مرشّح السيكار المتوهّج

 

آخر مشهد – كتب عماد موسى في مجلة “المسيرة” – العدد 1651:

 

أعرفه من ثمانينيات القرن الماضي. همّه الأول أن يجد لقفاه كرسياً في الصفوف الأمامية وأن يقرأ إسمه في الصحف وأن يرى صورته منشورة في صفحات المجتمع ممتشقاً سيكاره  يحوطه عتعيتان واحد يلبسه الجاكيت إذا شعر بالبرد وواحد يخلع عنه السترة إذا أحس بارتفاع حرارة وجنتيه والإثنان يتسابقان على إشعال سيكاره والبقاء على أهبة إشعاله من جديد إذا انطفأت ناره.

منذ بدايته السياسية إحتاج إلى مرجعية يبشّر بطروحاتها ويظهر معها في الصورة. إستزلم لهذا. قعد في حضن ذاك متملّقاً. نقل ولاءه من المقاومة اللبنانية إلى الممانعة الشيعية ومن الممانعة إلى الخط السيادي ومن الخط السيادي العابر للطوائف إلى أحد حُماة الطائفة الأم ومن الخط السيادي إلى  تيار الحراك المدني. وهلأتني مش عارف الله وين حاطو.

كل سكرتيرات الوزراء في حكومات عهد الوصاية عرفنه “لبصة” الثمانينيات والتسعينيات والألفية الثالثة. يتنقل من وزارة إلى وزارة كي يعرض خدماته السياسية وأفكاره أو بهدف دعوة أصحاب المعالي إلى عشائه السنوي، وقد منّ عليه الحظ  بوظيفة رمزية تدر عليه مدخولاً يسمح له بتنظيم وليمة سنوية تستقطب باقة من الوزراء والنواب وفعاليات طائفته. أما الصورة الكلاسيكية في العشاء السنوي فهذا وصفها: يقف  تباعا خلف طاولات مدعويه سيكار في يد وكأس نبيذ في يد وبلادة على محياه، يحشر رأسه بين رأس وزير ورأس قرينته، بين نائب وملحقته الإعلامية، بين رئيس تحرير ومحظيته والمصوّر يصوّر. العشاء السنوي حدث. ومع الوقت صار العشاء مورد رزق من خلال تبرعات يدفعها المدعوون لدعم جمعيات يرأس مجلس إدارتها حامل السيكار وهموم الأيتام والأرامل.

منذ بزوغ نجمه وسطوع اسمه واشتعال سيكاره وهو يحلم بكرسي في مجلس النوّاب. كرسي جلدي. كرسي قش. كرسي هزّاز. إمتلك العز. المال. العلاقات. الحضور الصحافي. إقتنى مرافقين. سيارات. منازل في لبنان والمهجر. وتاج النضال نمرة زرقاء.

أبدى استعداده للتحالف مع رفاق الصف الإنعزالي. إنفتح على التيار الوطني (مش الحر). فاوض الإسلاميين والممانعين والعلمانيين. وأتته الفرصة في عهد الوصاية ولم يقتنصها. إستقتل على المقعد النيابي. طلع بطروحات طائفية ووطنية غب الطلب ولم يوفق. منذ انتخابات طويل العمر اللواء سامي الخطيب إلى آخر انتخابات جرّب المجرّب. إستقتل على النيابة.  فتح فاه كأسد جائع. إستشرس. قاتل. ناضل في كل الساحات. وفوق ذلك وُجد متطوّع يقول: إنه لا يسعى إلى النيابة بل النيابة تسعى إليه. مرشّح  لقطة. مرشّح ديّوس. مرشّح  مقتدر. يتواصل مع الجميع ومنفتح على الجميع ومتملّق لجميع من في السلطة. مرشّح مجتمع. مرشح خدمات. مرشح  التفشيخ. مرشّح السيكار المتوهّج. مرشح لا يهمّه الفوز. وهو إن خسر ربح. شأنه شأن سيدات المجتمع المدني اللواتي يبدأن بسقف الإطاحة بالطغمة الحاكمة وينتهي بهن الأمر بتوسل نشر خبر إعلان اللائحة وبيانها السياسي ونطنطاتهن الإستعراضية!

من لا يتوخى الفوز ومن لا يراهن على إحداث خرق لوين بيبقى طاحش متل المجنون عالأوتوستراد وعم يكسر على زيد وعمر ممن يملكون حيثية شعبية تؤهلهم للمنافسة الحق على مقعد باطل؟

أخيرا قرر مرشح السيكار المتوهج، بعد استمزاج آراء مريديه ومحبيه أن يعزف عن الترشيح واضعاً نصب عينيه خدمة القضية التي بذلت الغالي والنفيس كي ترفعه إلى مصاف الوجهاء. وفي الواقع ما حدا أخدو معو على الليستة حتى نعمت بدر الدين!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل