لعل قلة نادرة من اللبنانيين فقط تنبهت الى ان النظرة الغربية الى لبنان تبدلت عن الكثير من معاييرها الثابتة السابقة تماما مثلما تغير الواقع اللبناني في السنوات الاخيرة بل أكثر. مناسبة هذه المقاربة ما أحاط باحياء يوم المرأة العالمي هذه السنة من حفاوة استثنائية في لبنان لمصادفة موعد احيائه مع تحقيق المرأة اللبنانية رقما قياسيا في الترشيحات للانتخابات النيابية في ظل إقبال نسوي غير مسبوق على الترشح. والحال اننا لا نعاين هنا هذا التطور التقدمي والإيجابي من اسبابه الموضوعية اللبنانية وانما يسترعينا تركيز بعض او معظم الاهتمامات الأوروبية خصوصا والغربية عموما في الاستعدادات للانتخابات على ما يخالف الى حدود بعيدة نماذج التجارب السابقة. الاهتمامات الحالية تراها تعنى مثلا بترشيح المرأة ورصد حركة جمعيات وجماعات الحراك المدني او ما يسمى (خطأ طبعا) المجتمع المدني اكثر مما باتت تسترعي اكثرية الدول الاوروبية المعنية برصد الانتخابات اللبنانية مسألة تغيير البنية السياسية تغييرا جذريا قد ينشأ عنه تبديل الواقع الدستوري والسياسي للبنان تبديلا انقلابيا. واذا كانت لمؤتمرات الدعم الدولية الثلاثة المقررة ما بين منتصف آذار الحالي ونهاية نيسان المقبل، وكلها تنعقد قبل موعد الانتخابات في السادس من أيار، من دلالات تتجاوز اعانة لبنان على مزيد من الصمود وتجنب الاهتزازات الخطرة تحت وطأة أزماته ولا سيما منها أزمة النازحين السوريين فإنها ستبرز حقيقة في اختبار مدى حساسية المجتمع الدولي حيال تقوية التوازن السياسي الداخلي فيه لئلا يجنح نحو هيمنة خطيرة للغاية للمحور الذي تقوده ايران. لا أحد يتنكر لاهمية تنمية التشجيع الغربي والاوروبي لكل العوامل التي تحسن تمثيل المجتمعات الحيوية والقطاعات المهمشة في الانتخابات ومنها المجتمع اللبناني الذي يشكل جاذبا حقيقيا للاهتمامات الاوروبية والغربية عموما. ومع ذلك فان اثارة الجانب المتصل ببعض التغيير اللافت هذه المرة في التعامل الغربي ولا سيما منه الاوروبي مع الاستحقاق اللبناني يستدعيه تراجع لبنان تراجعا كبيرا في الاولويات المبدئية الاساسية الاوروبية ولا نقول الاولويات الديبلوماسية والسياسية اليومية والعابرة. بمعنى ان المجتمع الديبلوماسي الغربي والاوروبي خصوصا كان يدأب سابقا على اعلاء الواقع السيادي والاقليمي للبنان اولوية اكثر سخونة وإلحاحا كمدخل اساسي وطبيعي للحفاظ على ديموقراطية تعددية تكاد تكون يتيمة في الشرق الوسط. ولعل احدا لم ينس بعد الصراخ الذي كان يتعالى من رموز تحالف 8 آذار والمحور الايراني السوري آنذاك كلما ارتفع موقف غربي يؤشر الى اتجاهات غربية رادعة لهذا المحور من تدمير الخصوصية والتوازنات اللبنانية. الآن نقف امام أمر آخر لا يوحي بالكثير من انجذاب غربي الى هذا الاستحقاق عموما الا ما ندر. ويصعب إيهامنا بان إطلالات مثل الإحاطة بترشيح المرأة والمناداة بالشفافية والمعايير النزيهة في العملية الانتخابية وما اليها، على اهمية هذه المبادئ، تكفي لتبرير غياب او تغييب امر آخر يفوقها خطورة واهمية يتصل بلبنان ما بعد 6 أيار.