#adsense

إميلي نصرالله تركت لنا وصايا “الزمن الجميل”

حجم الخط

“الفلاّحة” التي غادرتنا أمس إلى المنتهى، كانت تُدعى إميلي نصرالله (1931 – 2018)، وهي لطالما عملتْ بنزيف وجدانها، وبعرق يديها ومعول قلبها، وبحبر الكلمات، لتصنع من التراب، تراب الأرض وتراب الإنسان، عمارةً للحبّ والأمل والتفاؤل والصداقة والفرادة الإنسانية المطلقة. في الصحافة، وفي الكتابة الأدبية، لم تشغلها سوى هذه المهنة المزدوجة التي أفنت حياتها في الولاء لها، والتضحية من أجلها، في انتظار الربيع الدائم ومواسم الحصاد المتتالية.

 

إنها إملي نصرالله، الكاتبة المناضلة المكافحة الخلوقة المتواضعة العالية الرأس والقيمة. وإنها الفلاّحة المدينية بامتياز، ابنة بلدة الكفير الجنوبية، وصنيعة بيروت الزمن الجميل، الذي آل على يد زبانية الأزمنة التافهة هذه إلى خرابه الكارثي. هو “الزمن الجميل” ذاك، الذي وضعت من أجله كتابها الأخير، الصادر لها قبل أيام بالعنوان نفسه لدى “دار نوفل/هاشيت أنطوان”. فأيّ زمنٍ جميل كان زمن تلك المرأة، وكيف عبّرت عنه في شخصها، وتجربتيها الصحافية والروائية – القصصية؟

 

إنه زمن الحقيقة الروائية والأدبية والصحافية الناصعة، التي لا تتحمّل الزغل، ولا الممالأة، ولا الرياء، ولا المجاملة. زمن الحبّ الأول، والقول الأول، والشرف الأول، والصدق الأول، وقد ضمّخت إميلي نصرالله كتاباتها عنه برائحة الأرض، وعطر الندى، ولغة الليل والفجر، وبخور الكِبَر، وجمالات الشغف، وعنفوان النضال من أجل مجتمع الحق والعدل، والكرامة الإنسانية مطلقاً، وحقوق المرأة امتيازاً وتخصيصاً.

 

وهو زمن بيروت، بل زمن لبنان، حين كانت بيروت، وكان لبنان، قبل أن يعصف “الحيوان” في الإنسان، فيصيره، ملتهماً فيه كلّ حقّ، وكلّ خير، وكلّ جمال، جاعلاً من هذا “الانسان السابق” مأوىً للحقد والقتل، ومنتجعاً للغريزة السوداء، ومكبّاً للنتانة المجتمعية.

 

انتمت إميلي نصرالله، بوجودها الكلياني، إلى ذلك الزمن النورانيّ، زمن الأرض والسموّ البشري، وهو الزمن الذي أعطاها الحصانة الروحية والأخلاقية واللغوية، ومكّنها من التحليق فوق أسن المستنقع، فجاءت كتاباتها، مضموناً وأسلوباً، مرايا صافية لا غبش فيها، تعكس صفحات ذلك الزمن، وإشراقات بناته وبنيه، وصلابة القيم التي جسّدتها شخصياتها الروائية والقصصية، عبر دلالات الانتماء إلى فكرة الخير وفلسفة الألفة والودّ والحبّ والجمال.

 

لم ترغب إميلي نصرالله يوماً في أن تمخر عباب تيارات “الحداثة” الأدبية، ولا أن تركب الموجات التي نقلت الكتابات الروائية والقصصية اللبنانية إلى مراتب ومرتقيات غير مسبوقة. ذلك لإيمانها بأن الأصالة التي تنتمي إليها مضموناً وشكلاً، تمكّنها من أن تُفرِد لأدبها حيّزاً خاصاً في خضمّ التحولات البنيوية والفكرية واللغوية، وفي أتون الثورات الأدبية المتمادية. لذا، آثرت في تجاربها المتلاحقة طوال نحوٍ من ستين عاماً، أن تحفظ للبنية الكلاسيكية (المتجددة) مكانتها، كما آثرت أن تستنبت شخصياتها، الحقيقية أو المتخيّلة، من تربة الواقع، ومن مساحات الحياة اليومية، وتناقضاتها الجمّة.

 

إنها هي هي، الفلاّحة الأصيلة، لكن المدينية بامتياز، وقد حافظت على قرويتها وريفيتها، وهي تعايش مآثر العصر المديني، وصخب الوجود البيروتي بآفاقه المفتوحة على المفاجأة المدهشة. فلم يكن من البداهة في شيء أن تظلّ تكون شجرة الدفلى والجمر الغافي وتلك الذكريات والأيام والينابيع في زمن المتاهات الكبرى.

 

وهي إذ تغادر بعد عناء طويل مع المرض، وقبل أن يأتي أيلول بطيوره المرتجلة، تترك لنا وصايا “الزمن الجميل”، وديعة للأيام اللبنانية والعربية الصعبة!

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل