الاحتجاجات في الشارع كيف تصرف انتخابيًا؟

الاحتجاجات في الشارع كيف تصرف انتخابيًا؟

المجتمع المدني يتحرك سياسيًا والمطالب شمّاعة للتجييش

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” عدد 1652:

يشهد لبنان منذ سنوات تزايدا مطردا في توسّل الشارع لرفع المطالب وللضغط بغية تحقيقها. ومع أن التظاهر حق وتعبير ديمقراطي، إلا أنه في لبنان غالبا ما يخرج عن حضاريّته ويجنح نحو الممارسات العنفية والتعابير والشعارات غير المطلبية. وهي ظاهرة باتت بعد تفاقمها، تدعو إلى أمرين: دراسة خلفياتها السوسيوسياسية من جهة، وتعاطي المرشحين معها تبنّيا أو رفضا من جهة ثانية. وفي هذا السياق، قال مرّة أحد المشاركين في تظاهرة مطلبية معيشية: «رفع المرشحون إلى الإنتخابات النيابية شعارات إصلاحية عديدة وتناولوا مواضيع شتّى، لكن أحدا لم يتطرق إلى موضوع فئات كثيرة لم تنل مطالبها منذ سنوات، وما زالت تتوسل الشارع تظاهرات واعتصامات سعيا لتحقيق هذه المطالب. أفلسنا جزءا من الناخبين المفترضين؟»

منذ مطلع العام الحالي عاد مياومو مؤسسة كهرباء لبنان ليملأوا الشوارع تظاهرات. وهم نفّذوا مؤخرا، إضراباً تحذيرياً أمام مبنى المؤسسة في بيروت، وأقفلوا الأبواب بالإطارات المشتعلة. وهذ المشهد يتكرر من حين إلى آخر من دون بلوغ الحلول المطلوبة.

من جهتها، أجّلت اتحادات ونقابات قطاع النقل البري إضرابا وتظاهرات واعتصامات كانت دعت إليها في أول شباط ثم في الخامس عشر منه، وتم الإعلان عن تحركات لاحقة. وجاء في بيان الإتحادات أنهم يستهجنون اللامبالاة وعدم الجدية من بعض المسؤولين في معالجة ملفهم…

كذلك شهدت الأسابيع الماضية إضرابا نفذه عمال ومستخدمو مؤسسة مياه لبنان الشمالي، أمام المقر الرئيسي في طرابلس. وأعلن رئيس النقابة كمال مولود، الاضراب المفتوح والتوقف عن العمل.

وفي الفترة عينها تقريباً، نفّذت المؤسسات الرسمية والمصالح المستقلة والبلديات وفروع الجامعة اللبنانية غير الخاضعة لقانون العمل إضراباً مفتوحاً، رفضاً لاستثنائها من فروقات سلسلة الرتب والرواتب ولمضمون المذكّرة التي كان أصدرَها رئيس الحكومة والتي حرَمتهم كثيراً من مكتسباتهم السابقة ومن التقديمات الإضافية للسلسلة الجديدة. وأعلنت رابطة موظفي الادارة العامة تضامنها مع المحتجين.

كما أعلنت الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية رفض المذكرة التوجيهية الصادرة عن رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور فؤاد أيوب». ونفّذت إضرابا تحذيريا في جميع كليات الجامعة وفروعها في 27 شباط الماضي «صونا لكرامة الاستاذ الجامعي وحماية لخصوصيته». من جهتهم أساتذة التعليم الخاص، وبعد إضرابهم في مختلف المناطق وتنفيذ اعتصام أمام وزارة التربية والتعليم العالي، هددوا بالإضراب المفتوح حتى الحصول على الدرجات الست. بينما تظاهر أهالي التلاميذ في أكثر من مكان وأكثر من تاريخ رفضًا لزيادة الأقسام المدرسية.

كذلك، ومنذ صدور القانون رقم 46 المتعلّق بسلسلة الرتب والرواتب قبل أشهر، لم يتوانَ موظفو المستشفيات الحكومية عن المطالبة بشمولهم بتطبيق القانون ومساواتهم بموظفي القطاع العام. إلا أن أياً من مطالبهم لم يتحقق. وقد نفذوا في أواسط شباط الماضي، إعتصاماً أمام وزارة الصحة، معلنين تمسكهم بتطبيق القانون 46 وشمولهم بالسلسلة. وكانت نقابة مستخدمي الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي، أعلنت الإضراب التحذيري ليومين في كانون الثاني الماضي. وحذرت في بيان من اللجوء إلى الإضراب المفتوح.

وهكذا شكل مجمل هذه التحركات وقبلها تحركات ما يعرف بالمجتمع المدني، ظاهرة جديرة بالتحليل، خصوصا على أبواب انتخابات تشكل فرصة للناس لتغيير الواقع المشكو منه، وفرصة للمرشحين لتحديد التوجهات الأساسية لبرامجهم الإنتخابية. فكيف هو الواقع اليوم؟ وهل يمكن أن تُصرف هذه التحركات في صناديق الاقتراع؟

محطات وملاحظات

يتفق متخصصو علم الإجتماع السياسي على أن ظاهرة الإحتجاجات في لبنان وتفاعلها الإجتماعي وتداعياته في التخطيط السياسي، هي في الغالب مشوّهة وغير ذات تأثير عند وضع البرامج وإقامة الحملات الإنتخابية. ويشيرون إلى أنه في البلدان المتحضّرة تُبنى البرامج الإنتخابية على أساس مطالب الناس. فقد فاز الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لأنه تجاوب مع مطالب الأميركيين بالإنسحاب من العراق، وفاز رئيس الحكومة اليوناني الكسيس تسيبراس لأنه وعد بالإنقاذ الإقتصادي وكانت اليونان على حافة الإفلاس، وكذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وغيرهم من القادة.

أما في لبنان فالأمر مختلف تماما، ويعرف المرشحون والمنخرطون في الحياة العامة، أن معظم التحركات الشعبية تفتقر إلى المصداقية وتتحرّك بخلفيات سياسية، ولأنهم يعتبرونها كذلك لا يتصرفون بخلفية تلبية المطالب المرفوعة باعتبار أن ظاهرها شيء وواقعها شيء آخر، علما أن البعض جرفته ظاهرة الإحتجاج الشعبية في السنوات السابقة فركب موجتها ورفع مطالبها توسّلاً لاستقطاب التأييد المرتجى ثم توظيفه في السياسة. وقد تولّدت حركات وجمعيات من هذا الحراك وهي تحشد قواها اليوم لخوض الإنتخابات النيابية.

ويعتبر المتخصصون أن المرشحين التقليديين ومرشحي الأحزاب يعلمون أن من ينزلون إلى الشارع في تظاهرات ترفع شعارات حياتية أو مهنية أو حتى سياسية، هم في الغالب من تيارات سياسية ملتزمون بها إما تنظيميا أو عقائديا أو طائفيا، ولا تُجدي كثيرا محاولات استقطابهم إلى مواقع وأفكار متمايزة او متناقضة مع ما هم عليه من قناعات وانتماءات. ففي لبنان لا كتلة شعبية كبيرة يمكن أن تنتقل من مكان إلى آخر تبعا للأوضاع المستجدة أو البرامج المعَدّة، كما في العديد من الدول. لذلك نجد أن البرامج لا تعوّل كثيرا على هؤلاء باستثناء بعض الأمور الحياتية المحلية التي تختلف من منطقة إلى أخرى ويمكن تحديد صحّتها.

وقد تتعدد أشكال الحركات الاجتماعية وأنواعها ومجالاتها، فحجم العضوية في بعضها لا يتجاوز العشرات بينما يصل في حركات أخرى إلى الآلاف. وفيما تنشط بعض الحركات في ظل القوانين السائدة، فإن بعضها الآخر يعمل خارج الأطر القانونية. لذا فقد أصبحت الحركات الاجتماعية والاحتجاجية موضوعا للدراسة والتحليل ينشغل به الكثير من أهل العلوم الاجتماعية والسياسية بهدف فهم شروط نشوئها وآفاق تطورها. فإذا كانت الحشود في تظاهرة ما مشكَّلة من حزبيين، فما جدوى العمل على تبنّي شعاراتها بهدف استقطابها؟ وهذا ما هو حاصل عادة في لبنان.

مسرّة: هناك من يستغل مطالب الناس

الأستاذ في القانون وعلم الإجتماع الدكتور أنطوان مسرّة قال لـ»المسيرة» إن «معظم حركاتنا الإحتجاجية تتصف بالتذمّر والتشكّي أكثر من العرض العلمي للقضايا المحقة، وهذا التشكّي خطير للديمقراطية. لماذا؟ لأنه تنتج عنه زعامات سياسية تستغل موجة التذمر وتَعِد الناس بغد مشرق لتستقطبهم بهدف تجييرهم لمصالح سياسية خاصة، فتتسلم الحكم وتؤسس لدكتاتوريات جديدة. اليوم في لبنان هناك من يستغل مطالب الناس ليصل إلى الحكم ولا يغيّر أي شيء. وهناك أيضا طغيان الرأي بعيدا عن «الواقع الواقع» وهو ما نشأ عن ظهور شبكة الإنترنت وتوسعها وضخ كمّ كبير من المعلومات، ولكن بغياب المعرفة. فهل عند المواطنين اليوم معرفة حقيقية بقضية الكهرباء أو النفايات أو غيرها؟ طبعا لا».

وأشار الدكتور مسرّة إلى «أن الحركات الإحتجاجية في لبنان منذ العقد الأخير تتّبع الأسلوب نفسه الذي يتّبعه السياسيون، بخلاف ما كانت عليه الحال في ستينات وسبعينات القرن الماضي. فكل حركة «طلعت ريحتكن» وغيرها من الحركات، لم تكن حركات مجتمع مدني بل كانت ضد الطبقة السياسية بأكملها، ولم تقدّم حلا واحدا لمسألة معالجة أزمة النفايات. وهي تصرفت كحركة سياسية معارضة للسلطة لا كمجتمع مدني. ومعلوم أن للمعارضة السياسية أهدافا وأساليب عمل غير تلك التي تكون لدى المجتمع المدني».

وتابع «نحن في مؤسسة السلم لأهلي الدائم عندنا برنامج يتضمّن أكثر من 40 قانونا في مجلس النواب غير مطبقة لأنه لم تصدر مراسيم تطبيقية لها. هكذا يعمل الحراك المدني وليس بالنق والتشكّي. واقترح على السياسيين المرشحين إلى الإنتخابات النيابية عدم توسيع برامجهم الإنتخابية بل تضمينها بندا واحدا وهو تطبيق القوانين. فمشكلتنا في لبنان أننا لا نطبق القوانين، وعندما يتم ذلك يأخذ كل ذي حق حقّه ولا يعود هناك من داعٍ للتظاهر والإحتجاج. وليس فقط القوانين بل الدستور أيضا لا يطبق، هو يطبق بتحريف واستنساب. وهذا السلوك نتائجه خطيرة على مستقبل لبنان».

ورأى مسرّة أن «الفكر العربي في شكل عام هو فكر شعاراتي. فليس هكذا ترفع الشعارات وتتحقق المطالب. أكثر من ذلك فإن معظم شعارات الحركات الإحتجاجية في لبنان هي ظلم وتجنٍّ، عندما نساوي بين الجميع في تهم الفساد وسوء الإدارة. هذا ظلم لأن عندنا في لبنان سياسيين من مستوى عالمي. وهناك سياسيون ضحّوا بمستقبلهم ومنهم من ضحّوا بحياتهم واستشهدوا في سبيل لبنان، ومن الظلم مساواتهم بآخرين فاسدين. هناك مثلا موسى الصدر وكمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوض ورفيق الحريري والعديد غيرهم، ألم يستشهدوا في سبيل لبنان؟ لذلك أقول إنه من الظلم مساواة الجميع برمي الإتهامات، هذا ظلم. وليس صحيحًا أنه ليس عندنا اليوم سياسيين شرفاء. فالطبقة السياسية لم تهبط علينا من الجو بل نحن من نختارها، ولذلك على اللبنانيين عشية الإنتخابات النيابية أن يُحسنوا الإختيار بدل أن يهيئوا بالإختيار الخطأ لموجات جديدة من النق والتشكّي.

