ماذا يمكن ان تبدِّل الانتخابات؟

نحن هنا – كتب رئيس جهاز الاعلام والتواصل في ” القوات اللبنانية” شارل جبور في المسيرة – العدد 1652

 

شريحة واسعة من اللبنانيين تعتبر ان التغيير في لبنان لا يتجاوز الشعارات، وان الوضع ميؤوس منه، وان الانتخابات محطة شكلية ولو كانت ديموقراطية، وان التحولات الفعلية تتم من خارج المؤسسات، وان كل القوى تتحدث عن الفساد وكأنه آت من كوكب آخر، وإن الثمن الأكبر يدفعه المواطن بسبب غياب كل الضمانات التي توفر له العيش بكرامة وأمان وسلام (…).

وقد يكون ما تقدم صحيحا، إلا انه لا يجوز عدم أخذ المعطيات الآتية في الاعتبار:

أولا، إذا سلمنا جدلا ان التشخيص يعكس الواقع القائم، ولكن هل المطلوب الاستسلام لهذا الواقع أم مواجهته؟ وهل هناك فعلا ما هو ميؤوس منه وغير قابل للمعالجة؟ فالتطور الذي حققته البشرية على امتداد قرون وعقود حصل نتيجة تراكم نضالي وإلا لبقيت الشعوب في جهلها وفقرها وعتمتها. فالمواجهة هي فعل إيمان وحرية وحق بالوجود السياسي والعيش الكريم.

ثانيا، ليس صحيحا ان قدر اللبنانيين العيش من دون سيادة وفي دولة مهترئة وفاسدة، وليس صحيحا ان الواقع القائم غير قابل للتغيير.

ثالثا، الواقع المهترئ الذي تعيش فيه الناس له أسبابه وفي طليعتها ان انتهاء الحرب لم يشكل فرصة لبناء الدولة بسبب الوصاية السورية التي أبقت السيادة منتهكة وشرعّت الفساد بشكل غير مسبوق، كما ان الخروج السوري من لبنان لم يشكل بدوره فرصة بسبب الانقسامات والاغتيالات وعدم إيلاء قوى ١٤ آذار الاهتمام الكافي للشق المتعلق بالفساد، وما يجدر ذكره ان الفساد وجد مع قيام الدولة اللبنانية، ولكنه لم يكن يوما بنيويا ومكشوفا على غرار ما هو اليوم.

رابعا، الانتخابات كانت شكلية في زمن الوصاية السورية، ولكنها لم تعد كذلك بعد انتهاء ذاك الزمن. وإذا كانت النتائج الانتخابية لا تشكل حلا وعلاجا حاسما لسلاح “حزب الله”، إلا انها تفضي إلى توازن وطني دقيق، وتمنع الحزب من تجاوز الحيثيات الوطنية التمثيلية الفعلية، وتؤسس لحالة سياسية لديها كامل الجهوزية لتلقف اي تطور يفضي إلى تحصين مشروع الدولة.

خامسا، لا يمكن مقارنة القانون الجديد بالقانون السابق، وعلى رغم صعوبة تقدير النتائج اعتبارا من اليوم، فإن حصيلة الانتخابات ستخضع لتقييم دقيق، إلا انه لا شك ان ما سيتحقق سيشكل نقلة نوعية على مستوى الحياة الوطنية، فيما لا يجب الاستخفاف بمعطى أساسي وهو انه للمرة الأولى منذ العام 1990 يعاد تصحيح الخلل الوطني، ما يعني انتقال التركيز من العنوان التمثيلي إلى العنوانين السيادي والإصلاحي، ولكن مع فارق أساس وهو ان التمثيل الفعلي يشكل أفضل وسيلة للمواجهة، حيث لا يجب ان يسها عن بال أحد ان ضرب صحة التمثيل شكل أحد الأهداف الأساسية للنظام السوري بغية الإطباق والهيمنة على القرار السياسي اللبناني.

سادسا، لا يجوز وضع كل القوى في نفس الخانة او السلة، وهذا من الأخطاء او خطايا بعض الجمعيات المدنية، لانه مخطئ كل من يعتقد ان بإمكانه ان يشكل بديلا عن الجميع، فيما المطلوب إيجاد نواة صلبة ومؤمنة بالتغيير، وان أي تزاوج بين مبدئية صارمة، وبين براغماتية تفتح باب التقاطع أمام أوسع شريحة من القوى السياسية التي تلتقي معها على أرضية مشتركة، لان التغيير لا يمكن تحقيقه بواسطة فريق واحد أوحد، خصوصا في تركيبة مجتمعية مركبة ومعقدة.

وفي هذا المجال لا بد من تسجيل براعة قواتية انتخابية تفاوضية نجحت بتجاوز كل محاولات التضييق والتهميش والحصار، وغير صحيح ان الأمور هي دائماً بين الأبيض والأسود، وان المطلوب إرضاء بعض العقول الحامية، فيما التموضع يجب ان ينسجم مع اللحظة الوطنية، حيث ان التصعيد يواجه بتصعيد، والتهدئة تستتبع التهدئة من دون ان يتخلى اي طرف عن ثوابته، خصوصا ان لكل مرحلة معطياتها، ومعطيات اليوم تختلف عن معطيات العام 2009، والمواجهة أشكال حيث تتخذ في كل مرحلة شكلا معينا، وهل “حزب الله” اليوم مثلا هو نفسه في العام 2009؟

صحيح ان الحزب لم يتبدل، ولكنه بدّل في أسلوب مواجهته، فهو بالتأكيد لم يتراجع عن سلاحه ودوره، ولكنه يتعامل مع كل مرحلة وفق ما تتطلبه كل مرحلة.

قد لا تحدث الانتخابات تحولا جذريا في الحياة الوطنية، ولن تحدث، ولكنها بالتأكيد في حال ارتفع منسوب المشاركة وصبّ الرأي العام بالاتجاه الصحيح من خلال التصويت للقوى القادرة على الفعل والتأثير والتغيير، فإنها ستشكل بداية ومحطة أمل وتولِّد دينامية جديدة تعيد الزخم إلى المشروع السيادي.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل