منذ أشهر واللبنانيون يسمعون يومياً مطالبات “شعبية” بعفو عام عن جرائم وجنح وارتكابات قام بها آلاف من مواطنيهم، استناداً الى مذكرات التوقيف والجلب للتحقيق الصادرة عن القضاء. وعندما بدأ استحقاق الانتخابات النيابية يقترب بعد صدور قانون الانتخاب وتحديد موعدها وبدء تنفيذ الترتيبات اللازمة لاجرائها، صارت المطالبات هذه شبه منتظمة. أما السبب فكان معرفة المطلوبين للقضاء وأهاليهم أن الأحزاب الطائفية والمذهبية والسياسية كما المرجعيات الرسمية في البلاد ستكون في حاجة الى أصواتهم، بسبب عددها الكبير وانتماء أصحابها الى طوائف ومذاهب وتيارات يعتبر بعضها أن خرق القوانين الذي قام به المطلوبون والموقوفون والمحكومون ليس ضدها. إذ أنّ دوافعه “وطنية” وطائفية ومذهبية وردّ فعل استنكاري لإهمال مزمن حرم مناطق معينة وأبنائها الانماء وفرص العمل والمدارس والطبابة وما الى ذلك من حاجات. دفع ذلك المطالبين بالعفو العام الى تسريع وتيرة التحرّك بالإكثار من التصريحات للإعلام وأيضاً القيام بمسيرات مهمة بـ”رمزية” المشاركين فيها دينية كانت أو عشائرية. وحقّقوا حتى الآن نجاحاً لا بأس به، بل مهماً تجلّى في حصولهم على مواقف علنية مؤيدة للعفو، وملتزمة السعي الى تحقيقه من مواقعها الرسمية المهمة، وداعية الى النظر بعين العدل الى المطلوبين، وذلك بأخذ الظروف التي دفعتهم الى الارتكاب الجرمي أو الجنحي في الاعتبار عند البحث في العفو، وبالاقرار بمسؤولية الدولة بمؤسساتها كلها عن وصول هؤلاء الى الحال المعروفة. وأبرز أصحاب المواقف المؤيدة صدر عن “تيار المستقبل” بلسان رئيسه ورئيس الحكومة سعد الحريري صاحب المكانة والتمثيل البارزين في أوساط “شعبه السنّي”، كما صدر عن الثنائية الشيعية بلسان أحد طرفيها “حزب الله” صاحب المكانة البارزة مع شريكته “حركة أمل” في أوساط “شعبها الشيعي”. هل يتحقق إجماع “شعوب” لبنان على إصدار عفو عام أم لا، وهل يُصدر مجلس النواب قانوناً للتنفيذ؟ الجواب النهائي اليوم عن سؤال كهذا لا بد أن يكون نوعاً من التبصير. علماً أن أوساط عدّة متابعة لهذا الملف ولأوضاع لبنان تستبعد إقدام مجلس النواب في هذه المرحلة على خطوة سيعتبرها أطراف لبنانيون “رشوة” موصوفة للحصول على أصوات الأعداد الكبيرة من أهالي المطلوبين الى القضاء. وذلك أمر سيُفقد دولة لبنان صدقيّتها وجدّيتها وكرامتها داخل المجتمع الدولي. وعلماً أيضاً أن الاعتراض على العفو في الداخل اللبناني قد تكون له أسباب كثيرة، إلا أن أبرزها هو عدم ضمان عدم عودة المشمولين به أو غالبيتهم الى الانحراف على تنوّعه. والأدلة على ذلك كثيرة، إلا أننا سنكتفي بآخرها على محدوديّته لأنه أكثر سطوعاً. فأثناء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تم القبض على “الاسلامي” شادي المولوي وبدأ التحقيق معه، فقامت ضجة في طرابلس كونه إبنها وسارت تظاهرات غير حاشدة ولكن ذات “رمزية” مهمة، طالبت بالإفراج عنه لأنه بريء من العمل مع تنظيمات إسلامية متشددة تنفذ عمليات إرهابية. أفرج القضاء عنه. ولا أحد يمتلك دليلاً حسياً على تدخل سياسي وراء الافراج. لكن مسارعة الرئيس ميقاتي وأحد وزرائه محمد الصفدي الى تكريم المفرج عنه، واحد بوضع سيارة له ليعود الى عاصمة الشمال، وآخر باستقباله في مكتبه فيها و”تكريمه” في حضور أنصار له وأعلاميين دفعت الناس الى التساؤل. وما حصل بعد ذلك معروف. عاد المولوي الى سيرته وعاد القضاء الى تسطير مذكرات بملاحقته وتوقيفه. وهو لا يزال مختبئاً لكنه يتابع “جهاده”. تدلّ هذه الحادثة التي لا نرمي من التذكير بها الى الإساءة الى الصديق ميقاتي والوزير الصفدي، على أن العفو العام لن تكون نتائجه أفضل وخصوصاً مع المعفي عنهم وتجار المخدرات وممارسي العنف والخطف من جهة ومع ممارسي “الإرهاب” والمحرّضين عليه ومشرّعيه، ومع المتعاملين مع العدو الاسرائيلي واللاجئين إليه للحماية منذ تحرير عام 2000. والسبب استمرار غياب الدولة أي دولة الانماء المتوازن وتأمين الحاجات الاجتماعية، ودولة الأمن الواحد والقرار الواحد والولاء الواحد للوطن، ودولة الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، لا دولة الطوائف والعشائر والمذاهب والفساد والارتهان للمصالح والمكاسب.
طبعاً لا بد أن يُثار موضوع العفو من جديد بعد الانتخابات النيابية إذا لم تحصل تطورات “تفرض” على مجلس النواب الاستعجال في إقرار قانونه للفوز فيها. ومن المرجح جداً إقراره رغم اقتناع “شعوب” لبنان بأن الدولة لا تزال مفقودة. وربما تكون هناك “مبررات” لذلك ناجمة عن الانقسام الطائفي والمذهبي. فغالبية الصادرة مذكرات ملاحقة وتوقيف واستجواب في حقهم “مسلمة” (شيعة وسنّة). والثنائية الشيعية لا تستطيع أن تغضب خزانها من “المقاومين” وخصوصاً في “البقاع العشائري الطابع” في قسم منه، ليس لرغبة الفوز في الانتخابات بل للحرص على استمرار “المقاومة” سواء كانت ضد إسرائيل أو ضد كل من يخالف طرفها الأقوى عسكرياً “حزب الله” وحليفته إيران الاسلامية في لبنان والمنطقة، و”تيار المستقبل” وغالبية الزعامات السنّية تعتبر أن استهداف الاسلاميين يزيد في ضعف السنّة على يد “أخصامها” في لبنان والخارج والمسيحيون تياراً وأحزاباً لا يمكنهم ضمان عدم عودة بعض “العملاء” الى العمالة. في النهاية على من يريدون العفو العام أن يرمّموا الدولة أولاً، وإذا استعصى ذلك أن يلجأوا الى إقامة دولة جديدة ليس بالإسم فقط بل بالفعل أيضاً.