مرشحون يقاربون المسألة

في المقابل ماذا يقول المرشحون أنفسهم عن مدى ارتباط برامجهم بالقضايا التي تجعل البلد على صفيح من الإحتجاجات دائم التحرّك؟

تُبيّن خلاصة جولة مقتضبة على المرشحين أن هناك اتجاهين على هذا الصعيد: واحد يشدد على ضرورة حمل هذه المطالب. ويَعِد أحد مرشحي هذه الفئة بالكفاح من أجلها في المجلس النيابي، علما أنه نائب منذ العام 2005، وهذه القضايا اجتاحت البلد خلال تلك السنوات. وآخر لمرشح «القوات اللبنانية» في البترون الدكتور فادي سعدالذي رد عند سؤاله عما إذا ضمّن برنامجه الإنتخابي القضايا المختلفة التي يرفعها المحتجون، بالسؤال أولا عن شفافية بعض هذه القضايا، لافتا إلى أنها تُقسم في نظره وبحسب نظرة حزبه لها، إلى 3 أقسام:

أولا، الإحتجاجات التي كانت تستغل القضايا الحياتية والأزمات المعيشية لتقفز منها إلى احتلال مراكز سياسية في جنة السلطة لا أكثر. ولذلك كنا نجد أنهم يتهمون الجميع ويهاجمون الجميع مقدّمين أنفسهم مشروع إنقاذ، من دون وضع أي تصور عملي أو اقتراح حل لهذه الأزمات، وهذا ما يكشف رياءهم، ولا يشجّع بالتالي على تبنّي شعاراتهم إذ إن بعضها حق يراد به باطل، وبعضها باطل أساساً.

ثانيا، الإحتجاجات التي كانت تتغطّى بالقضايا الحياتية لكن تتحرك بدفع من جهات سياسية أو لمآرب سياسية وأحيانا فئوية، وهذه تخسر من مصداقيتها، ولذلك لا يعود يصلح تبنّيها ليس لعدم أحقية القضايا بحد ذاتها، ولكن لأن أسلوب طرحها وتوقيته يُفرغان تلك القضايا من مضمونها فلا يعود حملها والمناداة بها ذا جدوى.

ثالثا، الإحتجاجات التي تحمل وجع الناس ومعاناتهم وتنادي بصدق لتصويب الأمور وإبعاد الظلم عن شرائح كبيرة من المجتمع ممن يعانون فعلا من غياب العدالة الإجتماعية وتدنّي المستوى المعيشي وغياب الخدمات الأساسية للمواطنين، هي في صلب اهتماماتنا. فنحن طالما حملنا هم الناس ومصيرهم وبذلنا الغالي من أجل تحقيق ذلك. ولكن هنا يجب التوقف عند بعض النقاط لإيضاحها منعا للّغط وسوء الفهم. بداية لو نظرنا إلى مجمل القضايا الحياتية المحقة لوجدنا أن قسما من السياسيين يستخدمونها شمّاعة لتجييش الناس واستقطابهم باعتبار أن المنادي بهذه المطالب يستدر عطف المواطنين، ومن دون فعل أي شيء عملي لحل هذه القضايا وهذا ليس أسلوبنا، وما أدى يوما إلا إلى عكس ما يرتجيه الناس، ولذلك لم نقاربه في برامجنا الإنتخابية من المنطلق الإستغلالي الشائع، ولن نلجأ إلى ذلك يوما باعتبار أن هكذا قضايا لها آليات علمية وقانونية لحلها ولا تحل بالشعارات.

وتاليا، إذا نظرنا في العمق إلى العناوين الحياتية التي تدفع الناس إلى الشارع، نجد أن ذلك يتولّد نتيجة تقاعس الدولة عن القيام بواجباتها تجاه مواطنيها، وعن الفساد المستشري، وهناك من يقول إن بعض الطبقة الحاكمة يتعمّد عدم تلبية مطالب الناس وتأمين حقوقهم ليظلّوا تحت رحمته عند كل استحقاق. ورؤيتنا في هذا المجال هي أن تقوم الدولة بواجبها بشفافية تجاه مواطنيها، وعندها تنتفي الحاجة إلى التظاهر اليومي ومن قبل معظم الفئات تقريبا.

باختصار هذا هو برنامجنا وهذا ما سنعمل له، ودعوتنا إلى أصحاب الحقوق المهدورة قبل سواهم، أن يُحسنوا الإختيار فيصوّبوا المسار.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل