون عاما وقضية سيدة النجاة لم تجد طريقها بعد الى المحكمة الدولية، الى محكمة الإنسان، الى محكمة السماء… الى أي محكمة تريدون ولكن المهم محكمة، محكمة تعيد الاعتبار للشهداء تعيد الاعتبار لمعاقبة مجرم ما زال يسرح بيننا، على عيون الأهالي، على عيون وطن حتى اللحظة ما زال يتنكّر لشهدائه، كل شهدائه الذين زرعوا دروبه عزا واستقلالا وكرامة. أيفعلون من أجل عشرة شهداء، عشرة شهداء وما هم في مفكرة وطن؟!

27 شباط 1994 التاسعة وعشر دقائق، أربعة وعشرون عاما وما زال الدوي مذ تلك اللحظة يطنطن في ضمير من يملكون الضمير في أرض الشهداء والبخور وهم قلّة. كانوا يريدون اتهام «القوات اللبنانية» وفعلوا، سجنوا سمير جعجع وتبيّنت البراءة وتعرفون كل الحكاية، دوَّت الحقيقة المطلقة، البراءة المطلقة في عيونهم القبيحة.

«إبن الكنيسة ما بيفجّر كنيسة»، أرادوا ان يجعلوا من لبنان محمية الغريب السوري المحتل، وما استطاعوا. دوَّت فينا وبهم الحرية والاستقلال والسيادة، طلعنا على الضو وعلى الحرية وسجنوا هم في أقبية الذل والعار وما زالوا حتى اللحظة.

حتى اللحظة هم سجناء ولو كانوا فوق سابع شمس، لا شمس في طرقاتهم مهما حاولوا الإيحاء بأنهم أحرار. لا، المجرم ليس حرا، المجرم ذليل وهو يعرف ذلك، المجرم الذي نعرفه وندل عليه بالإصبع والعيون والكلمات، ذاك المسكين في توصيف الشهيد، هو مسكين لأنه بلا إنسانية والإنسانية هي محكمته، هي من تدينه هي من تأسره في قبو الذل والعار، ومع ذلك ما زال الشهداء من دون عدالة، عشرة شهداء وأكثر من خمسين جريحا أليست تلك مجزرة؟ ولو دوّت العبوات الأربع الأخرى التي وضعت في زوايا الكنيسة أما كان بلغ عدد الشهداء المئة على الأقل؟ ألا تستحق الجريمة لقب «مجزرة» لتحال على المحكمة الدولية؟!

أخرج من الكنيسة وأنظر خلفي للمرة الأخيرة، الى حيث استشهد عدل الأرض عند أقدام العذراء مريم فرأيته. أففف، من بعيد يلوّح بيده مبتسما «ما تزعلي ولا تغضبي جايي العدالة وما رح تعرفوا كيف ممكن تتحقق بس آمنوا»… خرجت وعاتبت وقلت في نفسي يسوع هنا لا تخافي والعدالة آتية آتية آتية إنتظرها يا مجرم…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل